Search
  • Jamil Doaihi

مريم الدويهي تكتب عن الفكر "في معبد الروح"


"في معبد الروح" للمفكر المهجري د. جميل الدويهي:

قيمة إنسانية وفكرية ومشرع لحياة

بقلم مريم الدويهي

ها هو كتاب رائد في الفكر المهجري الأسترالي "في معبد الروح" للأديب والشاعر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، الذي بعد أن طفحت أكواب شعره المتعدد الأنواع والاتجاهات، أخرج كتاباً شكل مفاجأة للواقع الثقافي، وربما يكون مرحلة أولى من مراحل إصدارات فكرية متالية.

وبعد أن كان الدويهي "خمسة شعراء في شاعر واحد"، وقصاصاً ومؤرخاً، وباحثاً أكاديمياً نشرت أعماله في مجلات وكتب ومواقع متخصصة، بالإنكليزية والعربية، ها هو يطل بنفحة جديدة، وكأن دأبه أن يقتحم كل المجاهل من غير رهبة، وهو المثقف الأكاديمي المشهود له، والذي لمع نجمه في لبنان والمهاجر والشرق.

"في معبد الروح" لا يخاف الدويهي من مناقشة الفلاسفة، ومن الغوص في الدين، بفكر ينطلق من المسيحية أصلاً، لكنه لا ينحصر فيها، بل يطمح إلى الإنسانية الواسعة، وهو المُلم بالديانات والفكر الإنساني، واتجاهات العمالقة الكبار في الأدب العالمي.

لقد شملت ثقافة الدويهي آداب الشرق، ومدارس الغرب، واطلع على الحضارات، والتاريخ والأساطير والحكايات، وغرف من المسيحية والإسلام والتوراة والبوذية والهندوسية، ودرس أعمال جبران والريحاني ونعيمه وطاغور وغوته والكلاسيكيين والرومنطيقيين والرمزيين والسورياليين، وكثيرين غيرهم ممن يضيق المدى بأسمائهم، أما الأدب العربي بقديمه وحديثه ففي ذاكرته الكثير منه. وهذا ما كون لديه مساحة فكرية واسعة استغلّها في إطلاق أوّل عمل فكريّ من هذا النوع في المهجر، حتى أن البعض تذكر من خلاله "نبي" جبران، على الرغم من أن للدويهي لغته الخاصة التي توازن بين الرمزية والواقعية، وأدبه أسهل من أدب جبران، أما أفكاره فتختلف.

الدويهي والفكر الفلسفي

-الآباء والأبناء:

يعارض الدويهي في الكتاب آراء جبران عدة مرات، ففي "الرجل وأبناؤه"، يقول الدويهي: "لا تنشغلوا بالتعاليم الضالة التي تسعى إلى التخريب، إن الله أوجدكم وأحبكم ويريدكم أن تحبوا الغرباء عنكم فكيف بأقربائكم يا قليلي الإيمان؟" (ص 62). ولا ريب في أن الدويهي ينطلق من فكرة مسيحية في الأصل، لكن الهدف ليس نقل الفكرة بل الانطلاق منها إلى مقارعة جبران في قوله: "أبناؤكم ليسوا لكم، ابناؤكم أبناء الحياة". وللتأكيد على صحة ما نذهب إليه، يقول الدويهي: "إن الأرض التي أطلعت الشجرة لا تغادرها ولا تبتعد عنها، بل تظل ملتصقة بها" (ص 63). لكن الدويهي لا يطلب من الأبناء أن يأخذوا كل شيء من أهلهم: "إذا كان الآباء يفرضون عليكم شرائعهم فلا تغضبوا، بل خذوا منها ما يفيدكم، وإذا سألوكم: لماذا لم تأخذوا كل شيء؟ فقولوا لهم: إن من يعطي كثيراً لا يسأل عن القليل الذي لم يؤخذ." (ص 63) وبهذا لا يريد الدويهي أن يفترق الأب عن ابنه، كما لا يريد أن يفرض الأهل على أبنائهم كل شيء يتمنونه.

