Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: إله الحقيقة


كنت أسير في الطريق، والغبار يلفحني، والشمس فوقي تضربني بسياط اللهيب.

الطريق طويلة في المدينة البعيدة، حيث يغيب الناس وراء نوافذهم، يراقبون كلَّ مارٍّ، بعيون مفتوحة يراقبون، لأنَّهم خائفون من كلِّ عابر سبيل.

في هذه المدينة بالذات، حيث يطلع الصباح من غير جهة، انتابتني رغبة في الصراخ، من أجل الحقيقة. تصوّرتهم يهرولون ورائي ليقبضوا على عنقي بأصابعهم الطويلة ويخنقوني. كان بينهم رجل غريب الأطوار. رأيته يمدّ يده إلى البحر فيأخذ منه السمكة ويشويها في عين الشمس، ثمّ يأكلها. ظننت أنه خارج لتوّه من النعش بوجهه الأصفر وخبث نظراته، وحقده الدفين. ولكنّني عدت إلى هدوئي لحظة أدركتُ أنّني أتخيّل، والخيال ينجب أولاداً كثيرين ورجالاً.

وعندما جلست تحت شجرة لأرتاح، سمعت ضرب معول، ونظرت فرأيت فلاّحاً شاباً يحرث الأرض، وسمعته يتحدث إلى ذاته بهمس خفيف. ذهبت إليه على عجل، فسألته: هل أنت من هذه الناحية؟ قال: نعم. قلت: وهل أنت تكذب مثل بني قومك؟ فرفع هامته من التراب وحدَجني بغضب وقال: لماذا تقول إنَّنا نكذب؟ قلت: لقد رأيت بني قومك يحصدون الشوك، ويقولون إنَّه عنبٌ وتين. فقال: هل تراني أفعل مثلهم؟...

هجم الفلاّح عليّ وضربَني بمعوله، فشقّ يدي، وفررت من أمامه مذعوراً حتى وصلت إلى حدّاد ينهال بالمطرقة على الحديد. قلت له: أبالحديد تؤمن كما يؤمن قومك؟ فقال لي: ما أدراك أنّني أؤمن بالحديد؟ وهل أنت حسود؟

قلت له: لست حسوداً لأنّ كاهن الروح اسمى من كهنة الحديد، كهنة الحديد هم الذين يحقدون على كهنة الأرواح. فثار الحدّاد عليّ وضربني بمطرقته فكسر أنفي، وخرجت من عنده لا ألوي على أحد، حتى وصلت إلى دكّان نجار، فقلت له: أتصنع نعوشاً للحقيقة؟ فقال لي بتعجب: ومن قال لك إن الحقيقة قد ماتت؟

قلت له: رأيتها بأمّ عيني مطروحة قرب الساقية التي هناك. جثة هامدة. إذا أردتَ يمكنني أن أساعدك على حمل جثتها إلى هنا، فتصنع لها تابوتاً وتجعلها فيه قبل أن ندفنها في التراب. قال الرجل وقد احمرّت عيناه وارتجفت شفتاه: هل جئتَ إلى هنا لكي تطلب مني أن أصنع نعشاً للحقيقة؟ ومن يدفع لي ثمنه يا جاحد؟

انقضّ الرجل عليّ وكان جسمه ثقيلاً فأشبعني ضرباً، وأفهمني بأنّ موت الحقيقة سرٌّ من الأسرار، ولو نطقتُ بكلمة عن موتها لأحد، فإنه سيقتلني شرّ قتلة.

جررت نفسي جرّاً في الطريق، فرأيت رجلاً يحمل صورة في إطار، وهو مغتبط. قلت له: أهذه صورتك؟ فأجاب: يا لك من أعمى. هل تجد في الإطار صورتي؟... هذه صورة أخي. كنت محسوداً منه لأنه أكثر جمالاً منّي، فسرقت صورته، ووضعت اسمي عليها، وهكذا يمكنني أن أتساوى معه من غير جهد ولا تعب.

قلت له: وإذا علم أخوك بما فعلته، ألن ينتقم منك؟

أجاب: أخي مسافر، وإذا عاد واكتشف ما فعلت، سأتّهمه بالحسد والغيرة وبأنّه منزعج من صورتي. يا له من أحمق. أما سمع القول: مجاناً أخذتم ومجاناً تعطوا؟

قلت له: لكنّك أنت الحسود، ولو لم تحسد أخاك، لما أردت أن تساويه

تطاير الشرر من وجه الرجل وفاجأني بضربة على رأسي بالصورة والإطار، فجرح جمجمتي، وولّيت الأدبار من أمامه، حتّى وصلت إلى ساحة صغيرة، في وسطها شجرة حور كبيرة، وتحت الشجرة فتى يحمل على ظهره كيساً كبيراً ويضعه تحت الشجرة ليرتاح، فحيّيت الفتى، وسألته عن عمله، فقال إنَّه يعمل حمّالاً منذ كان في العاشرة من عمره، وإنَّه ينقل الأكياس من مطحنة أبيه إلى المرفأ، فتعجّبت من كلامه، لأنّ المدينة في الجبال وليس فيها مرفأ، وسألته: عن أيّ مرفإ تتحدّث؟ فقال: إنَّه في أعلى الشجرة، حيث تأتي السفن وتستقرّ على قمّتها، ثمّ يأتي الحمّالون مع أكياسهم ويتسلّقون وهم يغنّون حتّى يصلوا إلى قمّة الشجرة، وهناك يلتقون بالبحّارة، فيعطونهم الأكياس ويأخذون منهم أجرهم.

