Search
  • Jamil Doaihi

مريم الدويهي تكتب عن الرمز والرمزيّة في "طائر الهامة"


تخترق قصّة "طائر الهامة" للأديب اللبناني الدكتور جميل الدويهي جدار الواقع في

كثير من الأحيان، وكأنّي به يعرض إبداعه الشعريّ عن طريق النثر، أو أنّه لم يرد أن يتخلّى عن ميله الطبيعيّ إلى الرمزيّة في قصّة واقعيّة يوازن فيها بين المجرى القصصي المفهوم ولوحات فنية رمزية بالغة العمق. ويمكن تحديد المسار الرمزي في "طائر الهامة" عبر الرموز كمادّة وأجسام، وأيضاً عن طريق اللغة التي جاءت منفصمة لتؤكد ولوع الأديب بالرمز وإصراره على البقاء في الدائرة الشعرية الغارقة في التعقيد.

وإنني لن أطرح في النقاش مسألة السرد أو الحبكة للقصة، فقد تحدّث العديد من النقاد عن هذه الناحية، وسأكتفي بعرض المسار الرمزي من خلال الرموز كأدوت، والرمز كلغة.

في الموضوع الأول، الرموز كأدوات، يبدو أن "طائر الهامة" نفسه هو رمز للثأر في المجتمع الشرقي. وليس جديداً القول إن العرب قبل الإسلام كانوا يعتقدون أن طائر الهامة يخرج من رأس القتيل ويصيح: اسقوني، اسقوني، حتى يؤخذ بالثأر من القاتل. وتظهر ملامح هذا الطائر في القصة من بدايتها: "تخترق معبد الطبيعة المقدس صيحة يطلقها طائر غاضب، فتتردد جنبات الأرض صداه المزعج، وتفرّ طيور أخرى أقل سواداً ثم تغيب سريعاً" (ص 8). والطائر الذي يصفه الكاتب ليس من جسد وروح (ص 28). ومن يتمعن في القصة يجد أن طائر الهامة هو سلوى نفسها (انفصام شخصية) التي تريد الثأر لزوجها. الطائر صورة عن المرأة ومرآتها وجزؤها الآخر، والرواية تبدأ معه ومعها: "هو صورة عن نفسها المضطربة التي ترتعش في قفص ضيق، وتغالب الحدود لتنطلق إلى البعيد معبرة عن غضب خانق ورغبة في الثأر." (ص 28)

وسلوى تخاف على الطائر أن يعطش، فهي تقول له: "سأسقيك أيها الطائر المسكين، من خوابي الزمن المرّ سأسقيك... من مياه البحيرة الراكدة سأسقيك... فانتظر قليلاً... قليلاً بعد... ولا تخف من أن تعطش إلى أبد الدهور."(ص 28) إذن هو طائر الثأر الذي يصيح :اسقوني اسقوني، والمرأة ستنتقم من قاتل زوجها لتخلص طائرها من العطش.

وينتقل الطائر نفسه من مرحلة إلى أخرى ليصير تعبيراً عن الشرّ في العالم، فعندما انتصر على طائر آخر في الغابة (ص 28) فرحت سلوى لأنها رأت في انتصاره قوة لها... والصراع الدامي بين الطائرين ما هو إلا إعادة رسم، بملامح رمزية، للصراع الحادّ من قديم الزمان بين الخير والشر. ويصل التفاعل بين سلوى وطائرها إلى الذروة في ص 84-85 عندما هاجمت الطيور سلوى في منزلها، وراحت تنقدها في رأسها ففار دم كثير. ولم تستطع الهروب لأن أرضية المنزل كانت من صمغ. وهذا المشهد يؤشر إلى معاقبة روح سلوى لها بعدما تقاعست في الأخذ بالثأر.

ويأتي رمز الغابة الداكنة القريبة من البيت، ليمثل عالماً داكناً، فقلما نعثر على وصف مفرح للغابة: الأشجار سمراء، الغيمة فوق الغابة رمادية، الأوراق صفراء (ص 4)... فالغابة هي عالم يائس وحزين، ليس على طريقة الرومنطيقيين بل على طريقة الرمزيين الذين لا يهتمون بالوصف الخارجي بقدر ما ينفذون إلى أعماق الروح. وفي ص 56-57، تتفاعل سلوى مع الغابة أيضاً (عالمها الشرير والحاقد)، فنراها تائهة في الغابة تبحث عن الطائر ولا تجده، فتغضب وتغرز أظافرها في جذع شجرة ليسيل منه دم أزرق (الشجرة ضحيّة ودمها بديل عن دم القاتل المفترض فؤاد السرنوك).