-الشيطان:

وفي موضوع الشيطان يخالف الدويهي جبران أيضاً، والدويهي درس تأثـُّر أدباء المهجر، وخصوصاً جبران والريحاني بمسرحية "فاوست" الشهيرة للشاعر الألماني الكبير غوته، ففي قصة الشيطان (كتاب العواصف) يتعاون الخوري والشيطان على أن يحمل كل منهما الآخر على الطريق. وفي معبد الروح نسمع رجلاً يسأل الكاهن: "هل صحيح أيها الكاهن الجليل أن الشيطان اتفق ذات مرة مع كاهن لكي يحمل أحدهما الآخر إلى مسافة، فتعاونا ولم يتعبا؟" ويجيب الكاهن في معبد الروح: "مساكين هؤلاء الشعراء كم يعملون خيالهم في أقاصيص لا تمت إلى الواقع بصلة. لقد أراد جبران أن يصوّر الشرّ الذي في نفس كاهن، فصور بدلاً من ذلك الخير في نفس الشيطان، والشيطان لا يحمل أحداً في طريق ولا يساعد رجلاً متعباً". (ص 25-26). إذن يختلف الدويهي عن جبران، فالأول يعتبر أن الشيطان شرير تماماً وليست له صفة من صفات الخير، بينما جبران يعتبر أن الشيطان يفعل خيراً عندما يحمل الخوري، وإن كانت نواياه شريرة بالمطلق.

ولم يكن جبران وحده من اعتقد أن الشيطان خيّر، فقد كان هناك في الأدب المهجري صوت أميركي آخر هو أمين الريحاني الذي أسند إلى الشيطان أعمال الخير والرقي. وللدويهي دراسة أكاديميّة غير منشورة عن هذا الموضوع، كم أتمنى عليه أن يسارع في نشرها. وعندما يقول الدويهي: "إن بعض الشعراء صوروا الشيطان كأحد دعاة التطور الإنساني والاختراع وشكروه على جهوده لإصلاح العالم... " (ص )26 فهو يشير إلى المسألة التي ذكرتها سابقاً. فالدويهي يرى عكس هؤلاء أن الله وضع في الإنسان العقل والروح معاً، وأوجد له الفكر ليطور البشرية ولا يد للشيطان في ذلك. ولكن بعض رجال الدين الذين جعلوا الدين منافياً للعلم واعتبروا أن تطور الإنسان يخالف الشرائع هم الذين جعلوا بعض المفكرين يعتقدون أن الشيطان هو صاحب الأعمال الجليلة والتقدم (ص 26).

الخير والشر:

ويتابع الدويهي رحلته في فكر جبران، فيقع على نص "الخير والشرّ" في كتاب النبي، وفيه يقول جبران: أنا لا أحدثكم عن الشر الذي فيكم إنما عن الخير الذي فيكم، لأنه أليس الشر بعينه هو الخير المتألم آلاماً مبرحة من تعطشه ومجاعته؟ فإني الحق أقول لكم: إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة وإذا عطش فإنه يشرب من المياه المنتنة الراكدة."

فالشر عند جبران غير موجود، وهو الخير المتألم، بمعنى أن الشرير إنما يرتكب الشر لحاجته إلى الطعام والشراب، فأصل الشرير خيّر. ولكن جبران يناقض نفسه في النص ذاته، عندما يقول: "ليت الظباء السريعة تستطيع أن تتعلّم السلاحف البطيئة السرعة والحركة." ونستنتج من هذا الكلام أن الله هو الذي خلق الظباء سريعة (إلى عمل الخير)، وخلق السلاحف بطيئة (إلى عمل الخير)، فكيف يكون إذن أن الإنسان هو الذي يتحول إلى الشر لأنه يجوع ويعطش؟ وهذه الإشكالية يلتفت إليها الدويهي مرتين:

-العظة 26: "وسمعتم أيضاً من بعض المفكرين أن الإنسان قد ولد وفيه الخير ويموت معه ولكنه إذا شعر بالحاجة فقد يقتل أويسرق ليعيش. وإني لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرير وبين الذي تعضه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضل الموت على أن يفعل شرّاً؟" (ص 77).

وينطلق الدويهي في رده على جبران من فكرة دينية وإنسانية، إذ لا تجوز المساواة بين القاتل والضحية وبين السارق والمسروق، وبين الجاني والمجني عليه. وكم من ضعفاء في هذا العالم ستضيع حقوقهم إذا طلبنا منهم أن يسلّموا تلك الحقوق لمن يفوقونهم قوة وثراء.

