Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي في لقاء مع إذاعة 2000 إف إم: الله أعطانا الحرية لنفكّر ولا ننغلق كل عام سأقدّم كمّية من


أجرت إذاعة 2000 إف إم- سيدني لقاء إذاعياً مع صاحب كتاب "في معبد الروح" الأديب اللبناني المهجري الدكتور جميل الدويهي. أجرى اللقاء الأستاذ بادرو الحجة بإدارة الدكتور علاء العوادي مدير الإذاعة ومشاركة الزميلة جمانة والأستاذة مريم الدويهي زوجة الأديب اللبناني.

استهل اللقاء الدكتور علاء العوادي بالقول: شهادتي مجروحة بالأديب جميل الدويهي الذي يسمونه على نطاق واسع بشاعر التأمل والحرّيّة، وهذه القامة الأدبية غنيّة عن التعريف، وقد شرّفنا بحضوره في استوديوهات 2000 إف إم. والدكتور الدويهي هو من القُدامى في هذه الإذاعة، منذ أيام الأستاذ نبيل طنوس -رحمه الله. واليوم سنلقي الضوء على كتاب الدويهي الجميل "في معبد الروح".

وأعطى الدكتور العوادي الميكروفون إلى الزميل بادرو الحجه الذي قال في مقدمته:

"عيديّة كبيرة، مع أديب، شاعر، صحافي و إعلامي كبير من أبناء الجالية.

من عائلة لبنانية- زغرتاوية عريقة أعطت لبنان والعالم رجال دين، فكر وأدب حيث تركت بصمة بيضاء في عالمنا هذا.

إنه الدكتور جميل الدويهي الذي نحاوره اليوم حول موسوعته الأدبية الرائعة، وندخل معه في هذه الأعياد المجيدة معبده الخاص ونجول معه في ٣٧ محطة من دستوره وشريعته التي تقمّص من خلالها شخصية الكاهن ومرشد للسلام والمحبة.

أستاذ جامعي عاصر الكبار وانتقد البعض منهم، ذاق طعم الاغتراب والحرمان وابتعد عن وطن الارز ونبع مار سركيس ومعبد يوسف بك كرم - أهدن، لكنّ سيدة زغرتا رافقته في كل خطواته الناجحة في الاغتراب.

مؤخراً أحدث تظاهرة فنّية وأدبية في الجالية حيث وقّع وأهدى لأبناء الجالية أربعة كتب شعرية وأدبية وتاريخية بينها رائعته "في معبد الروح”.

الإذاعة العربية 2000 إف إم تستقبل اليوم من ترك بصمته الأدبية والاعلامية في أرجائها.

نرحب بمدير تحرير جريدة "المستقبل" الاسترالية وصاحب موقع "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الدكتور جميل الدويهي."

جميل: أهلاً وسهلاً ومرحباً بك، شكراً على هذه المقدمة الجميلة، شكراً دكتور علاء العوادي والأستاذة جمانة، أشكر هذه الإذاعة وأتمنى لها دوام التوفيق، وإن شاء الله تبقون في هذا النجاخ دائماً. وهذه الإذاعة تشعرنا بالحنين والشجن لأنّنا نحن من المؤسّسين الوائل لها مع الراحل الكبير الأستاذ نبيل طنوس. إن شاء الله تكون نفسه في السماء ونتذكره دائماً بالخير. أستاذ بدرو أنا ممتنّ لك على هذه المبادرة اللطيفة، وأهنئك بإطلالاتك الإعلامية المميزة، وأهنئ الجالية بالأعياد المباركة، وأتمنى أن تعود على الجميع بالخير والسعادة دائماً.

بادرو: أرحب أيضاً بالسيدة مريم الدويهي. وراء كل رجل عظيم امرأة. وهي مثقفة وأديبة. وأعيّد عائلتكم الصغيرة والكبيرة من أبناء الجالية.

