Search
  • Jamil Doaihi

أمان السيد: سجون تفتح أبوابها للحياة


أن تسمع بالسجون أمر يختلف عن أن تعيش فيها، أما المدهش حقيقة، فهو أن تتسنّى لك معايشة المكان عن قرب في قالبه الجديد..

في بريزبن العاصمة السياحية لولاية كوينزلاند الأسترالية مركز ثقافي، وترفيهي هام في منطقة New Farm يدعى Powerhouse أي ( بيت القوة) يوفر المكان مجموعة من الفنون الأدائية والبصرية، والمهرجانات، والفعاليات الاجتماعية الحرّة بعد أن كان مقرّا لإيواء المساجين الذين استبعدوا من إنجلترا وإيرلندا إلى أستراليا التي استخدمت مكانا لإيواء المساجين، والخارجين عن القانون في إنجلترا التي كانت لا تغيب عنها الشمس، كما استعمل أيضا لإيواء المشردين، وأطفال الشوارع الذين تركوا رسوماتهم على الجدران التي ما تزال تنطق بالأحداث..

الجدران حُوّلت إلى لوحات، والقاعات حُوّلت إلى مسارح، كما مُدّت شرفات جميلة أمام نهر بريزبن الساحر للترفيه والاستمتاع تستثير في الزائر أحاسيس شجية لا يستطيع أن يتنصل منها، ولا سيما إن كان قد قصد المكان، وهو قارئ مطّلع على تاريخه.

بعد أن تهبط من ال" فيري" وسيلة النقل النهرية تصل إلى حديقة واسعة تشرف على النهر تتربع بقعة تحمل الطابع الإيطالي في البيوت، والأطعمة، والقهوة، وتستقبلك جدران شاهقة لسجن يحتفظ بمعالم تحمل على تخيّل أحداث مخيفة، ومؤلمة جرت وراءها في رحلة البشريّ المهيمن في التسلط والاستعباد واحتلال العالم بمنطق القوة، تلك الصفات التي للأسف ما تزال تدمغه حتى يومنا هذا..

لكن اللافت هنا في هذه المدينة الأسترالية، ومثيلاتها من المدن العالمية نفضها ذاك الرداء الأسود، وانطلاقها للتغيير في خصائص أمكنة حملت من الفواجع ما يكثر ذكره.. لم تلغ التاريخ لمصداقيته، ولكنها وضعت عليه بصمات جديدة تؤرخ لتطور الرؤية الإنسانية في مسيرة التاريخ ، وهي تشقّ السدود، ويظهر هذا في هذا المعتقل الذي كسيت أحد أسواره بإعلانات لعروض مسرحية، وغنائية تقام عليه باستمرار، في امتزاج استثنائي يقدّم الذكرى بشكل إنساني جديد يغلّفها بفرح الحياة، ثم إنك حين تكون داخل هذا المكان تتزاحم عليك مشاهد رأيتها للسجون في فيلم أمريكي، أو إنكليزي حيث تتقابل الغرف التي تحملها الممرات، وتحسّ أن الجدران الكتومة ما تزال تحتفظ بساعات انتظار مريرة لمساجين في داخلها يحلمون بالخلاص وبالحرية، أما حين تتجول في المكان، فإنك تستشعر بالظلمة التي حافظ عليها المكان، أو لربما كانت من وحيه، وتقرأ تعليقات كتبها الزائرون على أوراق صغيرة علقت على جدار تحمل انطباعاتهم، ثم إنك لن تملّ في نهاية المطاف من تناول البيتزا الإيطالية على الشرفة النهرية التي تتهادى في حبور ودلال، وأنت تتفكر متأملا في أماكن رسوّ السفن التي كانت تأتي بالمساجين لتلقّمهم للسّجّانين يوزعونهم على الحجرات..

كيف يتعانق الجمال والسلام والحرية بذكريات أليمة وموحشة، في لحظات إنسانية جليلية على نهر بريزبن الذي تتوزع عليه البيوت الأنيقة، هذا المشهد الذي تستعيد فيه انتماءك وحزنك العربي مكرها لتتذكّر السجون التي ما تزال تغصّ بها البلدان في محاولة لحجب الشمس، وتتساءل هل ستكون محظوظا كما في أستراليا، بأن تحتسي القهوة يوما في سجن كسجن تدمر الشهير، وقد تحول إلى متحف أتحف بآثار تدمر في احتفاء بالحضارة والإنسان والحرية؟!

#كتاب

0 views