-العظة 26 أيضاً: "وقد سمعتم عن الأناني الذي يأخذ ولا يعطي لأن عطاءه يعذبه. وصدقاً أقول لكم إن الأناني يعيش معذباً على هذه الأرض لأنه لا يُسعد من يحتاجون إليه، ولا يسرُّ بالعطاء الجميل، وإن أعطى من غير أن يدري فعطاؤه لا قيمة له لأنه غير مقصود ولا تعلم به نفسه" (ص 76).

ويلفت الدويهي في هذا المقطع إلى ما جاء في مقالة الخير والشر لجبران: "إن الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: كن مثلي ناضجاً، جميلاً، جوّاداً، لأن العطاء من طبيعة الثمرة والأخذ ومن طبيعة الجذر ولا يحيا إلا به".

فالجذر أناني يغوص في التراب باحثاً عن الغذاء والماء، ولكنه يعطي للثمرة أن تكون من غير أن يدري. والدويهي يعتبر الجذر غير سعيد لأنه ولو أعطى غيره من غير أن يدري فإن عطاءه غير مقصود ولا تعلم به نفسه.

الحلولية:

ويعارض الدويهي جبران أيضاً في فكرة الحلولية أي أن يكون الإنسان إلهاً، ويتهم الدويهي من آمنوا بالحلولية بأنهم جعلوا من غرور أنفسهم ورغبتهم في التعالي مرآة لخالقهم (ص 7)

الله الموجود:

ويمضي الدويهي في نقض صريح وجريء لآراء المفكرين، فيلتفت إلى موضوع خطير عند نيتشه: "إلغاء الله"، فيقول: "لقد تاه بعض الفلاسفة الذين اختصروا الطريق، وأرادوا أن يكون الله محواً وزوالاً فما أزالوه من الضمائر والقلوب ولا محوه من الكتب" (ص 7). ويعارض نيتشه قائلاً: "نيتشه لا يعرف الحقيقة. لقد رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة، فاعتقد أن الإنسان إله. أنا أدرك أن الإنسان ليس إلهاً ولن يكون، ولكن فيه قطرة من عبير الإله، فلماذا يفرط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟ (ص 43)

الدويهي والدين

يبحث الدكتور جميل الدويهي عن دين عالميّ، يتجاوز الأديان جميعاً وحرفياتها التي تفصل بين الناس، فكما يظهر في الكتاب أن الدين واحد كما أن الله واحد: "كونوا إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أتيت؟ ومن هما أبوك وأمك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد، والدين واحد كما أن الله واحد في جميع الأمكنة." (ص 92).

ويطلب الدويهي من الناس أن يُصلُّوا على الأموات جميعاً من غير تمييز: "إذا مررتم بالقرب من مقبرة، فصلّوا على الأموات وأنتم مغمضو العيون، ولا تقولوا: هؤلاء ليسوا من أمواتنا، فالأموات لا يعرفون أسماءهم وقد تركوا معابدهم على الأرض وذهبوا إلى مكان ليس فيه معابد وأيقونات." (ص 51)

وانطلاقاً من هذه الحقيقة يجعل الدويهي معبده لجميع الشعوب: "فتحت أبواب المعبد لجميع الشعوب، فالله جمعكم لا ليفرّقكم، وفرّقكم لأن اختلافكم حكمة. وقد ولدتم على دين ليس لأنكم اخترتم دينكم بل لأن آباءكم وأجدادكم كانوا على هذا الدين، وبعد أن ولدتم لم يسألكم أحد عن الدين الذي تفضلونه فيكون لكم، فالأديان ليست منازل من حجر مقفلة الأبواب. وإنكم عندما تعبدون الله تكون عبادتكم ديناً، وليس مهمّاً كيف تصلّون. أما الذين قالوا لكم إن دين الآخرين ليس صحيحاً، فهم تجار الهيكل الذين أصابهم الغنى، وما زالوا يجمعون المال ولا يشبعون ولبسوا التكبر درعاً." (ص 91)

وفي هذا المقطع القصير يطرح المفكّر الدويهي مجموعة من الحقائق المتصلة بالديانات أختصرها في ما يأتي:

  • الله جمع الناس لا ليفرّقهم.

  • الله فرق بين الناس شعوباً وقبائل لأن الاختلاف حكمة من الله وليس مدعاة للاقتتال.