جميل: نحن العظمة ليست لنا. نحن أناس التواضع والمحبّة والفكر. وكلّ شيء نفعله هو من فضل الله تعالى الذي أعطانا. في كل إبداعاتنا نحن منتحلو صفة، لأنّ الصفات الجميلة والعظمة هي ملك لله تعالى.

بادرو:أريد أن أدخل معك إلى معبدك الخاص "في معبد الروح"، في فترة الأعياد بالذات، وقد تعمّقت في قراءة هذا المعبد، وكم نحن في حاجة في هذا العصر إلى أن نأخذ العبَر من الكتاب. 37 محطّة تقمّصتَ فيها دور الكاهن. بشّرت بالخير في هذه الظروف الصعبة التي نمرّ بها. 37 محطّة أعتبرُها دستوراً لو سار الجميع بحسب دعوته نصل إلى الكمال.

جميل: يا ليتنا نستلهم من الكتاب وممّا جاء به المفكرون والكتاب العظام الذين مروا في العالم. من أول التاريخ دعا الفلاسفة والمفكرون إلى الخير والمحبة والسلام، لكن للأسف العالم اليوم يتخبط في دمار ومشكلات كبرى. وقد حاولت أن أضع من خلال الكتاب حجراً صغيرً في بناء المجتمع، فليتنا نقرأ ونصغي إلى ما ورد في الكتاب, فلو طبّقنا فعلاً الأفكار الواردة فيه لكنّا ابتعدنا عن كثير من المشكلات.

بادرو:37 محطة في 100 صفحة. إذا بدأت بقراءة الصفحة الأولى لا تستطيع أن تتوقف عن القراءة حتى آخر الكتاب. وكلّما قرأتَ نفذتَ أكثر إلى الأعماق والأبعاد. سؤالي: بعد هذه الموسوعة الأدبية الرئعة أليست عندك مسؤولية كبيرة في نشر كتاب آخر؟

جميل: طبعاً. كنت أقول دائماً إنّ "في معبد الروح" يخيفني، لأنني أعتبره من أهمّ أعمالي، وقد سميته على موقعي للأدب الراقي "أفكار اغترابية": "رائعة جميل الدويهي"، وهناك من يقولون: لماذا يسمّي كتابه رائعة؟ لي الحقّ في أن أقول إنه رائعة لأنّه أهمّ عمل عندي. هو رائعة أعمالي، ولم أقصد بكلمة "رائعة" أنه أفضل من كتب الآخرين.

بادرو: أنت تتعرّض لكثير من الحملات الإعلامية. الشجرة المثمرة تتعرض دائماً للرشق بالحجارة.

