Search
  • Jamil Doaihi

سليمان ابراهيم يكتب عن "بسكنتا القامات، بسكنتا القيَم"


"بسكنتا القامات، بسكنتا القيم"، مجموعةٌ من وقفات أدبية نقدية بقلم القاضي الدكتور غالب غانم!!

يا طيبه من اكتشافٍ وقعت عليه عيناي فتلقّفته بالبصر والبصيرة معًا. فالعنوان، في زمن ترهل القيم، ملفتٌ... واسمُ واضعه، القاضي الدكتور غالب غانم، لاغرو، مُشعٌ لافت: "بسكنتا القامات بسكنتا القيم"- ما قلته في الحبيبة وأبنائها-كتابٌ من إصدارات مطبعة صادر.

وهل الخمرةُ الجيّدة يرهقها المكوثُ في أجاجين الخمّار؟ على العكس من ذلك فكلّما أخذتها إغفاءةٌ، ازداد مذاقُها طيبةً وأثرها في النّفس حدَّةً!! وكيف هي الحال مع خمرة من صافي عصير قاضٍ؛ عصر فكره عتيقةً في أَدب وفكر كبارٍ من أرض الميلاد بسكنتا وما اكتنز أَبناؤها الميامين من قيمٍ؟ فكان حضورهم أينما وجدوا: مضمّخا بطيب المناقب وجليل المآثر. فمرورهم في دفتر الأيّام كان قاماتٍ وقد علا هاماتها القيم، فأتت مآثرهم تيجانًا حفظت مرورهم الّذي منه كلّ النّسغ، وفيه مجمل دوافع النّمو ليميدوا في ذاكرة الزّمان وأهاليه، مما زادهم وبلدتهم بسكنتا رسوخًا وأَفاض عليهما مناعةً للصمود، بوجه ريح الإندثار.

استقلُّ الكتاب السّفينة، ممتطيًا غمار فكر القاضي غالب غانم وقد كنز منه في كبار يلدته غيضًا من فيضه بفكر وإنجازات أبناء بلدته، بأدبٍ وفكرٍ وشعرٍ وتاريخٍ وحضارةٍ وتكريماتٍ، لقاماتٍ وهاماتٍ من رحم بسكنتا الأمّ انطلقوا وإلى رحابٍ كونيّةٍ وصلوا وتعملقوا! فكان لهم في قلب القاضي ووجدانه وفكره نصيبٌ من أَزاهير حبره مقالاً وعطر كلامه عند كلّ مناسبة قولاً وموقفًا، على مدى ثلاثين وقفةٍ ونيّفٍ من الطّقوس في معبد الكلمة! بدءًا بكلمته في الكبير "ميخائيل نعيمة"حول موقفه من الحرب والسّلام، وعن ثنائيّةٍ متعارصةٍ في اللِّقاء بين وطنٍ، أرضُ سلام ٍ هو وشعبٍ بما ينحرف به عن عيش السّلام... وكأن وطنه لم يكن مُعدًا لأهله، بحسب ما جاء عند ناسك الشّخروب في مقالة "عفوك يا لبنان" من "النّور والدّيجور" وتجري بي السّفينةُ ماخرةً أمواج السّطوربكلمات نيّراتٍ في جمهرةٍ من كبارالكلمة: من رشيد أيّوب، سليمان كتّاني، ميشال طراد، جان مبارك، صلَبي خوري،بيرون رملي، سبع الهراوي، برنارد حبيقة، اسكندر أبي كرم،وفيق غريزي، المطران غي-بولس نجيم، نجاة جدعون، مروان معتوق... كلهم رجالات عطاءٍ أدبيّ فكري تعملقوا بما أَعنوا مكتبتنا العربيّة وتألّقوا بمرور ريشة القاضي غالب غانم ملوّنةً تلك العطاءات بمواقفَ وأراءٍ نيّراتٍ على دروب