  • الإنسان يولد على دين آبائه وأجداده ولا يختار دينه، ولو ولد أهله على دين آخر لكان اتخذه.

  • الإنسان لا يُسأل عندما يكبر عن الدين الذي يختاره، لأن الاختيار قد تم عن طريق التقليد والتبعية.

  • الأديان ليست مقفلة، بل هي منفتحة على بعضها، وقد جاء واحدها ليكمل الآخر.

  • عبادة الله هي الدين، والاختلاف في الصلاة لا يعني ان الله مختلف.

  • تفضيل دين على دين آخر غير صحيح.

  • الذين يصفون الدين الآخر بأنه غير صحيح هم تجار الهياكل.

وعندما يتحدث الدويهي عن آلهة متعددة لكل من الفلاح والبحار والفنان والنحات والراقص والعامل، فهو لا يقصد أن الله غير واحد، ولكن كلاّ منهم يراه على طريقته ويصلي له على طريقته، فالفلاح مثلاً يطلب من الله أن يغني زرعه، والبحار يطلب أن يهدأ البحر ويكثر الرزق وهكذا.

ومما لا شك فيه أن الدويهي ينطلق من عقائد دينية معروفة، خصوصاً المسيحية، لكي لا يظن الناس أنه يريد إلغاء الديانات، فالعناوين الكثيرة التي يزخر بها الكتاب تدل على روح مسيحية: قيمة الحبّ، المسامحة، العظة الأخيرة (دعوة إلى السلام)، ففي المسامحة يقول: "لقد غفرت ذنوب الكثيرين من البشر وعلي أن أغفر المزيد منها في الأيام والأعوام الآتية" (ص 6)... "والله أوجد فينا نزوات لا تقاوم عند الضعفاء، ولكنها تقاوم بصعوبة عند الأقوياء فيتقدسون بالإرادة التي ولدتهم وطهرتهم بنارها." (ص 6) إذا يعتبر الدويهي أن الخطايا وجدت في الإنسان ولا سبيل للفرار منها إلا بإرادة قوية، أما الضعفاء فيسقطون في النزوات. ولكن هل يسامح الله الإنسان الخاطئ؟ هذا ما يوضحه الدويهي في قوله: "نحن عندما نقع في الخطيئة نكون قد نسينا أن نضع زيتاً في المصباح." (ص 32)، "الخطيئة ليست ضدّ النور، بل هي أزمة في قلب النور" (ص 32)، "عقاب الخطيئة لا ينبغي أن يكون موتاً أبدياً، بل مسامحة وشفقة على الروح التي غفت ولم تنتبه إلى أن الظلام قد أتى على حين غرة" (ص 32)، " النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنا الحياة." (ص 32) وسيمضي وقت طويل قبل أن يوافق الناس على فلسفة الدويهي، وها هو يريد إقناعهم بصدق نظرته، مستفيداً من قول القديس يوحنا :الله محبة"، فيقول: "لا تقعوا في تجربة، أما إذا فشلتم فلا تيئسوا لأن الله يحب الإنسان" (ص 32).

ولا تكون المسامحة من الله إلى الإنسان فقط، بل من الإنسان إلى الإنسان أيضاً: "عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإن أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش. إذا سامحتم، ترفرفون بأجنحة الملائكة، وإذا ثأرتم للدم البالي، فأنتم تصبغون حياتكم بالسواد، ولا تغادرون المكآتم." (ص 92). ويبدو هذا المنحى التسامحي تكملة لما جاء في كتاب "طائر الهامة"، وهو قصّة يتحدّى فيها الدويهي الثار ويعلن سقوطه. ويمضي الدويهي بعيداً في موضوع المسامحة، ليتخذ هذه المرة بعداً فلسفياً خاصاً به، ففي "النزوات"، يعتبر الدويهي أن الجسد ليس مسؤولاً وحده عن الخطيئة، بل تشاركه الروح: "يقولون لكم إن استجابتكم للنزوات إنما هي من فعل الجسد، فصدقاً أقول: إن الجسد والروح توأمان لا ينفصلان، تماماً كما لا ينفصل نور الشمس عن حرارتها... فلا تتّهموا الجسد بما تذهب إليه أرواحكم صاغرة، ولا تبرئوا الروح من ميول الجسد." (ص33). ومن يقرأ الكتاب يلاحظ التوازن العميق الذي ينشئه الدويهي بين الروح والجسد، حتى يصل به الأمر إلى انتقاد التخويف الذي يمارسه الفكر الديني على الناس، ويميز بين نوعين من الناس: من تنتصر عليهم شهواتهم، ومن ينتصرون على شهواتهم، مَن تكون الشهوات عبيداً لهم، ومن تستعبدهم شهواتهم، وفي نظره أن الذي يعبد شهواته يصير خشبة في محيط هادر ويفقد طبيعته الإلهية، أما من يتبعون شهواتهم، فلن يكونوا مجرمين يستحقون العقاب (ص 33-34)، والدويهي لا يقصد هنا النزوات التي تدعو إلى الجريمة، بل النزوات البسيطة التي لا تؤذي الغير ولا تدمِّر المجتمعات، ولكي أثبت أن الدويهي يريد للمجرم أن يعاقب، أتلو عليكم ما كتبه في "طبيعة الخير"، إذ يقول: "إني لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرير وبين الذي تعضه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضّل الموت على أن يفعل شرّاً؟" (ص 77). إذن الدويهي يفصل بشدّة بين النزوات والخطايا.

