Search
  • Jamil Doaihi

سليمان ابراهيم -عنايا: أغلى العطايا وأجود المزايا


عصفورةٌ راحت تحطُّ على نافذة غُرفتي كلَّ يوم ٍعند الصَّباح... تُلقي التَّحيَّةَ تغريدًا... تُصفِّقُ بجناحيها، وترحلُ بعيدًا... تاركةً في نفسي حبورًا... وفي القلب مودِعةً شدوَ أنغام ٍربَّانيّةٍ؛ حتّى بتُّ أدعوها: عُصفورتي.

في أحد الأَصباح، تخلّفت عن زيارتي... فقلقتُ جراءَ الغياب، عن وقتٍ باتَ بيني وبينها شبهَ موعدٍ أدمنتُ لقاءَها فيه!!

رُحتُ أُسائلُ نفسي عنِ السَّبب: هل إنَّ جماعة الطّير الّتي إليها تنتسب قد ارتحلت عن قريتي؟ أَصادفها صيَّادٌ نَهِمٌ إلى موت الجمال، فصاد الفرحَ منها ومنّي؟ أَم أَنَّه ساءَها منّي تصرُّفٌ، فقرَّرتِ الإنزواء بأَن تُضرِبَ عن زيارتي، تحسّبًاً من حلول يوم ٍتراني فيه وقد جهَّزتُ لها قفصًا أَحتبسُ فيه تغربدَها لنفسي؛ مُحتجزًا حرِّيتَها في توزيع شدوها على معمورةٍ بأسرِها؟!

بعدَ أَن صرفتُ سحابةَ يومَين، سابحًا في خِضمِّ بحرٍ من الشُّكوكِ والتَّخمينات... وعند بزوغ فجر اليوم الثّالث، استويتُ- على عادتي- بمحاذاةِ نافذتي أَمتلئُ من ندى قريتي زادًا ليوم ٍ جديدٍ، ونسائمُ عودتِها تلفحُ مُخيِّلتي... وما إِن انفرجَت أساريرُ صباح ذاكَ النّهار، حتّى لمحتُ جناحَين يرِفَّان بالقرب من زِفرِ النّافذةِ، وبعضُ الزّقزقات إلى سَمعي تتهادى أَنغامًا... التفتُّ، فإِذا بعُصفورتي تؤبُ مُجدّدًا وتحطُّ أَمامي مُنهكةً... أَظنُّ للوهلةِ الأُولى، أنَّ متاعبَ السَّفرِ هي وراءَ حالتها. أُمعنُ النَّظرَ، لأَرى أَنَّ أَحدَ جناحَيها هابطٌ عن مُستوى رفيقِه بعضَ الشّيء... أُدقِّقُ النّظرَ ثانية، ليتكشَّف لي السّببُ ويبطُلَ عندي العَجبُ: خُردقاتٌ عمياءُ قد هاضَت الجناح... فاحتملَتْ عُصفورتي آلآمَ مواجعها إلى أن طابَ بعضُ الشّيء جناحُها، فعادَت إليَّ، وكانت أُولى محجّات سفرها: نافذتي!!

حاولتِ التّصفيقَ لدى عودتها إِليَّ بالجناحَين: فطاوعها واحدٌ وأخلفَ معها الآخر، ببقائه على استكانته... فخفضتْ رأسَها وأَودعتْهُ ريشَ صدرِها... ثمَّ رفعتْهُ نحو السَّماءِ... غرّدَتْ تغريدتَها الطّويلة، وأنصتتْ إلى حفيف الورق مع هبوب النّسيم وبقيتْ لتحتسي معي قهوتي الصّباحيّةِ، وكأنّي بها قدِ اطمأنَّتْ إلى تأديةِ واجب الإعتذار...

آهٍ كم هو ثمينُ طبعُ الوفاءِ؛ حتّى وإن تلمّسنا خيوطَهُ الدَّافئة في تصرُّف طيرٍ!!

ربِّ، أَعِد خلقك إلى ما طبعتهم عليه من صفات إنسانيّة جعلتهم بها يسمون على سائر المخلوقات.علّنا، بعودة الإنسان إلى بعض أُصوله وإصالته، ندفن مخاوفنا على اضمحلال عظَمة الكرامة الحقّة الّتي زرعتها فيه لحظة التّكوين، فندفأ حينها إلى مُستقبل نخاف عليه ونعلّل النّفس بتسامي إنجازاتنا فيه، في آن معا!!

سليمان يوسف إبراهيم

عنّايا، في 8/11/2013

#كتاب