جميل: للأسف، للأسف، للأسف، للأسف... هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه كل يوم، ونتعذّب من أجله. بدلاً من أن يبارك بعض الناس الأعمال الجيّدة، ويقدّرون الكاتب الذي سهر وتعب وأبدع، تظهر بين الفينة والأخرى فقاقيع صابون في المجتمع. أحد الأشخاص يروّج أنّ "في معبد الروح" فيه اقتباس. "أضحك من هَيك ما بقا يصير". الكتاب كتبته بطريقة الاسترسال الشعري، ولم يكن لديّ مصادر ومراجع. وليست هناك جملة يمكن أن يقول أحد إنني أخذتها عن أحد، إلاّ إذا كانت في معرض الردّ على الفلاسفة والمفكرين. مثلاً إذا كنت أرد على جبران أو غوته أو نيتشه، فمن الطبيعي أن أذكر ماذا قالوا لكي أمهّد لما أريد أن أقوله. وهذا ليس اقتباساً. وفي كتابي ناقشت العديد من الفلاسفة والمفكرين. وأحب هنا أن أوضح قضية مهمّة جداً وهي أن جبران خليل جبران اقتبس. وفي كتابه "النبي" كثير من الاقتباسات عن كتاب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه "هكذا تكلّم زرادشت"، وعندي بحث أكاديمي منشور على موقعي للأدب المهجري الراقي "أفكار اغترابية" عن اقتباسات جبران الفكرية. كما أحبّ أن أذكر لك معلومة قد تكون تُنشر لأول مرة، وهي أن جبران خليل جبران كتب أقصوصة عن مدينة فيها بئر، وتأتي ساحرة في الليل فتلقي قطرات من سائل غريب في تلك البئر، وعندما يشرب أهل المدينة من البئر يصبحون مجانين، أما الملك والوزير فلم يشربا من البئر فظلاّ عاقلين، فتظاهر الناس معتبرين أن الملك ووزيره مجنونان، فاضطر الاثنان أن يشربا من البئر، فرضي الناس وقالوا: عاد ملكنا ووزيره إلى الصواب. هذه القصة مأخوذة عن أسطورة قديمة قد تكون من التيبت على الأرجح، وقد كتبها أيضاً توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة "نهر الجنون" كما كتبها الأديب العالمي باولو كويلو في روايته "فيرونيكا تقرّر أن تموت"... ثمّ نحن نتذكر المذهب الكلاسيكي حيث كان الاقتباس من أسس المذهب وكانت الأكاديمية الفرنسية تراقب أعمال الكتّاب، وتفرض عليهم أن يأخذوا نصوصاً من الميثولوجيا اليونانية أو الرومانية أو الفينيبية ويعيدوا صياغتها، وقد خالف بيار كورناي بعض الأسس الكلاسيكية وأدخل على مسرحيته "السيد" إبداعات جديدة، فتعرض لانتقادات شديدة. وصلاح لبكي اقتبس في كتابه "من أعماق الجبل" أقصوصة كاملة من غير أن يغيّر حرفاً واحداً فيها، عن راباندرانات طاغور، هي قصة "طليق وسجين"، نقلها لبكي بالترجمة إلى العربية... فلماذا يا أهل الخير تتضايقون من "اقتباسي" وأنا لم أقتبس أصلاً. (الغريب أنّ بعض الناس يصوّبون على الكتاب وهم لم يقرأوه، ولم يعرفوا ماذا في داخله).

جمانة: الكتاب "في معبد الروح" جميل فعلاً.

جميل: ثم يأتيك واحد ويقول: أنت مخطئ. حسناً، ناقشني في هذا الخطأ. 30 أو 40 أستاذ جامعة قرأوا كتاب "في معبد الروح" وهو منشور على موقع الأدب المهجري الراقي "أفكار اغترابية"، لم يقل أحد لي أنت مخطئ في أي مكان، لأنّ ما أطرحه هو أفكار وآراء أؤمن بها.

جمانة: طبيعي أن يكون هناك واحد أو اثنان ينتقدان، وتكون أنت واثقاً مئة في المئة من أنّ ما كتبته صحيح.

جميل: طبعاً، ذا قال أحدهم أنت مخطئ في القواعد واللغة أو قلت إن الشمس تشرق من الغرب أو جعلت الصحراء العربية في المحيط المتجمد الجنوبي، فأنا لا أعتب، بل أعتذر، ولكن لا يستطيع أحد أن يعترض على كلام مثل هذا يُقال لأول مرة في التاريخ: "قد تظنون أن الفصول أربعة ولكنها في الحقيقة فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة". هذا رأيي.

بادرو: المشكلة الكبيرة التي نعاني منها هي أنّ الإنسان الناجح يُحارب دائماً. أريد أن أخوض معك في موضوع حسّاس جداً. الوصية عن السلام التي أوصيت بها في العظة الخيرة. نحن على أبواب سنة جديدة، ونأمل أن يعمّ السلام وطننا الذي تهجرنا منه، فالسلام له شأن كبير عندنا.