ومن منطلق ديني أيضاً يعتبر الدويهي أن الموت ليس نهاية، بل هو عودة: "انتظري زوجك عائداً من الحقول مع رفيف الأغصان، وسقسقة الجداول، وغناء الرعاة، وأعدي له مائدة العشاء لكي يأكل مع أولاده، ويشرب من كأسه التي احتفظت بها. وانظري إليه وهو ينفض الموت عن ثيابه كما تنفض الرياح الغبار عن الطريق. وتحدثي إليه ليخبرك عن أسرار المجهول، وما وراء العتمة، وعن النور الذي يراه المغمورون بمحبّة الله." (ص 35).

الموتى إذن يعرفون الحقيقة وما وراء الموت، والحقيقة بالنسبة إلى الأحياء غير موجودة. وهذا ما يثبته الدويهي في عظة بعنوان "الحقيقة": "كم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا وأصابهم الجنون، ولو كانوا عقلاء لكانوا وفروا على أنفسهم جهداً وتعباً مضنيين، واقتنعوا بأن ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود، وأن أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفية التي حجبها الله." (ص 78-79)

في هذا المقطع القصير يمكن لنا أن تحدد مجموعة من الأسس التي تقوم عليها فلسفة الدويهي في رؤيته للحقيقة:

-البحث عن الحقيقة الكاملة يعرّض الناس للعجز واليأس والجنون.

-العاقل هو مَن لا يبحث عن الحقائق التي أخفاها الله لأنها محجوبة ولا سبيل للوصول إليها.

-الفكر البشري ضئيل ولا يستطيع رؤية المعالم الخفية المحجوبة.

هذه الأسس الثلاثة لا تنفصل عن الفكر الديني، لأن الكثير من الحقائق محجوبة، ألم يخفِ الله نفسه عن موسى عندما خاطبه؟ أولم يطمح آدم وحواء إلى شجرة المعرفة ليصيرا هما الله؟ ومَن يعرف ماذا وراء الحجب غير الله تعالى؟

غير أن الدويهي الذي يتقمص صورة كاهن في معبد الروح لا يصمت عمّا يفرزه الدين من مظاهر التكبر، والقيادة، والعنجهية وتصدّر المآدب، والتمييز بين الناس، وصولاً إلى الدعوة للقتل، وتخريب الحضارة والعودة إلى أزمنة الكهوف. فهو ينتقد رجال الدين الذين"يغضون الطرف عن أناس ضعفاء ليظهروا اهتمامهم بالأغنياء الذين يغمرونهم بالهدايا، ويروّضون عقولهم ليصيروا معهم في دائرة واحدة يمتنع على اليائسين دخولها. وما هؤلاء إلا البائسون الحقيقيون الذين يجهلون أن الإنسان قيمة وليس سلعة تباع وتشترى، فما أقبحني عندما أكون في ضيافة أناس أثرياء في ليلة العيد، وأخجل من زيارة امرأة فقيرة ليس عندها سوى كرسي حقير تجلسني عليه." (ص 14-15)

وفي مكان آخر يقول: "إن رجل الدين الذي يهمل فقيراً لفقره، أو أرملة لحاجتها، أو يغض طرفه عن آلام المتألمين ليمضي غلى حفلة عرس إنما هو رجل يقتل الحبّ فيه، ويخلق البغضاء في نفوس البائسين." (ص 17).

