Search
  • Jamil Doaihi

قصص قصيرة لأمان السيّد


أمل

ينتظر القطار.. يرفع إلى فمه سندويشة، ويبدأ بقضمها لقمة، فلقمة بهدوء إنسانٍ غائب عن الوعي تماما.. لا يشعر بالحمامة التي تقترب منه حتى تصل إلى الفسحة ما بين قدميه المتدليتين من المقعد.. ترفع رأسها.. منقارها يكاد يصل إلى اللقمة التي يقضمها.. ما يزال لا يشعر بها.. تحرك رأسها، تصبح عليه قائلة: أنا هنا يا عزيزي.. صباحك طيب.. هلا شاركتني طعامك.. إني جائعة..

الأرض تحته أشبه بغيمة بيضاء لم تتناثر فيها أية ذرة من الخبز..

ما تزال الحمامة ترفع رأسها، وتتحرك حتى أتى على اللقمة الأخيرة.. أخرج زجاجة الماء البلاستيكية، وازدرد ما فيها حتى آخر نقطة..

تسحّبت الحمامة بعيدا عنه، وهي تنظر إليه بعتاب.. كان لديها الأمل بأن تكون هذه خطواته الأولى في بلاد الاغتراب..

مشاجرة

لا بد أنني أمام مسيرة تتعلق بهزيمة رئيس الوزراء طوني أبوت.. قلت في نفسي، وأنا أفتح عيني بتكاسل.. كانت هناك أصوات هتافات مستنكرة.. نسيت أني في سدني وأنّ الأمر يختلف هنا عنه عند العرب..

اليوم مساء تكرّرت الأصوات الغريبة.. أنصتُّ جيدا.. اختلف الانطباع.. إذا أنا حيال عائلة تتجادل فيها الحماة، والكنّة وبنتُ الحماة.. إنه مزيجٌ آدمي تماما..

صاح الغراب: هذا غير معقول!

رد البلبل الهيمان: هل ستظلّ تنعق؟

كانت السحلية تنظر في دهشة إلى أوراق الشجر، وهي تتساقط، ولا تستطيع أن تلتقط ورقة رغم أنها جائعة جدا.

استيقظت من حلمي دهشة حين عرفت أنني كنت في معركة حيوانية تماما.. إنّها لطيور أسترالية..

للآن لا أصدق إلا أنني كنت تجاه عائلة حمي وطيس العراك فيها، وكنت أنتظر أن تهاتفني، لأنزل وأشارك في تهدئة الأجواء بين أفرادها..

أمومة أكثر نضجا..

وصلت من بريزبن لأجد قطة بيت أخي قد نحلت كثيرا.. قلت فورا.. هل ولدت؟!

جاءني الجواب من ابن أخي الصغير زيد: نعم يا عمتي.. إنها خمس قطط صغيرة هذه المرة..

لم أستغرب الخبر، لكوني أعرف أنّ القطط كثيرات الإنجاب، ولهذا فقد درج في الأمثال الشعبية تشبيه النسوةُ الولودات بهنّ، لكنّ الذي لفت نظري أنّ Gray - وهو اسم القطة - لم تنس تجربة إنجابها السابقة منذ ثلاثة شهور حين فقدت صغارها الأربعة خلال أيام.. لذا تبدو حريصة جدا هذه المرة، فهي تستلقي خارج بيتها الصغير كي تفسح المجال لهم للراحة، وتحوم حولهم، واليوم كانت تلتقطهم واحدا وراء الآخر، وتسير بهم إلى جرّة كبيرة داخل البيت اعتادت أن تلجأ إليها مرات، ثم تحاول أن تخبئهم فيها، بينما أنا وزيد نتبعها بأعيننا مشاركين إياها الحرص والخوف.

كنا واثقين أنها لم تنس تجربتها الأولى حين فقدت أولادها واحدا تلو الآخر بعد ولادتهم بأيام، وشككنا حين ذاك أن يكون الفاعل هو القط اللعوب نفسه الذي يترصدها من فوق السور وما يزال، بعد أن استطاع مغازلتها والإيقاع بها، والسطو على طعامها، وبالطبع على مشاعرها..

كلما تذكرت ذلك المواء المؤلم الذي أيقظني في تلك الفترة، والذي عدت بعده دون أن أشعر إلى الاستغراق بالنوم أشعر بتأنيب الضمير، ولكن ما يرطب قلبي أنه لم يكن ذنبي بل ذنب التغير في التوقيت بين أستراليا ودبي حيث كنت ما أزال حديثة العهد هنا..

ما تزال قطتنا تثبت يوما بعد يوم أنها قد تحولت إلى امرأة، وأمّ أكثر نضوجا..

لقطة..

طفلة تحدق في الغريبة التي تحتضنها بعد أن وصلت إلى بر الأمان المزعوم.. امرأة يقدم إليها كيس طعام فتأخذه وهي ترخّي بصرها للتراب.. رجل يحمل طفله، ويهرب من رجال الشرطة، فتركله امرأة بشراسة، وهي تحمل آلة تصويرها.. مركب بلاستيكي يحمل آلاف المهجّرين، ويصل فارغا إلى الشاطئ إلا من ثقب يتسع بطول المعاناة..

لا يلاحظ أحد أن الكاميرا التي سقطت من يد المصورة قد تحولت إلى جرافة كبيرة، وأخذت في إهالة المشاهد المتكاثرة في قبر وثير.

بين امرأتين..

خرجت تلتحف بعباءتها السوداء، ومنديلها المماثل.. رائحة العرق تنبعث من جسدها تؤكدها قطرات تلتمع فوق جبينها الأسمر.. ودعتها شاكرة ماقدمته لي من العمل، ثمّ تباطأت قليلا حتى أتأكد من دخولها المصعد حرصا على ألا أؤذيها بإغلاق الباب وراءها مباشرة.. أحسست بها تتلكأ أيضا عندما فتح باب المصعد، وسبقها إليه أحد الرجال..

فاض الخجل الأنثوي بالمرأة التي تعمل خادمة بالساعة.. ابتسمتُ لها، وسألتها: لمَ لمْ تدخلي في المصعد؟.. كان الجواب واضحا من صمتها، وخجلها.." لا أريد أن أتواجد مع رجل في مكان محشور"..

هي لم تتحدث، لكني أدركت ذلك بحس الأنثى، والواقع المشترك بينها.. خطر لي الزوج والأخ في البلاد البعيدة كيف أنه يستطيع ألا يتخيل أن امرأته، أوأخته تتعرضان لكثير من الاستغلال ومن المغريات، وخطرت لي عودتها في الليل متأخرة، واستغلال حارس البناية والبواب لها، وتذكرت صديقة قالت لي إن المكلف بأمن البناية كاد يحطم الباب عليها، وهي نائمة في منتصف الليل تتّشح بوحدتها.. كان مخمورا ممّا اضطرها لاستدعاء الشرطة في أول الفجر شاكرة الله أنها بسبب النعاس لم تعرفه، وإلا لكانت فتحت له بالطبع، وحدث ما لا يحمد عقباه.

نزلت المرأة بحذر بعد أن تأكدت من فراغ المصعد.. انكببتُ على الباب أحكم إغلاقه بالقفل مرتين، وبالسلسلة الحديدية ثالثة كعادتي في كل ليلة.

#كتاب