Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: بماذا تميّز مهرجان الأدب المهجري الراقي؟


لأدب مهجري راق

عندما أعلنـّا عن مهرجان الأدب الراقي، ظنّ العديد من الناس أنّه مهرجان يشبه مهرجانات بعلبك، أو مهرجانات الصيف في لبنان، أو أنّه على الأرجح مهرجان يشارك فيه عشرات الشعراء وترعاه دولة أو منظمة دولية. ولم يصدق أحد أن شاعراً واحداً هو الذي نظم المهرجان، ودعا إليه، ورتّب فعالياته. المهرجان كان مهرجاناً بالحقيقة لأنه شهد، لأول مرة، ربّما في التاريخ، أن يطلق أديب وحده أربعة كتب دفعة واحدة. ليس هذا فحسب، بل إن الكتب تتنوع بين الرواية (طائر الهامة)، والتأريخ (أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ)، والشعر (لا تفكري صار الهوى ذكرى)، والفكر الفلسفي (في معبد الروح).

وما هو الهدف من إطلاق هذه الكتب؟ ليس لغاية إلاّ للأدب المهجري الراقي، وهو مشروع أطلقناه بحكم الشغف، والحاجة إلى أدب عربي رفيع ينطلق من أستراليا إلى العالم العربي والعالم، في تنوّع من حيث المواضيع والأشكال واللغة أيضاً، والرغبة في كسر النظرة المتحجّرة عند العديد من أصحاب الرأي في لبنان إلى الإبداع في أستراليا، وهي نظرة متجنية ولا عدالة فيها.

ومنذ اللحظة الأولى لنجاح المهرجان، كان مفترضاً به أن يدخل إلى العتمة، فصاحبه ممنوع أن يتكلم عنه، فمَن يتكلم عن عمله هو "مغرور ومتكبر ويتحدث عن نفسه"، وفي الوقت نفسه يُمنع أو يمتنع الآخرون من الحديث عنه، فالمفروض دائماً أن يُقتل الناجحون والمبدعون الحقيقيون في عمليات إرهابية تستهدف العقل، وأن تجري تصفية أولئك الذين يقدمون للناس أعمالاً جيدة.

ونحن لسنا من حكواتيي الأساطير، ومعجزات أين منها معجزات السيد المسيح في قانا والجليل. ولسنا هواة ألقاب تطير من ضخامتها الرؤوس. وليس لنا الحق أصلاً أن نتحدث عن أنفسنا ولا أن نأخذ ألقاباً، هي ماركات مسجّلة... وليس مسموحاً أن نغطـّي خبراً عن أمسيتنا... ولكن بعد انتظار شهر، وسماع أربعة آراء فقط في المهرجان، تبين لنا ما هو مدى مساحة الحرية، وحقّ لنا أن نتحدث عن تميّز المهرجان الراقي... وليس في هذا أذية أو إساءة لأحد، ولن نضع شمعة تحت مكيال، ولن نرضخ إلا لشروطنا.

سنتحدث عن مهرجان الأدب المهجري، وهذا لا يخالف قيمة التواضع. فنحن نقبل أن نتواضع للمتواضعين وأن ننسحق للمنسحقين، أما المغرور فطلبه مردود إليه، لأن القصد منه أن نبقى تحت جناحيه، ومَن تعودوا على ركوب الخيل لا تحتويهم أجنحة لا تطير.

إن قول الحقيقة كما هي لا ينطوي على عجرفة، ولكن من لا يقول الحقيقة عن نفسه هو جبان.

-تميز مهرجان الأدب المهجري برقيّه، وترتيبه، وفقراته الفنية والثقافية والشعرية الرائعة، والذين حضروا ما زالوا يخبرون إلى الآن عن الحدث، فإذا سارع أحد الحاضرين وتحدث من فرط سعادته ودهشته عما وصفه بأهم حدث ثقافي تشهده الجالية، فمن هذا المنطلق، ولأنه لم يرَ في حياته حدثاً مماثلاً. وهذا من حقه في التعبير ونحن في بلد حر وديمقراطي، ولسنا في نظام ظلامي إرهابي يكم أفواه الناس.

-وتميز المهرجان بأنه أول حدث ثقافي في تاريخ البشرية يقدم فيه أديب واحد 4 كتب هدايا إلى الحاضرين، وهذه الكتب الأربعة ليست من نوع واحد، بل هي شعر (لا تفكري صار الهوى ذكرى) ورواية (طائر الهامة)، وكتاب فكر فلسفي (في معبد الروح) وكتاب تاريخ عن مدينة إهدن بالانكليزية.

-وتميز المهرجان أيضاً بأن المطربين الثلاثة الذين شاركوا فيه: أنطوانيت الدويهي، طوني يونس وجان خليل غنوا من كلمات الدويهي بشغف وإبداع، وقال المطرب طوني يونس بعد أنهى قصيدة الدويهي: إذا عدت إلى الغناء فلن أغنّي سوى من كلمات الدويهي. وكان الفنّان المتألق ألكس حدشيتي يطرِب ويطرَب.