إن الدويهي يتناول المظاهر النافرة من الديانات، فما من دين في العالم إلا ويحض على التواضع والخدمة والمساواة والرحمة والعدل...

وعن علاقة الدين مع المال، يكتب الدويهي قصّة قصيرة مبتكرة من وحي خياله بعنوان "المال"، يتحدث فيها عن مجاعة حدثت، فجاءه إلى المعبد جمع من الناس يطلبون منه أن يساعدهم، فخاطبهم قائلاً: "إن الله لن يحزن إذا أعاد إليكم أموالكم، ولن يبقى عارياً إذا أعطاكم لباساً لتستروا عريكم، ولن يجوع إذا فتح لكم أبوابه لتأكلوا وتشربوا من خيراته." (ص 65)، وطلب الكاهن من الناس الفقراء أن يتوجهوا إلى الصندوق الذي في زاوية المعبد ليفتحوه ويأخذوا ما فيه من مال، فيؤمنوا الطعام لهم ولأطفالهم.

ويظهر دفاع الدويهي عن المسيحية في عظة لا تخطر على بال أحد، وقد لا يتوقف عندها أحد، لما فيها من الغرابة، وتحدّي المفهوم من العلم، خصوصاً عند فيثاغورس والمعلمين الأوائل الذين أخذوا بالمحسوسات، وأعني بتلك العظة "الأعداد"، إذ يبيّن الدويهي أن الأعداد اصطلاحات وضعها العقل المجرّد وانطبعت في أذهان الناس: "وقد تظنون أن الفصول أربعة، وهي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة." (ص )72. وبعد أن يقدِّم المفكر مجموعة من الأمثلة يصل إلى طبيعة الله، فيقول: "هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنه واحد. وإذا سمعتم من يقولون إنه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يجيبوا، فلعلّه واحد وغير واحد في وقت واحد." (ص 73)

إن الدويهي يشفق على أفكار الناس المجرّدة عن الروح، ولذلك يقول لهم: "تعلمتم أن المادة التي يتكون منها الكون أربعة: ماء ونار وتراب وهواء، فما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟ وهل تعلمون أن الفراغ هو مادة؟" (ص 78)، فالناس كما يبدو للمفكر الدويهي يعتمدون على الأفكار فقط فيخطئون، وهكذا نظرته إلى الثالوث في المسيحية، المساوي لله في الجوهر، فالله واحد، وإذا قال أناس إنه غير واحد، أي ثلاثة، فليس ذلك خطأ إذا كان الثلاثة هم واحد في الحقيقة. وهو يشير بذلك إلى اعتقاد المسيحيين أن الله هو آب وابن وروح قدس، وفي الوقت نفسه يؤمنون بإله واحد.

ومثل هذه العظات تعبّر عن فكر الدويهي المستقل الذي كوّنه بنفسه، فمن الغبن أن يجتهد الغيارى في تشبيهه بأحد، فها هو يناقض جان جاك روسو في ميله إلى الغابة، عندما يلقي عظة بعنوان "ساكن الغابة" حيث يلتقي برجل يعيش في البراري، وتدور بينهما محادثة طويلة يظهر فيها أن الدويهي مؤمن بالعلم والتقدم وتطوير البشرية، بينما ساكن الغابة مقتنع بالجمود. ويعتبر الدويهي أن الرجل أفضل من روسو بكثير، "ولو كان روسو مقتنعاً بأن الغابة هي مكان صالح للسكن، لكان توجه إليها ولم يعش في مدينة." (ص 83). وفي آخر المحاورة يترك المفكر إنسان الغابة ويسير إلى المدينة "حيث الصخب وضجيج الآلات التي تعلك الزمان، وكنت أمجد العقل والروح، وأغنّي للعلم الذي أخرج الإنسان من ظلام الأودية إلى شمس المعرفة." (ص 83).