سطورها ووقفات تكريم أصحابها.أَمّا عن الدّوحة الغانميّة، التي عن شجرة الوالد عبدالله غانم قد بسقت وترامت ظلالاً، أجدُ معلّمي بكياسته المعهودة ولطافته العامرة، يعتذرُ من ورود الكثير عن أبنائها وثمارهم في الكتاب؛ حيث جاء على لسانه "في بداية الكلام" قوله: "إنّ في ودّي، والكلام على حملة الأقلام في بسكنتا- فلاسفةً ومفكّرين وأُدباء وشعراء- يشغل حيّزًا كبيرًا من الكتاب، أن أَسبقَ القارئ إلى ملاحظةٍ قد تخطر بباله، وهي أنّ كثيرًا من الخُطب والمداخلات تدور في الدائرة "العندلبية" العانميّةمن الشّجرة/الأب إلى العصون/ الأبناء، مردُّ هذه الواقعة هي أنّ مواهبهم من كَرَمِ اليد العُليا وبركتها، وأَنّهم، همُ أيضًا، أَبناءُ هذه الأرض ذات الخصوبة والمدى الحضاري. إنّهم كأخدانهم ورفاقهم، من الّذين جعلوا بسكنتا مزارًا ثقافيًّا، كما جعلوا صنين جبل الشُّعراء، وهو في الأصل شاعرُ الجبال." بالحقيقة، إنّ كياستكم هذه تُحسبُ للكاتب وتثمَّنُ من بين جليل وقفاته على مرِّ أربعين سنةً ونيّفٍ من خدمة الكلمة والفكر والعدل في وطننا وإعلاءً لشأنه وشأن مواطنيه: وهل تعتذر الجّفنة المعطاء عن وفرة عناقيدها وجودة خمرتها للكرّام؟؟ وبخاصّةٍ إن كان من أُولئك السّهارى المهتمّين. فرحنا أن حفظت لنا خمورك عتيقةً مصفّاة في أجاجين السّطور للزّمن الآتي!!

وبالعودة إلى الكتاب، فهل يمكن أن يمرّ المرء في بسكنتا الفامات من غير أن تستوقفه القامات الغانميّة؟ من أَمثال واضع "من الشّائع إلى الأصيل"؟ أو المكوث بفيء شعر جورج غانم، الّذي أوسع قلبه لحبّ وطنه وفكره لحبّ الإنسان، وإن كان الأخ، فهل يكرِّم الوطن الأخَ من غير حضرة أخيه وظلال فكره والرّحيق الصّادق؟؟ وفي الكتاب وقفةٌ ولا أطيب من الإبن إزاء والده، في مداخلة القاضي غالب غانم "والدي كما عرفته إنسانًا وشاعرًا" ؛ ناهيك عن وفقةٍ أَجل وأعظم، يوم افتتاح مركزة العندليب عبدالله غانم الثّقافي، حيثُ جاء في صدر الكلمة إهداءٌ على لسان العائلة، قال فيه الدكتور غانم: "إلى مُلهمة العباقرة والفلاسفة والشّعراء، إلى الرَّحم الولود والحديقة الثّقافيّة الغنّاء، إلى فتاة الأعالي وأٌخت صنين الحسناء، إلى والدتنا الثّانية بسكنتا:نٌهدي هذا المركز الثّقافي." وينطوي السِّفر الأخير في الكتاب على رأيٍ للشّاعر عبدالله غانم في رحلته إلى هذه الفانيّة وقد حُفر على قدم تمثاله الّذي يستقبلك بوقاره أمام المركز، جاء فيه: "جئتُ هذا الوجودَ فردًا ولمّا سِرتُ عنهُ، أَمسَيتُ كُلَّ الوجودِ."

وأعودُ من رحلتي مشطّطًا يمّ الوجود، متأبّطًا من سيَر كبار المنابر ومميَّزي الحضور، على لسان قاضٍ أَزوادًا للزّمن الآتي، من كتابٍ ضمّ نفيس المقال في خزنة الفكر ومضاجع الخلود الأبقى، ويا طيبه من مُقامٍ!

سليمان يوسف إبراهيم- عنّايا، في 6/2/ 2015

#كتاب

0 views