اقشعرّ بدني من شدّة كذب الفتى، وقلت له: إذا كنت صادقاً فأين هم رفاقك الحمّالون؟ فأجاب وهو يرمقني بنظرة عتب: إنّهم في إجازة، فاليوم هو الأحد، وأنا وحدي أعمل لأنّني تأخّرت بالأمس في أخْذ الأكياس إلى المرفأ.

قلت للفتى: أنت تكذب، فاليوم هو يوم أربعاء.فكيف تقول إنه الأحد؟

شحبت أسارير الفتى، واحمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فعرفت أنّه منفعل، ورأيته يلتقط حجراً عن الأرض ويرمي به عليّ، فأصابني في ركبتي إصابة مؤلمة، فصرخت وهربت منه وأنا أعرج، فوصلت إلى منزل وضيع، وكانت أمامه امرأة تجلس على كرسيّ من خشب عتيق، فسألتـْني عمّا حدث لي، فقلت لها: إن الناس يكذبون، وأنا أقول الحقيقة. فقالت: لست أتعجب إذن ممّا أصابك. لماذا تقول الحقيقة للناس؟ أما سمعت المثل الذي يقول: حبل الحقيقة قصير؟

سكتت المرأة لحظة وراحتْ ترقبني بنظرات باهتة، ثم قالت: هل أنت حسود؟

قلت لها: إنّ مَن لا عقل له هو الذي يحقد على أصحاب العقول، ولم يحدث مرّة في تاريخ البشر أن حقد صاحب العقل على من لا عقل له، ولذلك ترين مَن لا عقول لهم يتظاهرون بأنّهم أصحاب عقول، وترينَ مَن لا علم لهم يدّعون العلم ويزوّرون الألقاب ليكبروا في عيون الناس.

ظهر الحنق على وجه المرأة، وقالت: أنت تهينني في الصميم، وتحتقرني، وتصغِّر من شأني، فإنّ أختي لها صوت جميل، أما أنا فخلقني الله ذات صوت بشع يخيف الوحوش، ولكنّني نجحت في الإذاعة، بعد أن أغريت رجلاً بجمال جسدي، فأصبحت مغنّية شهيرة، واعتزلتْ أختي الغناء بعدما عانت من سوء حظّها الكثير.

قلت للمراة: إنّ ما فعلتِه ليس عدلاً، ولا ريب في أنّ الناس كانوا يسخرون منك، فسارق الإبداع هو أسوأ السارقين، ومَن ينتحلون الصفات التي ليست لهم يجب أن يحاكَموا.

أنشبت المرأة أظافرها في وجهي، فاقتلعت إحدى عينيَّ، وأسرعتْ إلى مكنسَة قريبة فانتزعتْ منها العصا لكي تجهز عليّ، فغادرتُ على عجل، وأنا أصيح من الوجع، حتّى وصلت إلى منزلي عند آخر الطريق، وجلستُ أمام المنزل أندب حظي، وأتفقّد ما تبقى من جسدي، فوجدتُ أنني أصبحت إنساناً لا فائدة منه، وإذا بجار لي يطلّ من وراء سور حديقته، ويسألني عن سبب بكائي، فأخبرته بما حدث لي، فقال: إنّه خطأك. كان عليك أن تفعل مثلهم وتنجّي نفسك من العقاب، ففي هذه المدينة يكذبون ويصدّقون أكاذيبهم، فلا يعودون مستعدّين للنقاش في موضوع الحقيقة. بل إنّ بعض الناس هَهنا يولدون على شكل أكاذيب ثمّ يتطوّرون مع الزمن فيأخذون أشكال أناس.

تركني الجار وعاد إلى حديقته وهو يغنّي.

وعاد إلى خيالي شبح ذلك الرجل الذي يمدّ يده إلى البحر فيأخذ منه السمكة ويشويها في عين الشمس، وبعد أن يأكلها، يلتفت يُمنة ويسرة لعلّه يشويني ويأكلني أيضاً.

لقد أزعجني خياله الذي طاردني لأعوام خلت، وهو يقول لي: أنا حظُّك وقدرك، وسأظلُّ أعاندك إلى الأبد، وأقطع رزقك، وألعنك ألف لعنة.

كم هو بشع قدري الأعمى هذا، لكنّني أؤمن بالله وأتسلّح بالقوة، فلن أضعف أمام أحد ولو كان عتيّاً، ولن أسلّم سلاحي لحاقد، وسأنتصر بإلهي، إله الحقيقة.

#كتاب

0 views