-وتميز المهرجان أيضاً بنوعية الكلمات التي قيلت وهدفها إظهار الحقيقة. والحقائق التي قيلت عن تنوّع الدويهي بين الشعر والرواية والتاريخ والفلسفة لا تحتاج إلى دلائل، وقول الأستاذ أنطوان الحربيه: ستمضي مئة سنة قبل أن يكتب أحدهم كتاباً يضاهي "في معبد الروح" ليس قولاً معيباً، بل هو مدعاة للفخر، ومراجعة الذات ونقدها.

-وتميز المهرجان أيضاً بأن صاحبه ألقى على مسامع الناس وأمام أعينهم خمسة أنواع شعر، وكان هناك عشرات الشهود الذين صفقوا للأنواع كلها واستمتعوا وطربوا. وكان الدويهي يشرح كلّ نوع وكيفية كتابته واختلاف لغته عن الآخر قبل القراءة. والأنواع الخمسة التي أنشد منها الدويهي هي على التوالي: الشعر الزجلي (صورة ضبابِه) - الشعر العمودي الفصيح (تفهّمي صمتي)- شعر التفعيلة الفصيح (قد لا تكون مريضة)- الشعر المدوّر العامي (بيتِك حلو)- وشعر التفعيلة العامّي (بحْلم ببلادي تتغيّر). ولم يلقِ الدويهي نوعين آخرين يتقنهما هما الشعر المنثور (حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان- يصدر قريباً)، والشعر المدور الفصيح الذي يتفرد به الدويهي أيضاً في أستراليا (وقلت أحبّك). وليس من شاعر في المغتربات وفي العالم العربي يجيد أو يكتب هذه الأنواع جميعاً.

-وتميز المهرجان في أنه احتضن قصيدة ابتكرها الدويهي ولم تكن موجودة أصلاً في الشعر العربي في أستراليا وربما في الشعر العربي كله، وهي قصيدة المدوّر العامي: "بيتِك حلو" (المدور يُكتب كما النثر على سطر واحد وموزون على تفعيلة واحدة)، وقد كان للدويهي شرف إطلاقها من أستراليا بالذات للتأكيد على أن الأدب المهجري راق وفاعل.

-وتميّز مهرجان الأدب المهجري الراقي بعدد الكتب التي حصل عليها الحاضرون، وقد تقاطروا في صف طويل حتى ساعة متأخرة ليوقع لهم الدويهي على الكتب، ولسنا نعتقد أن أحداً انتظر ساعة أو ساعتين للحصول على كتاب لكي لا يقرأه.

-وتميز مهرجان الأدب الراقي للأديب والشاعر المهجري د. جميل الدويهي بفلسفة الكرم، فقد أعطى وأعطى حتّى أذهل الحاضرين، وكانت سعادة الناس هي الهدف، ورضاهم هو الغاية القصوى.

-وتميز مهرجان الأدب المهجري الراقي بالصدى الذي ظل يتردد عنه في أوساط الجالية، ووصلت أخباره إلى لبنان، وظن الأصدقاء الذين نعرفهم هناك أنّ المهرجان أقامته وزارة أو جمعية أو رابطة أو مجموعة شعراء... ولم يصدق أحد أنه من إعداد وإخراج وتنفيذ شاعر واحد.

- وتميّز مهرجان الأدب المهجري الراقي بتواضع صاحبه، فلا عجرفة، ولا تشاوف، ولا ادعاء ألقاب، ولا إخبار حكايات عن إنجازاته واكتشافاته المذهلة، أين منها حكايات السندباد وطائر الرخّ. وقد سمع صاحب المهرجان عبارات الثناء على تواضعه في أمسيته عشرات المرات، فقد اقتصر عمل الدويهي على الأدب الجليل الذي تفتخر به الجالية، وعندما صعد إلى المسرح لإلقاء شعره بدا وكأنه ضيف على الأمسية، ولم يتخلل الأمسية أي بادرة تكريم شكلية، فالتكريم الحقيقي هو مقدار ما يقدمه الأديب إلى الناس ونوعية أعماله وتقدير الناس له وثناؤهم على عمله (يعتبر الدويهي أن كتابه "في معبد الروح" هو أعظم هدية من الله إليه، وهو التكريم الذي لا يريد سواه). وقد ظهر تواضع الدويهي أيضاً عندما غطّى خبر الأمسية في الجرائد والمواقع الإلكترونية ببساطة ما بعدها بساطة، وعلى الرغم من ذلك لم يتوقف بعضهم عن بث أسطوانة: "مغرور، ومتكبّر، ويتحدث عن نفسه"... وهي أسطوانة أصابها العفن، ولو كانت هذه الأسطوانة تبثّ عندما يتشاوف البعض ويعلن نفسه خليفة الله على الأرض، ويدّعي ألقاباً تثير الضحك، كنا رضينا. ولكن أن تُبثّ استنساباً وتحت عنوان: "الصدق ممنوع والكذب فضيلة"، فهذا أمر معيب، ولن يؤثـّر في مسيرتنا وإصرارنا على تقديم أدب مهجري راق من أستراليا إلى العالم، والله معنا والعذراء معنا، والصدق، والشرف، والوفاء، والإبداع، والرقي، ونظافة اللسان، والأخلاق والإنسانية كلها معنا... والأصدقاء جميعاً معنا، فلا نتزعزع.

#كتاب

1 view