ويستغل الدويهي حديثه مع ساكن الغابة ليؤكد على أن الشرّ غير محصور في زمان، فالذهاب إلى الغابة لا يوفر البراءة والسلام، والعيش في المدينة ليس مدعاة للشرور: "قد يكون المرء طاهراً في مدينة، وشرّيراً في صحراء. وقديماً كان الناس يقتتلون بالحجارة والنبال، واليوم يقتتلون بالبنادق والمدافع. لقد تغيرت الوسائل أما الطبائع فهي ذاتها. وكم من الحروب دارت رحاها في الازمنة القديمة عندما كان الناس يعيشون في البراري والكهوف وينامون تحت أغصان الشجر." (ص 83)

هذاه النظرة الفلسفية إلى واقع الخير والشرّ، لا تتشابه في أي شكل من الأشكال مع رؤية أي مفكّر آخر، بل إنها تدل على النضوج الفكري عند الدويهي الذي يناقض الفلاسفة والمفكرين بجرأة وصدق. بل إن مقاطع كتابه لا تشبه عمل أي مفكر أو فيلسوف آخر، فمن السذاجة أن يشبَّه بأحد جاء قبله. أما أن يكون واعظاً، فليس على طريقة جبران، بل على طريقة رجال الدين الذين بلغوا من الحكمة ما بلغوا، فقد جاء كثيرون قبل جبران واستخدموا الأسلوب نفسه، مثل لاوتسو وكونفوشيوس وطاغور.

وغير بعيد عن الغابة وساكنها، ينتقد الدويهي مَن يطلبون من الناس أن يرتدوا الخشن من الثياب، ويعيشوا في الصحاري، فيقول: "إنك ترى في هذا العصر أناساً يبشرونك بالسعادة، ويقنعونك بأن تسكن في الكهوف العميقة، وترتدي الخشن من اللباس، وقد يطلبون منك أن تقتل من أجل الغبطة، فاحذر من هؤلاء." (ص 82). وعندما يأتي إليه قوم يريدون قتل رجل لأنه من غير دينهم، يقف الدويهي بينهم وبينه، قائلاً: " لو جاءني أحد إلى هذا المعبد وأنكر وجود الله أمامي، لما غضبت منه، ولما أسأت إليه، بل لأخذته باللين، وحاولت أن أقنعه بخطإ رأيه، فإذا اقتنع يكون اقتناعه ولادة ثانية له، وإذا لم يقتنع لا ينبغي أن يكون عناده موتاً. أما الحكم على الإنسان فلا يصدر عن أناس يصيبون ويخطئون، بل يصدر عن الإله العادل الذي يصيب ولا يخطئ." (ص 75).

إن الدويهي يستفيد من خبرته في كتابة القصة، ليمزج بين الرواية والحوار والقيمة الإنسانية للعمل الفكري، وخصوصاً في مجال الدين، حيث لا معنى للحكم المبرم من قبل أناس على أناس، وقد أرسل الله إلينا أنبياء كثيرين لحكمة منهن وكان يمكنه أن يرسل إلينا نبياً واحداً ويقول: اتبعوه، فنكون على دين واحد ولا نختلف." (ص 75)

ويتحدث الدويهي عن القاتلين بالسيف، وما هم سوى العصابات المتطرفة التي تهدر دم الإنسان وتعيث في الأرض فساداً: "هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم." (ص 84). ومصيرهم البكاء والظلمة، "فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرهم حفرة أبدية ليس فيها إلا الصمت والوحدة." (ص 85).

وهكذا يبدو أنّ المفكّر اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي، يقدّم في معبد روحه دستوراً إنسانيّاً فريداً من نوعه، يصلح لأن يكون مشروعاً لحياة، في عصر سادت فيه الفوضى، وتحطمت المفاهيم. ولعل كلمة "سلام" التي مرّت كثيراً في النصوص، تصلح لأن تكون عنواناً أشمل للكتاب، الذي أشدّد مرّة أخرى على أنه مشروع مبتكر، وفيه مواضيع وأقاصيص وحوارات لم تخطر على بال أي مفكّر أو أديب من قبل، وهي تأتي من فكر الدويهي وثقافته ومن ضمن مشروع لنشر العدل والحقّ والخير في أرجاء البشرية، ومن صميم خطّة وضعها الدويهي لإبراز الأدب المهجري الراقي، بعيداً عن الاستعراضات الفولكلوريّة، وإنّ أي محاولة لتشبيه "في معبد الروح" بكتب أخرى، ما هي إلا سعي يائس وغير صحيح لتجريد المبدع من إبداعه، فيما الحقيقة ساطعة كنور الشمس.

#كتاب

4 views