Search
  • Jamil Doaihi

سليمان ابراهيم يكتب: "قفص الحريّة" يحيل سلمان زين الدّين ناطورًا للتّراث


عندما انتابت الخشيّة سِلمان زين الدّين على قناديل القيم والعادات والتّقاليد من ريح حضارةٍ سَموم مُتفشّية أن تُطفئ تلك المنارات في عيون الأجيال القادمة، سوَّرها منعًا لإندثارٍ،بزنده وقلمه وما حظي به من مقدرةٍ فكريّةٍ وعتادٍ أَدبيّ؛ بعمق تصويرٍ وبساطة عبارة في إطلالته "القناديل والرّيح".

ها اليوم أستريح مجدّدًا في رحاب "قفص الحريّة" كتابه الثّاني من إصدارات "دار نوفل". هو الكتاب الّذي غدا عنوان أحد نصوصه،عنوانًا لمجمل مضمونه. فالقفص هو مدرسة الضيعة، ومن خلالها كل المدارس...أما الحريّة فهي تلك العطيّة التّي يجنيها روادها ليحلّقوا في مدى فضاءات أحلامهم ما أُعطوا أعمارًا. فقبل أن يقرسه برد الرّحيل، نرى الكاتب "يصطلي بنار الذّكرايات ليُبقي على الجمر مومِضًا خَلَل رماد الزّمن".

في الكتاب، من المدخل حتّى الخواتيم، وِقفات جليلة مميّزة إزاء فصول الحياة ومجرياتها اليوميّة بين الأمس واليوم، حيث نجمع عن بيدر النصوص مسردًا حافلاً من معجم مفردات الألوان المحليّة. كتابٌ مُكتنزٌ بجمهرةٍ من العادات والتّقاليد الإجتماعيّة القرويّة يبتّها سِلمان زين الدّين في نصوصه معرِّفًا بها الأجيال التي لم يصحّ لها أن تعيشها أو تعايشها من ناحيةٍ، وحرصًا عليها من اندثارٍ من جهةٍ ثانيةٍ. وعند ختام كل نص، موقفٌ إزاء موضوعه، يسجل عبره أَسفه على ما خسرناه أو غاب عن صفحات دفاتر حياتنا اليوميّة، من لذاذات العيش في الماضي، ناظرًا بعين قلقةٍ إلى ما هو آتٍ وطارئٍ على يومياتنا المتعصرنة، الّتي وإن سهّلت بعض أُمورها حضارةٌ، لقد سلبتنا بالفعل هناءة العيش إلى غير رجعةٍ، بعد أن أغرقت أهلها في دوامة التّسرع، وأطبقت عليهم عبيدًا في مُستنقع السرُّعة. كما وأنّ الكتاب ينطوي على معجم غني بمفردات القرية وأسماء الأماكن بالإضافة إلى أدوات العمل: الحاكورة، المصطبة، المطحنة، بركة الأُوزّ، المزار، السّاحة، العقد،...الكرم، العروس، منجيرة الرّاعي، صياح الدّيك، القنديل، جرس الكرّاز، المزراب... باختصار، تغدو النّصوص مروج غنّاء بنبتِ وغلال تراثٍ يُغني ويُغذّي مخزون المتعلمين كما العامّة، بمعجم ٍ من مفردات القرية، كما يرفع من مستوى ذائقتهم الأدبيّة عِلمًا، والوطنيّة فقهًا لمعاني كلمات تراثيّة حضاريّةٍ لا تزال حيَّةً ونعمل كي لا تموت وتندثر برحيل متداوليها.

فخاتمة كلّ نصٍ هي بمثابة مساحةٍ لرأي الكاتب، وبابٍ يفتحه على موضوعٍ جديد... ويتخلّل النّصوص الإستفهام الإنكاري إزاء العديد من الحالات والمواقف، ناهيك إلى استعمال الوفير من الصّور البيانيّة من كنايات واستعاراتٍ وتشابيه، ساعدت الكاتب على إيجاز العبارة وبلوغ المُراد المرجو... وقد توسّل الكاتب أُسلوبَي السّرد والوصف في نقل صور قريته مرسح الحكايات... فاكاتب، هو الرّاوي الحاضر في كلّ نصوصه، وأبطال الحكايا؟ هو من ينقل أخبارهم... فهم يتخفّون خلف نقاب السّطور من مثل إبي بهيج وأبي قاسم...

يرسم سِلمان زين الدّين صوره الجبليّة، بقلم ٍ زخيرته من حبر الحنين معجونٌ إلى طيب الذّكرى ببعضٍ من ماء خوفٍ على حضارةٍ ستتدثَّرها غياهب النِّسيان... فيحفظ لنا الكاتب في "قفص الحريّة" جمالات قريته بآنيةٍ من فضةٍ، كُتبت بماء ذهب الوفاء لطفولةٍ، صُقل لحمها بترابها، وصلُبَ عظمها وقسَّاه بمؤآخاة صخرها، كي لا تكنس تلك الجمالات رياح الإهمال!!

لقد أقدم كاتبنا - "ناطور التراث"- على فعلته، معتمدًا على وسائل وأساليب عديدةٍ مبتعدًا عن الوعظ وطرقه الرتيبة المنفِّرة. لقد جعلنا نعشق الضيعة، لمّا جعلها صبيّةً، تُحبُّ لا بل تُعشقُ حتى شواطئ الوله، لِما ترفل به من صفات الطّيبة والعفاف وسخاء القيم !!

بكلمةٍ، أَنت سِلمان زين الدّين، كتلك العروس جارة داركم اللّوزة، التي تنتظر عريس الفصول: أتيتَ حاذقًا في فن تخيّر الكلمة، عارفًا كيف تخترق فضاء المؤآخاة بين جمهرة مفردات مُعجمها، لتًتقن عبر نسجها، اجتراح جمالٍ لن تطاله يدُ عبَثٍ ولن تُدبر عن تداول فصوله عيون عُشاق نضار الكلمة بأدبٍ، سنهفو إليه حنينًا إلى أصالةٍ بتنا نخاف على فقدانها جميعًا، نحن معشر الزّمن الحلو!!

سليمان يوسف إبراهيم

عنّايا في 11/4/2015

#كتاب

6 views