Search
  • Jamil Doaihi

سليمان ابراهيم: قراءة لكتاب "في معبد الرّوح" لجميل الدّويهي


أمتطي شهوة القراءة سبيلاً للعيش "في معبد الرُّوح" جديد الكاتب جميل الدّويهي، لأجده وقد تقمَّص العيش كاهنًا يحيا جائبًا أَروقته السَّبعة والثلاثين من المقالات الممتدّة على مئة وأربع صفحاتٍ من الحجم الوسط والّتي أصدرها في سدني أوستراليا، خادمًا له، راعيًا لشؤونه، محدِّثًا عبرها أبناء رعيته، ومن خلالهم أبناء المسكونة أَجمعين: مجيبًا عن تساؤلاتهم، مخفّفًا من آلامهم النّفسيّة، مهدّئًا من روعهم على تسرّب قيم ٍ واندثار أخلاقياتٍ قد باتوا يشتاقون لعيشها وممارسة طقوسها، هم الّذين كانوا قد تربّوا على نهجها واعتناقها دستور حياةٍ... ففغرت المدنيّة المتفيشة شدقيها وراحت تزدردها وتغتالها من يومياتهم رويدًا رويدًا،وخافوا أن يبحروا في خضم الوجود مواجهين إعصاراته حفاة عراة يتضوّرون إلى عيشٍ كريم ٍ، في زمن طغيان المادة وسيادة التّفلُّت...

زوار معبده الّذين يقصدونه، جلّهم من النَّاس الطيّبين، زلفوا إليه من القرى وراء الهضاب العالية، رافضين العيش " في منازل الأمس" حيث تمكث حكايا الثأر وتعشعش الضغينة في مُستنقعات الدماء... ( ص4) وقد هالهم العيش وسط بشرٍ خنقوا الخير فيهم وأحيوا الشّر فباتوا "ناسًا من أسوأ الملائكة". فينبري الكاتب هاديًا، مُرشدًا قاصديه إلى ضرورة عيش المرء التسامح مع أخيه الإنسان، ممارسةً يوميّةً، كفريضةٍ فُطِرَ عليها ليتعاون الجميع من خلالها على إحياء الخير فيهم، وبناء الجمال من بعدهم واللّذين لا يتحقّقان إلاّ بعيش المحبّة بينهم، ليكونوا حينها قد أدوا الدَّور الّذي قد أوجدهم الخالق من أجله مشاركينه فعل بناء العالم "عليك أن تحدِّد النظر في المخلوق لكي تعرف الخالق معرفةً غير كاملةٍ، بيد أَنّها كافيةٌ لإقناعك بنبل وجودك ومكانتك تحت السّماء".(ص9).

من المقالة الأولى "صورتي في المعبد"،التي يحدِّد جميل الدويهي دوره في المعبد من خلالها؛ حتّى "وصيَّتي"، المقالة الأخيرة الّتي يضمِّنها الغاية من وضعه للكتاب "ليست عندي كلمة يا إخوتي أَقولها الآن إلاّ أن تدعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم". (ص98).يلتزم الكاتب في معظمها نهجًا في الكتابة، يبدأ بعرض المعضلة النفسيّة- الأخلاقيّة، أو الإجتماعيّة - الإنسانيّة؛ يشرع من بعدها بعرض الحلّ عن طريق الإرشاد والتّوجيه وتصويب المسارات، لرعيّةٍ تُصغي وتفهم، إلى أن ينتهي النّص بقدرة الكاهن على إقناع المخطىء بالعودة عن خطئه وفاقد الشّيء كيف يحظى به: معتمدًا التّرغيب والتّرهيب حينًا والإستفهام الإنكاري كما تجاهل العارف حينًا آخر... ومن الملفت، طغيان أُسلوب السّرد على الحوار وتقنيّاته إلاّ فيما ندر... كما ونلمس استعمال الكاتب للوجوه البيانيّة والبديعيّة على تنوّعها، ممّا يغني النّص الأدبي بالصّورة التي تقرّب المفهوم المجرد إلى فهم القصد والمضمون من المخاطب في النص، كما من القارئ إيًّا كان، بالحواس والقدرات الإدراكيّة سواءَ بسواء. ناهيك إلى اعتماده على المثل الخرافي أو المشخصن في النّصوص إلى جانب الصورة، لتحقيق الهدف من رعايته لشؤون الرّعيّة؛ والتّمثيل بشواهدٍ من المدوّنة على هذه الأمور، وفيرةٍ جدًّا في مقالات الكتاب كافّةَ. بالإضافة لركون الكاتب إلى إبراز المتعارضات من المفاهيم: الحق/الباطل، الخير/ الشرّ، العتمة/ الضوء، الثأر/ التّسامح، الكره/ الحبّ، الصّدق/ الكذب، مشدِّدًا على اتباع الإيجابي ونبذ السّلبي منها إن كنّا نريد العودة إلى طبيعتنا الأصليّة والتّقرب إلى خالقٍ أحد.

