Search
  • Jamil Doaihi

المحامية بهية أبو حمد: الدكتور جميل الدويهي في معبد الروح


Bahia_edited_edited.jpg

اقترب مني بقامته الصلبة والتي تعكس صورة رجل أعطى الثقافة والأدب وجها ومعنى آخر وجعل لغة الحب فيها إلزاما.

إنه الدكتور جميل الدويهي – ابن زغرتا البار – ذو أدب رفيع وأسلوب نادر اختلف فيه عن معظم الأدباء. إنه الكلمة الأدبية – إنه الثقافة الفكرية بحد ذاتها – إنه فيلسوف القرن العشرين – أجل – أقولها وبكل فخر عن شاعر، وكاتب، وفقيه، وناقد، وبروفسور، وصحافي برع في جميع الميادين وفي جميع الظروف رغم قساوتها عليه ورغم الحسد الذي يشرب كأسه كل يوم. إنه حقا اسطورة القرن العشرين، وفيلسوف أعطى الحق والوطن، والحب والمحبة، والحرية معنى آخر.

ما أبهرني في معبد الروح هو الأسلوب اللاهوتي والمعاني الصادقة والخالدة التي تنساب علينا كلمسة سحرية لتغذي كل طرف فينا – وتغير أسلوب حياتنا.

لقد دعا الدويهي إلى الغفران الذي اقترن بالشمس (والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس) ومن منا لا يعشق نور الشمس بعد الظلام الكالح.

كما دعا الى إزالة الحقد الذي يدمر الحب – وجسد الله حباً في البشر (الله هو الحب الذي فيك وفيّ) ( لكننا جعلنا الحقد يطغي على قلوبنا فاذا الحبّ جثة هامدة على مذبح النزوات البغيضة.)

اقترنت الحكمة مع الدويهي – في المرأة التي أعطت الحياة (الحكمة هي المرأة التي أعطتنا الحياة). كما أكد أن الحكمة موجودة في عناصر الكون (في العاصفة والسكون – في الهواء والشمس، في البحر الهائج، في الأودية العميقة) ودعا إلى أن نذهب إلى الحكمة بخطى وئيدة.

أعطى الدويهي للوقت والزمن قيمة كبيرة وثمناً باهظاً (إن كل دقيقة تمضي هي ذهب خالص) ودعا الى كشف الحقيقة (ما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس .)

أما الحب في فلسفة الدويهي فهو ألوهي – يرفعنا الى مصاف الملائكة – ويشدد على الحب النقي المجرد من أي فائدة أو مصلحة (الحب الذي يعطي ولا يأخذ) (إن الحب يرفعكم من مصاف الناس الى مصاف الملائكة – وكم يكون جميلا لو تحبون من غير فائدة – فآنذاك تطير أرواحكم إلى السماء كألحان ربيع وتولدون في معمودية الحب ولادة جديدة.)

(ومن أسوأ الحب الذي يعبر عنه رجال الدين لمن يملكون الثروة والغنى) - (ومن أسوء أنواع الحب أن يحب المرء الرب إلهه عندما يكون في حاجة إلى شيء منه.)

للفكر البشري مكانة خاصة عند الدويهي لأنه أداة للعلم والتطور (إن الله قد أوجد الفكر البشري ليكون أداة العلم والتطور ورفعة الإنسان) – وأعطى الدويهي للشاعر حقه بأن إرثه خالد لا يموت (لماذا يموت الشاعر ولا يموت؟ لأنه أودعكم إرثاً من الفكر يغني الحضارة) كما دعا الله أن يحفظ الشعراء (صلوا معي يا إخوتي أن يحفظ الله الشعراء من كل شدة.)

نظر الدويهي إلى النور والظلام بشكل مميز وخارج عن المألوف. فكانا بنظره توأمين لا ينفصلان – أما نور الفضيلة فكان الأقوى والأمتن لأنه (يخرج من القلب الى القلب) ومن (العقل الى العقل). وأكد على الإكتفاء به (ان الذي يكتفي بنور النهار لا يعرف الطريق الى الليل). ولم يكتف الدويهي بهذا الحد بل دعا الى سكب النور والخير في أرواح العباد ليصبحوا معابد مقدسة (اسكبوا من النور في أرواحكم لتصير معابد مقدسة) (فالخير يزيد النور نوراً – ويزيح الظلام) فهل هناك أسمى وأرقى من هذا التعبير والوصف؟

في معبد الروح لم يعد للموت رهبة فقد صوره الدويهي كمرفأ (الموت هو المرفأ الذي سعى اليه بخطى متسارعة ونحن نواكب مرور السنوات) – وعلمنا الدويهي أن الموت ينتظر كل إنسان على قارعة الطريق- إنه صدفة كما أن الحياة صدفة تنظر إلينا ولكننا لا نراها.