ويبرز في القصة رمز آخر هو طيارة الورق التي يمسك بها ولد عند شاطئ البحر. ولعلّ الطفل هو الأديب نفسه الذي ينظر إلى فوق. ومن الواضح أن الطيّارة لم تدخل على النصّ من باب الزيادة ولزوم ما لا يلزم، فهي إيحاء عن الأمل والطموح اللذين يتخطيان الدم للوصول إلى عوالم جديدة في الروح. وتظهر الطيّارة عدة مرات في النص إلى حين يختفي الولد ونعلم أن أهله سافروا إلى خارج البلاد (غربة الأديب عن وطنه). وبين هذا وذاك تتصارع الطيارة في إحدى المرات مع طيارة أخرى، فتدوران وتدوران وتسقطان أرضاً فيسمع لاصطدامهما بالأرض نحيب (ص 59). وإن صراع الطيارتين هو في الجوهر الصراع نفسه الذي وقع بين طائر الهامة وطائر آخر في الغابة. ويمكن أن نرى في سقوط الطيارتين المروع انهيار الحضارة، لكن الأديب الدويهي يبقي نافذة مفتوحة على الأمل، فالولد مصر على صنع طيارة أخرى راغباً في استمرار الحياة التي لا يغلبها الموت.

وبعد كل هذا يفاجئنا الأديب بأن الولد ليس حقيقياً: "ولد من هدير الأمواج ومن أجنحة النورس ويسكن في رمال السؤال: هل بعد الوجود وجود؟"

وكم كنت أتمنى لو أن الأديب الدويهي ظل محافظاً على الغموض أثناء استخدامه للرمز، فهو يشرحه، ربّما خوفاً من أن يحكم المتلقي عليه بالغموض أو بأنه يميل إلى العبث، والقارئ العربي في الغالب معتاد على الواقعية ويحبها لأنها لا تحتاج إلى عمل الفكر والغوص وراء الأبعاد. ومن الشروح التي عثرتُ عليها : "الطائرة تعبير عن الحلم" (ص 50)، "بل هو (طائر الهامة) صورة عن نفسها المضطربة" (ص 28)...

وعندما يستخدم رمز الزهرة عند النافذة التي يريد البطل رياض أن يعانقها، يوضح الدويهي أيضاً أن الزهرة هي حبيبته سعاد ( ص 77).

وفي إحدى المرات يستخدم الدويهي واحداً من أهم الرموز التي تتعلق به شخصياً، ونحن كثيراً ما نراه يجعل من القاتل المفترض فؤاد لسرنوك كناقل لأفكاره، فاسمع السرنوك يقول: "السائق يشرب على الرصيف. خذوني إلى السائق لأتشاجر معه. لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء... رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتب الأمكنة والعناوين (ص 83). وإذا تمعنا في هذا النص يمكننا أن نكتشف أن الأديب يريد أن يتشاجر مع السائق الذي يقوده (القدر). وهذا السائق لا يعرف كيف يرتب الأمكنة والعناوين (هجرة الأديب المتتالية من مكان إلى مكان). ويريد الأديب أن يتشاجر مع قدره ويغرز أظافره في ابتسامته الصفراء انتقاماً من الماضي.

