Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: لماذا مهرجان الأدب المهجري الراقي؟


يسألني كثيرون عن التسمية، فأجيب: هو التحوّل، الإضافة، المفترق الذي أريد، ومن أجله نذرت قلمي وأفكاري. أمّا سؤالي لنفسي فهو: ماذا يمنع أن يكون لي دور كبير، وعندي من التنوّع شعرياً، ونثرياً، روائياً، وفكريّاً وثقافياً ما يغنيني، وأنا لا ألعن الظلام ولا أؤمن بأنّ ما يزرعه الإنسان لا يحصده. وقد حرّضتني تجربتي في لبنان، لسنوات تسع، كنت أتالّم فيها من مقدار التجاهل، والسخرية في بعض الأحيان، حتى أنني عندما أطلقت كتابي "في معبد الروح" قال لي أديب لبناني من الصفّ الثاني أو الثالث، عبر الهاتف من بيروت: "هل سيكون عندنا نبيّ جديد في أستراليا؟" أزعجني السؤال لما فيه من سخرية، ثمّ استعدتُ ما كتبته عن هذا الكاتب: ثلاث مقالات عن كُتب حبّرها ولا تستحقّ أن يُكتب عنها. كتبتُ عنها من أجل الخير، أمّا هو فلم يكتب عنّي حرفاً، وكان جزائي على ما فعلت له من فضيلة، سؤالاً سخيفاً لا يشبه الأدب. رددتُ عليه بقوَّة، وقلت بالحرف: أعرفكم في لبنان. أما آن لكم أن تكفّوا عن الفكاهة؟ وبدا لي أنّه يقف موقفاً وسطاً بين الإعجاب من "في معبد الروح"، وبين ضرورة الاستخفاف التي اعتاد عليها. وعندما نشرتُ قصيدتي الأولى عن سعيد عقل في مئويته، في حمّى قصائد كثيرة قيلت في لبنان عن الشاعر العملاق، أثبتتْ قصيدة أستراليا أنّها الأهمّ، والأرقى، والأنقى في التعبير والصياغة. وانفعل شعراء وكتّاب، وأسبغوا عليها الثناء، ما عدا قلّة ممن امتعضوا، ولهم الحقّ في ذلك، فقصيدة جاءت من مكان بعيد، تقتحم المجهول، وتثبت نفسها في الميدان، بل تُظهر ما عند شعراء وشعراء من قلّة الشعريّة، وضعف الخيال، فإذا بقصائدهم تعلك نفسها وتقف جامدة في وجه الزمان. تقول كلاماً كثيراً عن سعيد عقل يشبه كلام النثر، أمّا الشعر فقليل. قصائد لا حركة فيها بل تحجّر لفظي، وتصنّع لا يرقى إلى ما يطلبه الشعر من الشاعر. وبقيت قصيدة أستراليا علامة فارقة حتّى الآن، ثمّ تلتها قصيدة أخرى يوم وفاة سعيد عقل، ماثلتْ سابقتها في القيمة، وأردتُها كذلك بإلحاح من المناسبة أوّلاً، وثانياً كي لا يقال إنّ الأولى كانت من نتاج الصُّدفة. نحن سفراء الكلمة الراقية، والفكر المبدع. ولماذا إذا نقول ذلك ترتعش القلوب وتنعقد الألسنة؟ وهل رآنا أحد نجري في سباق مع المادّة؟ وهل عرفنا أحد بأنّنا نجعل من شيء يفوق الحبر والفكر غنى؟ وهل نحن من الطارئين على الكلمة؟ فمن حقّنا إذن أن نأكل من عرق جبيننا، فللفلاّح أن يكون هو أوّل من يأكل من تعب ساعده. وفي مهرجان "الأدب المهجري الراقي" يوم 23 تشرين الأوّل، حجز أناس كثيرون مقاعدهم، وهناك أناس لم يحجزوا لأنهم يعرفون أنّ مكانهم عند الدويهي مضمون. هم يعيشون في قلبه. وما أجمل هذه الثقة أن يقول بعض الناس: لماذا أحجز مقعداً، والدويهي يعرف أنّني سأكون عنده مهما حدثَ من أمر؟ والأجمل الأجمل أنّ كثيرين من الشجعان يجيئون إلى أمسية الأدب الراقي، ومعهم المحبّة، وكلّ ما هو نقيّ... وكم هو رائع أن ألتقي بهم من بعد غياب. فعشرة أعوام من الفراق تمحوها كلمة طيّبة وقلوب تتعانق في حضرة الإبداع. نعم، أمسية للأدب المهجري الراقي، من ضمن مشروع متكامل للتأكيد مرّة أخرى على أنّ في أستراليا أدباً مبدعاً، يقوم على التنوّع بين الشعر والرواية والأدب الفلسفيّ والتاريخ... ولو كانت الظروف مهيّأة أكثر لكنت في صدد إطلاق كتاب خامس لأضمّه إلى الأربعة التي ستنشر في الأمسة. وهذا المشروع سيمضي إلى الامام بما تيسّر من موارد، قد تنضب أحياناً وقد تفيض أحياناً أخرى، وبحسب الفصول تجري القافلة، بغضّ النظر عن الفقاقيع التي لا معنى لها... أمّا تلك النظرة إلى أميركا وأوروبا على أنّهما مصدران للإبداع والجودة دون سواهما، فينبغي أن تتغيّر أو أن يغيّرها أحد، فأستراليا هي أيضاً واحة للعطاء، وهناك مَن يجاهدون من شعراء وكتّاب لكسر حاجز التجاهل. ولن يغمض لنا جفن قبل أن نوصل الرسالة، واليأس لن يصيبنا لأنّنا أبناء النور، واليأس يصيب فقط أبناء الظلام.

#كتاب

0 views