Search
  • Jamil Doaihi

إقرأ لجميل الدويهي: لماذا خلقتَ الحاقدين؟


خلقت لنا يا ربّ الحاقدين، لنزداد حكمة ويزدادوا سقوطاً.

خلقتهم وفي عيونهم نار ولهب، لكي يلاحقوا البسطاء والأنبياء، وينفثوا ما في صدورهم من ضغينة.

خلقتهم مرضى ومشوّهين وعابدين للضلال، فهم يخافون من كلّ نجاح، ويطاردون من يفوقهم قيمة وفكراً ليطعنوه في الصميم ويكيدوا له المكائد.

خلقتهم لكي يعيثوا في الأرض فسادًا، ولكي يخنقوا الفكر في مهده قبل أن يفضحهم بالنور والفضيلة، لذا نراهم متربّصين على كلّ مفترق ليقتلوا ويشنِّعوا، فلا مكان في الأرض كلّها لمن يتميّز عنهم علماً ورقياً وإبداعاً.

خلقت لهم الكبرياء، لكي ينظروا إلى مرآة أنفسهم، ويروا أنهم أكبر من الناس وأعتى، وهم في الحقيقة ملاعين وقطّاع طرق، وصغار صغار.

خلقتهم ليتظاهروا بالصلاة والعبادة، وعلى شفاههم لعنات، وفي قلوبهم شتيمة.

خلقتهم على صورتك ومثالك، ولكنّهم في أعماقهم شياطين، وفي أنفاسهم وباء.

خلقتهم وأنت تعلم ماذا سيكون منهم. وأنت تعلم أنّ الذين يحبّون ويتواضعون سيكونون ضحايا.

خلقتهم لا يعرفون للرحمة معنى، ولا للوفاء قيمة، ولا للحياة ثمناً...

وخلقتنا نحن لكي نكون الوردة التي تعطي للصباح عبيراً، وتتأرجح على أجنحة النسيم.

نحن قبلة الشمس على الماء، ومن أيدينا حصاد وأمل...

نعطي كالينابيع، ونغنّي كالبحار، ونسجد لله كأغصان الشجر.

نحن الربيع وعطره، والعصفور وسحره، والأرض وحصادها.

نحن مناجل الفلاّحين، وأناشيد الرعاة، وذهب الدوالي...

نحن معابد الروح التي ترتفع إلى حيث لا تطال عيونهم الشريرة وأفئدتهم الحاقدة.

نحن القصائد المعلّقات التي كُتبت بماء الذهب ولن تمحوها أظافر التشويه والعبث... ولن يستطيعوا مهما طالت قاماتهم وارتفعت أن يعلّقوا قصيدة على حبال النور، ويوقّعوها بحبر القيامة.

نحن نفور بالغلال كلّ يوم، ومن خوابينا نسقي العطاش...

وعندنا كنوز لا يفنيها الحقد ولا يقتلها الشرّ المتربّص كل حين.

كتاباتنا ابنة السماء لا ابنة العدم، وكتاباتهم ابنة الفراغ والرماد.

خلقتنا هكذا يا ربّ، لا نتكبّر على أحد، ولا نسيء إلى أحد، فإذا أساء إلينا الآخرون سقطوا وكان سقوطهم عظيماً.

فاعطهم يا ربّ بعد أن يحقدوا، وأن يحفروا لنا الحفر، وامطرْ عليهم من السماء معاول ورفوشاً لكي ينزلوا في الأرض عميقاً، واعطهم أظافر من حديد، فهم إنما يحفرون لأنفسهم، وينتظرون مآتمهم.

وسنبقى في النور الذي أعددته للمحبّين، أولئك الذين يرتفعون إليك بأجنحة الملائكة، ويسكنون بجوارك في بيوت من فرح وضياء.

واعطِنا كلّ يوم أن ننجح، وأن يكون لنا انتصار، ليتحرّقوا في معابد الشرّ والهزيمة، أما المعابد التي أعددتها لنا، فسترتدي كلّ يوم حلة جديدة، وقصائدنا ستكون مذابح للمصلين، ومحاريب للعابدين، وسنكون منارة للروح والعقل لأنك خلقتنا هكذا، نوراً من نور، وأردتنا أن نكون هكذا، عطاء ما بعده عطاء.

نحن يا ربّ نعرف لماذا خلقت هؤلاء الساقطين الراسبين: خلقتهم ليكون لهم في كل يوم انكسار وصريف أسنان، ويكون لنا في كل يوم مجد وكبَر.

خلقتهم كأعمدة سوداء محنّطة تضربها الرياح والشموس فلا تتحرّك، وخلقتنا ربيعاً ضاحكاً يفرش ألوانه في المدى، ويعبث بريشته في الوهاد التي لا تُحدّ.

نشكرك يا ربّ لأنك خلقتهم وخلقتنا. فبقدر ما هم خائفون ممّا نعطيه، نحن لا نخاف من شرورهم...

وبقدر ما هم مبدعون لأساليب القتل والترويع والحصار، نحن مبدعون للحياة التي لا تموت.

ونحن نحبّهم أقوياء وعُتاة وجبابرة، لأننا نحبّ أن نهزم القويّ بأغنية عذبة، ونطعن العاتين بكلمة طيّبة، ونُقعد الجبابرة بأرواحنا التي تهيم في الخلود.

لهم الظلام ولنا الكواكب المشتعلة...

لهم في كلّ لحظة صرخة ألم، ولنا في كلّ لحظة وقفة مجد تهتزّ لها العصور، وتسجد الأزمنة.

#كتاب

Copy of 15 Nov 2021.jpg