أما إدراك المعارف الخفية فكان له فلسفة أخرى عند الدويهي ووصف الحقد، التواضع والخير والشر بشكل آخر ودعا الى اليقظة والتروي في التعامل مع البشر (إن اقترابك من بعض الناس هو الخسارة بعينها وابتعادك عنهم ربح لك) (الناس لا يفهمون إلا ما يرونه).

في معبد الروح انتقد الدويهي نيتشه وجبران وغوته بشكل أدبي راق ومميز - وأكد أن نيتشه لا يعرف الحقيقة – لأنه رأى نفسه عملاقا في مرآة كاذبة فاعتقد أن الإنسان الهاً- لذا دعا الدويهي الإنسان الى التواضع ليكون قويا في تألهه وفي علاقته مع الآخرين. (أما رأيتهم في الصفوف الأمامية ويتصدرون المآدب؟ يتكابرون في المجالس ولا يتركون مجالا للحكماء والأدباء والفنانين لكي يتكلموا – فلن يعطوك سوى جهلهم وغرورهم – فأنت حين تغمرهم بأفضالك ومزاياك تجعلهم يتحرقون على جمر أحقادهم وتنتقم منهم.)

وكان لجبران وغوته نظرة أخرى في معبد الروح – فجبران دافع عن الإنسان الذي أضاع طريقه ولكنه بنظر الدويهي ما زال إنساناً – أما غوته فيريد الشر خادما للخير- وقد استخلص الدويهي بأن جبران وغوته معا لا يعرفان اتجاه الريح لأن الشر نقيض الخير وليس خادماً له ولا يقود اليه – بل انهما صديقان لدودان (سامح الخطأة والجناة فانك في ذلك تفعل خيرا لك وشرا لهم.)

في معبد الروح شنع الدويهي بالبخل ووصفه بأبشع الأوصاف (البخل من أبشع الرذائل) وصور البخل كأداة أو سبيل يعوق الوصول الى الله (البخل يبعدكم عن الله – لأن البخيل بخيل في صلاته وفي تسبيحه أيضا).

أما الكرامة في معبد الروح فكان لها معنى آخر، فالإنسان قوي وجبار (أرفض أن تركعي لأن الركوع هزيمة وانحطاط) ولتكن لك كرامة فالموت على حد السيف أشرف من الحياة على أشلاء الهزيمة.

أما الحرية والوطن فهما تؤأمان بنظر الدويهي (حيث تكون الحرية يكون لنا وطن) أما الحرية فلها معنى آخر ومكان مميز خال من الحقد – لأن الحقد بنظر الدويهي هو (بيت أسود تدخلون اليه ولا تخرجون منه الا وقلوبكم يابسة) أما المحبة فتعلم الإنسان ليصبح مفكراً وفيلسوفاً، أما الحقد فإنه (يخرجكم من عقولكم فتصبحون أشباحا في حقل مهجور). ودعا الدويهي الى حب المحبة (انا أعلمكم أن تحبوا المحبة) (وإذا ضربكم أحد بحذائه فلا تجيبوه بالحذاء) (اخلعوا رداء الكراهية وتكلموا لغة السلام.)

الكلمة في معبد الروح هي أزلية (والكلمة هي الأبد والأزل) أما الوفاء فله معنى أقوى وأجمل ويرسخ في كل فرد منا (لكنكم من وطني ولوني وديني... فأي وطن علمكم أن تفتكوا بإنسانه؟ وأي دين أوعز اليكم أن تقتلوا وتمثلوا بالأجساد؟)

(أعرف أنكم لا تميزون بين الكلمة والحذاء – وبين الوردة والخنجر) ( فأنا أعبد اله الحق الذي يعطي ثوبه لمحتاج وخبزه لجائع.)

وما أجمل معنى الصدق في معبد الروح ( الصادق يبني بالمحبة والمحبة تبينه) - والذي نزهه الدويهي عن كل عيب ورفعه الى الألوهية (الصادق يتحدث الى الله والله يحادثه) (والكاذب شيطان أعمى).

في معبد الروح رسخ الدويهي العلاقة بين أفراد العائلة (ويله من يفرق بين الأب وأبنائه – وبين الأم وابنتها وبين الجار وجاره فقد جاء ليهدم لا ليبني) –( إن المحبة هي الشمس التي تضيء عليكم جميعاً.)