فالكاتب - كاهن المعبد- يحدِّد دوره، بزرع البراءة وروح التَّسامح بين أبناء رعيته... وردًا على سؤآلٍ حول طبيعة الخالق، يرى الكاتب أن معرفة الخالق وطبيعته تتمّ بسماع الصوت الدّاخلي الّذي يحدثه الصّمت وفي مساحة الفراغ التي تتركها الكتابة ليتأمل الباحث، إضافةً إلى أهميّة الظلام التي تبرز قيمة النور في مسيرة الإكتشاف والّذي يستفيد منها جميع الباحثين المتنوّرين عن الحقيقة. (ص6-9). كما وأنّ الحكمة الموصلة إلى المعرفة هي من نتاج القلب والعقل معًا: "لو احتكم النّاس إلى القلب والعقل معًا لكانوا خلّصوا أولادكم من ميراث الموت والدّمار".(ص12). ويلوم الكاتب النّاس على اختيارهم "منذ قديم العصور أن يكونوا عبيدًا للأزمنة، بدلاً من أن يكونوا أسيادها". (ص15). ومن أهم القيَم الإنسانيّة التي يتطرق لها الكاتب : الحب الّذي "هو النّار الّتي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوِّله إلى لهبٍ أبدي"(ص16). كما يعرج بالكلام على الحبّ السّيء ومفاعيله (ص17-18).ومواضيع جمّة أخرى لها في قلمه نصيب، من مثل العناصر الطّبيعيّة والبحر، التّعب والشّقاء، النّور والظّلام، النّزوات، الموت، وصولاً إلى "طبيعة الشّيطان" التي من أهم ميزاتها، أن الشيطان" يزيّن لكم الشّرور ويدفعكم إليها..."(ص24).فالحديث على الشعراء الّذين يرى فيهم "كواكب مضيئة"... وما يقولونه بأنّه أمرٌ حسن، لأن الجمال شيء مقدّس... "والشعر سراج الفضيلة المعلّق في الظلام، ودواء الجروح العميقة التي يعجز الأطبّاء عن معالجتها. وإذا كان الدواء يصلح للجسد فإنّ الشِّعر يصلح للأرواح المعذّبة فيداويها ويخفِّف من آلامها".(ص27).

مواضيع إنسانيّة إجتماعيّة متشعّبة يتناولها كاهن المعبد تصويبًا لنظرة أبناء الرّعية إِليها ومواقفهم منها، كـ"النزوات"، "الموت"، "المرأة ورجلها" و"الهجرة" التي يرى فيها" اعتناق لديانة المغامرة"، " لمتلونون" في مواقفهم، "يوم الثّأر" الّذي يرى فيه فعل خيانة للمحبّة، وهروبٌ جبان إلى أقبية الضّغينة ومنازل العبوديّة...". ومواضيع أُخرى كعلاقة الرّجل بأبنائه وموقفه من المال والحرّية والفرح، ونظرته للأعداد والدّين والكفر، وضرورة التمايز بـ "روح الخير" وكيفية عيشه وممارسته ليكون مصيبًا هادفًا. وصولًا إلى الحقيقة التي لا يعرفها كاملةً أحد والّتي يربطها الكاتب جميعها بعالِم ٍ أحدٍ، خالق الكون هو. فـ "ساكن الغابة" المدعو الخطيئة والذي هو ليس سوى الشّيطان الذّي يظهر للناس مزيّنًا بلبوس شتّى... وهنيئًا لمن ينجو من براثنه... وقوفًا بـ"القاتلين بالسّيف"، أُولئك الّذين "يرتدون الحمافة ثيابًا ويحملون الجهل زادًا وعتادًا: (ص84).فـ "أوطانكم"، حيث يدعو الكاهن المهاجرين إلى أخذ أوطانهم معهم إلى حيث يذهبون، "فالأوطان ليست من طينٍ وماء. هي الوجود الّذي لا تحدّه حدود. هي أنتم، ومن غيركم أَنتم لا مكان للمكان".(ص87). وتظهر رسالة جميل الدويهي في مقالته "معبد لجميع الشّعوب" من خلال توجهه إلى أبناء جلدته ووطنه كما إلى أبناء وطنه الثّاني فشعوب الأرض، مفادها: "أن الأديان ليست منازل من حجرٍ مقفلة الأبواب، وأنّكم عندما تعبدون اللّه تكون عبادتكم دينًا"(ص91). وعن المسامحة الّتي يختصر تقريبًا بثّها نهجًا بين الشعوب لحفظ السّلام العالمي الهدف من الكتابة، يقول: "عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجسادٍ من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإنّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظّلام، وقلوبكم أضيق من نعوش".

بكلمة، لقد مازج الكاتب جميل الدويهي بين ما فُطر عليه من إنسانيّةٍ وما تربّى عليه من قيم ٍ ومبادئ َأخلاقيّة من جهةٍ، وما امتازت به شخصيته العلميّة الأكادميّة من جهةٍ ثانية، من طاقات البحث المنهجي البادي بوضوح من خلال معالجة الموضوعات التي تناولها وهو يخوض تجربةً تبتّل فيها القيم سراطًا سويًا، يدعو إلى عيشه "في معبد الرّوح"؛ وإن كانت التّأثيرات الدّينيّة قد ظهرت جليّةً في الكتاب، إضافةً إلى تسجيل مواقفه، رفضًا وقبولاً لبعض الفلسفات وأراء الفلاسفة التي بثّها المقالات، ليبقى كتابه في نهاية المطاف قيمةً مُضافةً إلى مكتبتنا العربيّة.

سليمان يوسف إبراهيم، عنّايا في 23/8/2015

#كتاب

1 view0 comments