Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: ساعي البريد والحِمل المضني


بعد يوم ٍ من العناء، وقد أَضناني طولُ السَّفرِ عائدًا إِلى منزلي... وما إِن استلقيتُ على مقعدٍ قد اعتدتُ الجلوسَ عليه، حتّى غالبَني سُلطانُ النَّعسِ... فغلبني. وما هي إِلاَّ برهةً من عمرِ الزَّمنِ حتَّى وجدتُني ثاوٍ إِلى صخرةٍ على شاطئ بحر الوجود، حيثُ لا لافتة ولا حثيث آدميِّ ينبِّهني أَنِّي لا زلتُ ضمنَ دائرةِ الوجود المحسوس... وأَنا على هذه الحالة من الإِنخطاف في دُنيا جديدة وعالم ٍ لا أَعي منهُ سوى ما امتدَّ أَمامَ ناظرَيَّ من صفحةٍ زرقاء ولا يتحسَّسُ جلدي إِلاَّ ما يلامسُه من نسيم ٍ خِلتُه نسيمَ صُبح ٍ يُلاعبُ شَعري ويدغدغُ المياه مُلاطمًا صخرةً إِلى جنبي، كأَنَّها _ كأُختِها _ قد زُرِعَت في ...رمال!!

وأَنـا في هذا الجّو المسحورِ هناءَةً وصفوَ بالٍ، تناهى إِلى سَمعي همسٌ آدميُّ النَّبرات: " هِـه...أَنتَ الجالسُ هُناك، فحانت منّي إِلى الخلفِ التفاتةُ مذعورٍ غيرَ مُستعدٍّ للِّقاءِ بإِنسانٍ في هدءَةِ السُّكون هذه، لأَرى نفسي في حضرةِ كبيرٍ من بلادي،كانت قد جمعت بيني وبينهُ الأَيَّام، ولم أَستطع أَن أَعودَهُ قبلَ أَن يدُقَّ عُنُقَهُ سيفُ المرضِ الفتَّاك، فخطفهُ من بينِ أَحبابه عن خشبةِ الحياة، وهو لا يزالُ مُصِّرًا على إِغداقٍ من عطاياه الفكريَّة والفنِّيةِ والموسيقيَّة في ساح ِ الفرح ِ والتَّعليم ِوتأديةِ الدّراما اللُّبنانيَّة بأَزهى وأَبهى صورِها لتبقى خيرَ رسولٍ للأُمم ِ وبين الأُمم ٍ عن وطن الأَرز!! وهـل يُمكنُني أَن أَغفِلَ عن " الخوري إِسطفان "؟! أََم تُراني أَنسى " أَبي وائل " أَو " رشيد " في " غريـبـة "؟ أَو... أَو... بالطَّبع ِ لا!

ربَّتَ على كتفي مُخاطِبًا: " سمعتُ أَنَّ الخلقَ في وطني يتشاورون في أَمر ِ منحي وسامًا في يوم حفل تكريمي... ولا زالَ النِّقاشُ مُحتدِمًا؛فقرَّرتُ أَن أَبعثَ لأَهل بلدي برسالةٍ أُتحدَّثُ بها إِليهم بعد أَربعينٍ على غيابي عن أَرضِ وطنٍ ما كنتُ لأُطيقَ العيشَ فيه لولا عشقي لتُرابِه، وهو فعلاً قطعةٌ من الجنَّةِ الَّتي عاينتُها بعدَ رحيل... وأَوَّدُ منكَ أَن توصلها لأَصحاب الشَّأن موعِدَ التَّأَبين لو سَمحتَ. " بالطَّبع أَجبتُ الطَّلب وتأَبطتُ الرِّسالة الكنـز، ونهضتُ مُهرولاً لأُوافيهم وهم مُجتمعين. ولكن، ما دامت الرِّسالةُ موجَّهةً لبني الوطن، وأَنا واحدٌ منهم، دفعتني حُشريَّتي لأَكونَ أَوَّلَ القارئين، فأَلفيتُها قصيرةً، بيليغةً ومُعبِّرةً عمَّا كان وما سوفَ يكون ويجري لكُلِّ، ومع كُلِّ المبدعين، من وطني! ....

وسمعتُه يخاطبهم مؤنِّبًا:" تحنُ المبدعينَ حُماةُ الحضاراتِ في أَوطانِننا ولأَوطانِنا، أَليسَ من العارِ أَن نقضيَ على قارعاتِ ومداخل المستشفياتِ، وأَنتم لا تزالونَ تصرفونَ السَّاعات والأَيَّام للتَّداولِ في شأنِ منحنا وسامًا من نافلِ المعدنِ بعد موتٍ، بعدَ أَن نكونَ نحنُ، قد صرفنا أَعمارنا كانزينَ الأَمجادَ، في مصارفِ أَوطانِنا الدَّهريَّة الَّتي لا نخافُ أَن ينالَ منها صدأُ مُماحكاتِكم العقيمة؟ ولا نهتَّمُ لأَن يُتلِفها دودٌ، سيرعى جُثثَكُم في حينه _ مع الدُّعاء لكم بالأَعمار المديدة _ لأَنَّ، ما تركنا من بعدنا، جوهرٌ هو، أَمَّا مَن تركنا؟ فعرضٌ يبقى، بعد مُهندسِ الكون ومُبدع السَّموات... فلستُ مُهتمًّا لأَن يُعظِّمني في عيونِكم وِسامٌ وإِن كنتُ مُستحقَّه، إِن لم أَكُن أَنا بالأَصلِ عظيمٌ وساكنٌ بؤبوآتكُم منذ زمنٍ، بعدَ أَن هدرتُ هذا العمرِ بطولِه معكم وبينكم!!"

بعدما اطَّلغتُ عمَّا كان من شأنِ الرِّسالة، انكسرَ جَفني خجلاً أَمامَ عظمة كِبارِنا، فقرَّرتُ، ولو لمرَّةٍ فريدةٍ: أَن لا يكون على الرسول إِلاَّ البلاغ، مُعتذرًا من الخوري اسطفان، على عدم تلبيةِ رغبته.

وصحَوتُ مذعورًا على يد ابنتي؛ تنتهرُني لأَستوي إِلى مائدةِ العشاء، الّذي كانت قد انهمكَت بإِعدادِه لنا " سراجُ بيتي "، لنجتمعَ عليه عائلةً سعيدةً كما في كلِّ عشيَّةِ.

سليمان يوسف إِبراهيم

عنَّايا، في2-6-2010

#كتاب