في معبد الروح شدد الدويهي على العطاء وربطه بالخالق (انكم حين تأخذون من الله لا نتزعون عن أنفسكم صفة العطاء) واحتقر الجشع (هؤلاء يا أخوتي لا يشبعون ولو كانت جميع كنوز الدنيا في أيديهم) (أما شعورهم بالجوع فقد بدأ منذ ولادتهم ولا ينتهي الا إذا صاروا في القبور) ، كما كان للحرية معنى آخر عنده (الحرية هي الأم التي أعطتكم الولادة وأرضعتكم – هي الصباح الذي يشرق في عيونكم – الحرية نقيض الموت بها الكواكب الشرقة وله عتمة القبور.)

في معبد الروح دعا الدويهي الى النظر للإله بالفكر والروح لأنه واحد (فلا تنظروا اليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضا لتكتشفوا أنه واحد – أما معابد الله فهي مقدسة (فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء)، كما دعا الى عمل الخير في كل حين (الخير يكون في الصحو والعاصفة في الغنى وفي الجوع) كما أن الخير يعني الوجود (اذا سمعتم عن أحد لا يعمل خيرا ولا شرا فاسألوا عن معنى وجوده.)

الحقيقة في نظر الدويهي هي الحلم الذي لا يتحقق ( الحقيقة هي الفضاء الذي لا يبلغه الطائر مهما علا جناحه). أما الله فلا يوجد الا في النور – والشر في نظر الدويهي ارتبط بطبيعة الإنسان أما الحياة كما وصفها الدويهي فلا تدوس عليها جحافل الموت الا لتزيدها حياة واملاً – والبكاء على الماضي جهل – والنحيب لا يصنع الأمجاد – أما الصلاة فهي أجمل الفرح – والصمت هو أجمل العبادة – والوطن هو في القلوب وهو الحرية. كما دعا الى أخذ الأوطان معنا الى حيث نذهب لأنها الوجود الذي لا تحده حدود.

أما الأفكار فهي مرايا تنعكس عليها محبة الله (ومن كانت أفكاره متحجرة فإن الله لا يعمل فيه، ولا هو يعمل بروح الله.)

دعا الدويهي الى احترام الشاعر وتقديس أفكاره (قدسوا أفكار الشعراء لأنهم يصبون لكم خمورا لا تفنى) كما دعا الى النظر الى الأمام وعدم الرد على المغفلين الذين يشدون المرء الى الوراء – (اما الذين يشدون بعقولكم الى الوراء فلا تصغوا اليهم – فهؤلاء لا يستحقون أن تعطوهم آذانا صاغية ولا يفهمون أن الأشرعة لا تبحر الى الأمس).

أشار الدويهي الى الفكر المبدع الذي يقرب المرء من الله – والأفكار الجامدة فمصيرها اللعنة والشتيمة كما دعا الى عمل الخير والعطاء بسخاء (إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا فتكونون أفضل الخيرين – أعطوا منازلكم للغرباء وافتحوا مخازنكم للمحتاجين – وستجدون أن الله لا يترككم جائعين).

وانتقد الدويهي الجشع (هناك أيضا أناس كثيرون لا يشبعون ولو أصبحوا في القبور) وشجع على المسامحة للتقرب من الله (عندما تسامحون فأنتم ترتفعون الى الله بأجساد من نور) (إذا سامحتم ترفرفون بأجنحة الملائكة).

وكان للسلام مسك الختام في معبد الروح حيث دعا الدويهي الى وجوده في البيوت والشوارع (اذا رأيتم سلاما يتجول في دروبكم وتحت أشجاركم فاصغوا الى كل كلمة يقولها) (والذين يصنعون السلام فبالسلام تكون غبطتهم ولا تزول) (ازرعوا في كل حقل شجرة سلام).

وكان صوت الدويهي صارخاً وداوياً في وجه الحرب (اذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم فاخرجوا اليه عراة حفاة واطردوه واذا رفض الرحيل فاقطعوا لسانه).

في معبد الروح هو من أجمل الكتب التي قرأتها – لقد غذى في نفسي معالم ثقافية عالية وغرز في نفسي المحبة والسلام وحب الوطن وحب الله – انه حقا كتاب صلاة وفلسفة يجذر أصالة الهوية، ويعمق جذورنا في الوطن الأم، ويعلمنا المحبة والتواضع والمسامحة والصفات النبيلة.

هنيئا لك يا دكتور الدويهي على هذا العمل الفلسفي الجبار المفعم برائحة الفلسفة اللاهوتية التي قلّ نظيرها والى المزيد من أعمال ممثالة ترفعنا الى الله بلغة المحبة والعطاء.

#كتاب