Search
  • Jamil Doaihi

ليندا اللقيس غصن: الحسد والكراهية منذ بدء الكون


يخبرنا كتّاب العهد القديم في سِفر التكوين عن رجل الأحلام يوسف الذي أحبه والده وميّزه عن إخوته، فألبسه القميص الموشّى، وعندما رأى إخوته ان والدهم يميزه اشتعلت نار الحسد في قلوبهم فابغضوه، وللحسد السنة من النار تحرق الكيان، فيتجرد الانسان من الشعور بالرحمة والانسانية.

ان يوسف يحلم أحلاماً تخبّر عما سيكون وكلما اخبر اخوته عن هذه الاحلام كلما زادوا بغضاً له. وبينما كانوا يرعون غنم ابيهم ذهب يوسف ليفتقد اخوته وعندما رأوه من بعيد تآمروا عليه ليقتلوه قائلين: "هوذا صاحب الاحلام تعالوا نقتله ونطرحه في إحدى الآبار". فسمعهم رجل اسمه رأوبين وخلصه من ايديهم قائلاً: "لا تسفكوا دماً، إطرحوه في هذه البئر واتركوه... ومراده ان يخلصه منهم". وهكذا صنعوا، وكانت الئر فارغة من الماء، واذا بقافلة من الاسماعيليين قادمة فقال احد الاخوة: تعالوا نبيعه لان ما الفائدة من قتله!! فانتشلوه من البئر وباعوه بعشرين من الفضة.

الخلاصة من هذه القصة هي: إخوته ارادوا ان يقتلوه فلم يمت، ثم ارادوا ان يُمحى أثره فارتفع شأنه ثم بيع ليكون مملوكاً فاصبح ملكاً ثم ارادوا ان يمحوا محبته من قلب ابيه فازدادت واصبح سيد مصر الذي خلص شعبها من المجاعة. فلا تقلق ايها الانسان المتكل على ربك من تدابير البشر، لان ارادة الله فوق ارادة الجميع. وكن كيوسف، لقد سامح إخوته الذين ارادوا قتله وخلصهم من المجاعة والموت عندما أتوا اليه يطلبون القمح، عرفهم وكان باستطاعته ان يتركهم يموتون جوعاً ولكن لا... ألم يغفر الذي عُلق على الصليب؟ قائلاً "اغفر لهم يا ابتاه"... والآن لقد عادت الرواية ذاتها ولكن اختلف التمثيل، فيرميه لا في بئر لان من الممكن ان ينتشله احد مثل يوسف ويخلصه من الموت، فيرميه برصاصة قاتلة وينتهي الامر. لا يكلف نفسه عناء التفتيش بطرق قتله...

في سيرة يوسف نعلم تماماً بأن الله لا يترك الذين يتكلون عليه وهو القدير ان يغير الاشرار. فلا ترد الاساءة بمثلها، فهناك عين الله لا تنام ترى ما يدور ويحاك في الدهاليز والاقبية. تسجل كل رفة عين ونبضة قلب وفكر يدور في اعمق الاعماق، فلا تغضب يا اخي الانسان وتذكر بأن الصواعق لا تضرب إلا القمم.

يقول سفر يشوع بن سيراخ: الفم العذب يُكثر الاصدقاء واللسان اللطيف يُكثر الموانسات.

الصديق الأمين لا يعادله شيء وقيمته لا يقدر لها ثمن، من يتقٍ الرب يحسن توجيه صداقته. فاعطنا يا سيدي ان نكون من هذه الفئة التي تملك الفم العذب لنتكلم بما يرضيك ويسر الآخرين، وليلعم الانسان بأن الجميع من اصل واحد مهما اختلف البشر بالشكل واللون والمعتقدات تبقى وحدة الاصل تجمعهم... الاب الله في السماء وآدم على الارض... انظروا الشجرة كيف تتفرع منها الاغصان وكل غصن له شكله وقياسه ولكنه من جذع واحد وهكذا البشر أليس هو القائل :"انا الكرمة وانتم الاغصان" "لا تدعوا لكم اباً في الارض فان اباكم واحد في السماء وكلكم اخوة". فاهدأ ايها الانسان وكفى قتلاً بابشع انواعه الوحشية واستغفر الله واخاك الانسان، فارض الله واسعة تتسع للجميع الى ان تدق ساعة الرحيل وينتهي المشوار تاركاً سلالاً من القش مملوءة بالبغض والحسد والطمع، وعندئذٍ حقاً تموت لان الموت ليس خلو الجسد من الروح بل خلو القلب من المحبة والرحمة التي اوصى بها خالقك قائلاً :"ارحموا من في الارض يرحمكم رب السماء". فلا تخسر يا اخي الانسان هذه الرحمة لانها مفتاح الابدية.

#كتاب

2 views