Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم: عن الشاعر يوسف عيسى


لشّاعر يوسف عيسى يضيء ليل إهمج بنورٍ من "قنديل المنابر

أَطيب ما يبقى جراء جرّة قلم شاعر، كتاب يحفظه بحضورٍ دائم بين أجيال أَحبة الكلمة، لِما اشتمل عليه من غنى غلال الحقلين المعجمي كما الدّلالي، حفظًا لتراثٍ وصونًا لحضارةٍ.

يوسف عيسى، شاعرٌ من قدّ صخر بلدته إِهمج، وصلد الشماريخ؛ متى سيّل شعوره أبيات قريضٍ بلهجةٍ عاميّةٍ صافيةٍ دانية القطوف بجمهرةٍ من ألوان الشّعر العامي الّذي يستلذّه العامّة كما تستطيبه الخاصة، لأنّه من قلب صاحبه ينبخس شعورًا صادقًا، وفي قلوب سُمَّاع ٍ وقرّاءٍ يستقرّ على سجيّته مغلفًا بمبادئ فلسفته وعمق فكره بعد أن تكون قد عركته الحياة في معجن تجاربها والمواقف؛ يغذي بها مجتمعةً قنديله زيتًا وقد شعَّت جراءه المنابر الّتي اعتلاها...

كتابٌ بمئةٍ ونيّفٍ من الصّفحات من منشورات مجلة "العالميّة"، يطلّ بها الشّاعر على عشاق شعره الّذي جمع معظم غلاله من فوق بيادر منابرَ، جمعته وأئمةً من شعراء الزّجل في لبنان والمهجر من زمن العتاق الكبار أمثال طانيوس عبدو، خليل روكز وزين شعيب وسواهم من الشعراء العماليق.

توّجت الكتاب مقدّمةٌ بقلم الشّاعرة فيكتوريا سلموني نصراني، كما كان في الكتاب وصاحبه كلمات، لكل من ناشره فوزي عساكر صاحب مجلة "العالميّة" ورئيس الرّابطة الثّقافيّة في إهمج حاليًّا، جرجس خليفة، وبوتقة من أسياد الشّعر المنبري، رفاق الشّاعر همُ، في "جوقة بيبلوس الزجليّة" الّتي أسّسها: الشّعراء طوني مرعي، هشام يوسف، جوزيف الحجة. ومن خارج الجوقة، كلمة للشّاعر عماد زين شعيب، كما أُخرى للشّاعر شليطا الحواط.

بالدّخول إلى حديقة الشّاعر الغنّاء بأنصاب شعرٍ، وقد سوّرهابصورة قنديل ينير عتمات السّمر، كما يحفظ نور كلمته للزمن الآتي في الغلاف الأول، أما على الثّاني فأتمّ سوره ببيتين من الشّعر، يُبرز من خلالهما الغاية الّتي رمى إليها من جمع حصاده على بيدر الكلمة، فيقول:

" بغَير الكلمة ما تْهنَّيتْ بتِحمِلني من جِيل لجِيلْ

حتّى من الكون انْ فلّيتْ رح يبقى مضوّي القنديل".

في شعر يوسف عيسى الكثير من دفا القيم الهاجع في مواقد الصدور العالية، وعنفوان إِبن القرية الّذي وإن انحدر نحو الشّواطئ سعيا خلف لقمة العيش، بقي قلبه موثوقًا إلى أرض الميلاد، فلنسمعه يقول: "*...وهونيك إنتِ وأنا والأشباح/ مرّو بشردِة عَتم عنّك تا تلهيني/* تا يضيعْ قلبي معك وتضَّيعي المفتاح/ ويصير باب الأمل مقفول عا سنِيني/* لا لا الباب افتحي، بحبِّك أنا سوّاحْ/ وما اعتاد إبن الجبل يعشق هوا مدِيني.(ص19). وفي بعض من العتابا، يقول: "بواب الحُبّ بوجي تَاَفْلِتْ/ وشمس عمري انتهى شروقا تَاَفْلِتْ/ وناطِرْ من شَرَكْ حُبِّكْ تإِفلِتْ/ قبل ما يدقّ تشرين البواب" (ص35). وفي بيتٍ آخر:* " ما عِدتي تلهجي بالحيّ بِسمِي/ تا غيَّبتي نجوم اللَّيل بِسمَيّ/ وعليي تحَنَّني بفرد بَسمِيْ/ وخِدِي عُمري المعَلَّق بالضّباب/(ص37). كما يتخلّل الكتاب الكثير من وقفات القصائد،أَنشدها الشّاعر في مناسبات شتّى وحفلات عدّة، كان قد تبارى أثناءها مع شعراء أَفذاذ: فمن مطعم الدلب في الشّوف، إلى دير القمر، فأوتيل إهمج حفلرون؛إلى السّمقانيّة... فمطعم "بلدنا" في عنّايا وحفلات كان يقيمها المغترب جيلبير المجبّر في قصره كلّ صيف يعود به إلى الوطن، فإلى جاج، مشمش،بزمّار، بعقلين...، متابعة للغناء في الإمارات العربيّة المتّحدة مع الشّاعر عماد زين شعيب...وفي أماكن أُخرى عديدة مع الشّعراء ميلاد ضو وزغلول دير القمر جورج حايك، جان حرب، أوديت الخوري، سمير شرف الدّين وسواهم... ناهيك عن وقفات الرِّثاء المتعدّدة في كبار من أبناء بلدته إهمج، كما العديد من أبناء ضيع الجوار وقرىً من بلاد جبيل.(ص79- 94).

"قنديل المنابر"، كتابٌ عامرٌ بوطنية الشّاعر يوسف عيسى وفيض المبادئ والقيم الإجتماعيّة والفرديّة عنده؛ قولًا وفعلًا بإشعاعات تظلّل يوميّات النّاس بأنوار حبرٍ، لن يخفت صداح الشدو فيه ولن تخبو جذوته، بلغة عاميّةٍ صافيةٍ. غلال سلاله من الكرم والحاكورة ومطل الضيعة وطلة الشّمس وزغردة الحطب في المواقد وأعراس الجنطة تحت سياط المناجل.... وأبياتٌ أُخر قدّها من ريق حرير الشرانق، فألبسها للحبيبات ملاآت من غزلٍ، بالرّغم من حراك الفؤآد بين الضلوع ونبض الولوع بالحروف، جاء بمعظمه عفيفًا يحاكي ما في نفس قائله من سمو الخلق.وذاك البياض الذي اعتمرته فوق هامتكَ فيه الكثير من نقاوة قلبكَ والضّمير.

مبروكٌ لك قنديلًا أَيها الشّاعر يوسف عيسى، أوقدت ناره بزيتٍ ثقيفٍ فوق المنابر، أعدُكَ أَنّهُ لن يوضع تحت المكيال البتّة، بل سيحمل اسمك ويحلق به منارةً، ليستوطن بِما حوى العقولَ، ويحجز لحضورك في الأفئدة مكانًا ومكانةً.

سليمان يوسف إبراهيم- عنّايا، في 14/9/2015

#كتاب

13 views