في الموضوع الثاني، لغة الرمز، يمكن القول إن "طائر الهامة" تتأرجح بين لغتين: لغة واقعية كما في ص 13: "والذين يعرفون السرنوك منذ صغره يقولون إنه كان يتعلم في مدرسة القرية. ولم يكن ينقصه الذكاء، بل كانت تميزه عن التلاميذ الآخرين براعته في الكتابة. وعندما أصبح فتى، كان يكتب القصص المضحكة، والخواطر، وبعض الغزل". إن من يقرأ هذه الكلمات ويكتفي بها يعتقد أن الدويهي كاتب واقعي، ولكن متابعة القراءة في القصّة تظهر أنه رمزي أيضاً، وهو يحرص على الموازنة بدقة بين لغتين متناقضتين تماماً. ولماذا يفعل ذلك؟ لأن القصّة تطرح نفسها بقوة على عقله فلا يستطيع فكاكاً من الواقع، ثمّ يشده الشعر في اتجاه آخر فينتفض على العادي من اللغة ويحلق في سماء الرمز وكأن الواقعية مشكلة مفروضة عليه فرضاً. واللغة الرمزية في بعض المواقع صعبة وعصية على الاكتشاف:"وحين أسأله: ما شأني وهؤلاء الناس؟ يقول: هم البحر وأنت المركب... فأصرخ أمامه: غلط... إننا في كابوس... أنت لست حقيقة... أنا والناس لم نكن يوماً حقيقة. عليّ أن أكون البحر وأنتم جميعاً مراكب... هكذا يمكن أن أكون واحداً لا أكثر... وأصبح جفافاً خلال عصور..." اللغة الرمزية هنا أبعد من المتناول، غير أنّها ممتعة، وساحرة ومليئة بالتناقض الذي يخفي تناقضاً ذاتياً عنيفاً تجاه الحياة. الحياة غلط. الرؤية غلط والعقل غلط. ويجب أن تعاد صياغة الأمور والتفاصيل بكثير من الثورة والانقلاب على المألوف.

وتذكر الذاتية عند الدويهي بأسلوب شارل بودلير في "طائر الألبتروس"، وهي مقطوعة شاعرية يتحدث فيها بودلير عن طائر ألبتروس جريح يقع على سفينة فيقبض عليه البحارة ويعذبونه ويحرقون جسده بالسجائر، ويقلدونه في مشيته العرجاء. وطائر الألبتروس هو بودلير نفسه المعذب من العالم. والرمزية يقول الدويهي جاءت من آثار الرومنطيقيّة ولا تزال الذاتية متداخلة معها وإن أنكر الرمزيون ذلك. ها هو فؤاد السرنوك (الناطق باسم الدويهي نفسه) يتكلم بهذه الرمزية الذاتية: "أجمع شتات عمري على صفحة من غبار. في يدي ارتعاشة، وفي شفتيّ ملح. فمن أين تأتي الأفكار والأفكار زجاج محطّم؟ وكيف لمجنون أن يفصح عن ثورة جنونه؟ … المجانين لا يقرأون ولا يكتبون، ولكنهم يجيدون قتل الحروف وهي في مهدها. فدعوا الحروف نائمة في خوابي العصور، لكي لا يدوس عليها المخبولون بأحذيتهم." (ص 3). نقف أمام هذا المقطع لنكتشف أن الجنون فضيلة إذا كان اختلافاً عن المرئيّ والمسموع والمتفق عليه. والمجانين يقتلون الحروف الجامدة لكي يعيدوا صياغة الحياة من جديد.

وفي مكان آخر يقول السرنوك: "الحرب ليست بين البشر، بل هي بين آلهة. وأنا أريد من الآلهة أن تتحارب، لكي تميز بين الثأر والغفران. غداً ستنقضّ العاصفة على شجرة فتعريها، لكن العاصفة كانت عارية قبل أن تولد. الشجرة إذن إله التمرد، والعاصفة ضحيّة". هكذا يوقعنا الرمز في حيرة من أمرنا، فمَن الضحية؟ الشجرة إله التمرد أم العاصفة? ومن ينتصر على من؟ ويترك الأديب مساحة الفكر مشرّعة لكي يكون لنا نحن عمل في كلامه، فلا نيئس من المحاولة ولا نخاف من العبور إلى الضفّة الأخرى من المعنى.

وإنني أكتفي بهذا القدر من الحديث عن اللغة الرمزية، التي طغت على كثير من المواقع في القصة، وأترك للمتلقي الذي يتمعن في الكتاب أن يحلل ويناقش ويفكر، فإذا كان من أنصار الواقعية فسيجدها أمام عينيه ناصعة وموحية، وإذا كان من أنصار الرمز فهو سيكون راضياً بوليمة الرموز. ولن ينجو من القصة إلا من كان يكره الرمز والواقع معاً.

#كتاب

0 views