Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: الناس الذين يحبّونني هم الذين يكتبون


لن ندخلَ في تفاصيل مهرجان الأدب المهجريّ الراقي "أمسية لا تفكّري صار الهوى ذكرى" منذ الآن، فالتفاصيل تظهر في حينها، لكنّ الغبطة التي تملأ قلبي هي أنّني ألتقي بالكثيرين من الأحبّة والأصدقاء بعد غياب أكثر من عشر سنوات. أصدقاء يملأون حياتي نُوراً وطهارة. إنّه الوفاء بعينه أن لا تنسى من تحبّ ولو طالت الأيّام والشهور. جميعهم لم يسألوا عن الكتب، بل سألوا عن الشاعر وماذا سيقول؟ وما هي الرسالة التي يحملها إلى الأدب العربي؟ والشاعر سيلقي أمامهم ستـّة أنواع شعر هي: القصيدة العمودية، وقصيدة الزجل، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة المدوّرة، والقصيدة المدوّرة العامية، وقصيدة النثر. كما أنّ ثلاثة مطربين أحبّاء هم السيدة أنطوانيت الدويهي والسيدان طوني يونس وجان خليل سيغنون من كلمات الشاعر، مع موسيقى صديق الروح ألِكس حدشيتي، وبتقديم مميّز من الإعلاميّة السيدة كلود ناصيف حرب.

ويسألني البعض ممَّن لا يعرفونني شخصيّاً: هل الكتب الأربعة التي ستقدمها هدايا هي كل ما كتبت؟ فأجيبهم: الكتب الأربعة هي فقط موسم جاء بعد أكثر من 20 كتاباً من أعمالي، تتراوح بين الرواية، والقصة القصيرة، والدراسة الأكاديمية، والتاريخ باللغة الإنكليزية، والشعر بأنواع خمسة (النوع السادس هو المدوّر العاميّ الذي أطلقته مؤخّراً في أستراليا، وكانت أُولى قصائدة "بيتِك حلو" التي نشرتها في جريدة "المستقبل" الغراء وعلى موقعي "أفكار اغترابية"، ولم يتسنّ لي بعد أن أنشرها في كتاب).

وعندما أتحدّث عن كتبي لا أفعل ذلك من باب التباهي ولا الفخر، فما أكتبه ليس منّي بل هو هبة من الله تعالى، بل للإضاءة على حركة أدبية فاعلة وراقية أريد إيصالها إلى المجتمع المحلي والعربي، ولأقدّم للنقّاد الذين يريدون أن يتحدَّثوا عن الأدب بضمير حيّ ما عندي من إنتاج... ومن حقّي أن أعرض كتبي كما يعرض الفنانون لوحاتهم، والنحّاتون تماثيلهم، والخيّاطون الأثواب التي صنعوها، ليس لشيء بل من أجل الحقيقة.

ما سأقرأه في الأمسية هو ستّة أنواع شعر (من كلّ نوع قصيدتان)، والتنوّع في الإنتاج، شعراً ونثراً وفكراً، ودراسة أكاديميّة، أردته لنفسي عنواناً لمشروع أدبيّ راق، فأنا لا أحبّ العيش ضمن الخطوط المرسومة، ولا أعتقد أنّ الأدب ينحصر في موضوع أو في شكل دون آخر. لذلك أنطلق في أعمالي كما أريد وحيث أريد، بجناحَي طائر متمرّد على الحدود، وقد يسقط ذلك الطائر من تعب، وقد ينشّز في شدوه، وهذا قدر كل أديب أو شاعر أن يُخطئ ويُصيب، فليست كلّ أعمال الفنّانين والموسيقيّين والمهندسين من الروائع، لكنّ المهمّ أن ينظر الإنسان إلى نفسه ويقول: ماذا فعلت؟ وأين هو إنتاجي؟ وهل أنا حقّاً صنعت أدباً جليلاً؟ وهل أنا راض عن نفسي؟

وإنني أطرح هذه الأسئلة على ذاتي دائماً، وأقارن بين أعمالي وأعمال جبران، والريحاني ونعيمة وسعيد عقل وغوته وموليير، وإدغار ألن بو... فأتمنّى وأطمح، وأجد أنّني بعيد جداً عن الوصول إلى قاماتهم، غير أنّ ذلك لا يجعلني أشعر باليأس، فالإنسان يحاول أن يحلّق، وما أصعب العيش لولا فسحة الأمل. ومن منطلق الأمل أحضّر لأربعة كتب جديدة، مختلفة المواضيع أيضاً، فالكتاب في مشروعي الأدبي والثقافي يجب أن يصدر بحسب الفصول وليس بحسب السنوات، وعليّ أن أمضي بخطى ثابتة غير عابئ بالأعاصير، ولا بالسدود، ولا بوعورة الطريق. وفي هذه الرحلة، لا أشعر بأنّني وحيد، فالكثيرون يسيرون معي وأسير معهم، والله معي، وإذا كان الله معي فمَن عليّ؟

كل كتاب أؤلـّفه ليس من صنعي، بل هو من يد الله وعطفه وعنايته، ولذلك أغتبط بأعمال الآخرين، ولم أشعر مرّة واحدة في حياتي بأنّ أحداً أخذ شيئاً من أمامي إذا أبدع. وعندي إيمان عميق بأنّ الناس الذين يحبّونني هم الذين يكتبون. الناس الذين يحبّونني هم الذين يهيّئون لي النور لأبصر، والسماء لأطير، والبحر لأسافر. ولو لم يكونوا معي لعشتُ وحيداً مثل حقل مهجور. ألف شكر لكلّ من ساعدني، وتفانى في محبته ووفائه، من أحزاب ومؤسسات وجمعيات وروابط ووسائل إعلام وأفراد، كلّهم اندفعوا واعتبروا أنّ الأمسية تعنيهم، فما أجملهم من أصدقاء، وما أوفاهم من أوفياء. لقد عوّضوني عن جروح كثيرة أصابتني في حياتي، أخفيها بابتسامة... هؤلاء هم الأبطال الذين يرفعونني إلى ما فوق النجوم، وهم الشجعان الذين يعرفونني وأعرفهم، ونُثبتُ معاً أنّ الشمس في وسط السماء... ولنا لقاء في أمسية 23 تشرين الأوّل... وأمسيات بعدها ستكون، إن شاء الله، مليئة بالجمال والمحبّة والأدب المهجريّ الراقي.

#كتاب

3 views