جميل: بالطبع. لقد بدأت الكتاب بالسلام وأنهيته بالسلام، وهنا أريد أن أشير إلى أن 10 آلاف مفكر قبلي تحدثوا عن السلام، فهل ممنوع أن أتحدث أنا عنه؟ وإذا كان 10 آلاف فيلسوف تحدثوا عن المحبّة والخير والأخلاق ، فهل يحظر عليّ الخوض في هذه المواضيع بلغتي الخاصة ومقاربتي الشخصية؟ وهل علينا أن نضع المواضيع في ثلاجة ونقفل عليها ونمنع الناس من أن يخوضوا فيها؟

جمانة: بالطبع لا. كل إنسان له رأيه ورؤيته الخاصة.

جميل: أنا لا أوافق كثيرين من المفكرين على آرائهم، ومن بينهم جبران خليل جبران في مواضيع التقمص 7 مرات، والحلولية، والخير والشرّ، ولكني أحترم آراءه، فهو عنده وجهة نظر وأنا لديّ وجهة نظر. ثمّ هناك في كتابي مواضيع كثيرة جديدة يمكن التركيز عليها بدلاً من اختراع سلبيات، فعن الزمن أقول: "لا تنتظروا من الزمن أن يسير معكم إلى الأمام، بل الأجدى أن تسيروا معه راضين، ولا تنظروا وراءكم، لأنكم منذ الولادة تسيرون إلى الوراء"، وعندما يأتي إليّ الناس ويشتكون من غضب البحر والعناصر أقول لهم: أحبّوا الزهرة وأحبوا الأشواك... أمّا عن مناقضة العِلم فإنّ الناس جميعاً يعتقدون أنّ الكون ناشئ من تراب وهواء ونار وماء، وفي كتابي أقول: "ما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟". في رأيي قد تكون في الكون موادّ لا نعرفها، فنحن نعرف ماذا يوجد على الأرض وفي الكواكب التي اكتشفناها، ولا نعرف ماذا يوجد في الفضاء الخارجي وماذا وراء الكون ووراء الأبعاد. وفي كتابي قسّمت الخير إلى 3 مراتب، في تجديد لرؤية الخير: "إذا أطعمتُم من طعامكم إنساناً جائعاً تكونون خيّرين في عيون الله، أمّا إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا فتكونون أفضل من الخيّرين، وإذا كنتم جائعين وطرق على بابكم جائع فأطعمتموه ولم تأكلوا أنتم، فإنّكم إذّاك أفضل من أفضل الخيّرين".

بادرو: هل تقرأ لنا وصيّتك عن السلام؟

جميل: "فاصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كل حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كل بيت شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام، وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم، فاخرجوا إليه حفاةً عُراة، واطردوه من بينكم، وإذا رفض الرحيل، فاطرحوه أرضاً وعفّروا وجهه بالتراب، واقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت، ولن تكون لي في ما تبقى من حياة غبطة أكبر من غبطتي بإله السلام الذي يعيش معكم ولن يخرج من بينكم بعد الآن".

بادرو:هاجرتَ كثيراً، لكنّ الوطن يبقى معك وفي كتاباتك، ولم تغب عنه ولا لحظة. أنت تتقمّص الكاهن القروي، وتخيّلتك في زغرتا أو إهدن، وكنت تقدّم هذه العظات من هناك.

جميل: طبعاً الهجرة صارت جزءاً من حياتنا، وأنا أكتب عن الهجرة، ولكن بأفكار أعمق من معنى الرحيل والانتقال من مكان إلى آخر. قلتُ في عظة الهجرة ما معناه أنّكم إذا ذهبتم إلى بلد فاحترموا أهله وقوانينه ونظامه، ولا تنشئوا أنظمة خاصة بكم، وإذا مررتم بالقرب من مقبرة فصلّوا على الأموات وإن كنتم لا تعرفونهم، ولا تسألوا: مَن هم؟ وما هي دياناتهم؟... إذن تحدثت عن الهجرة في معنى أعمق من معناها العادي.

بادرو:تحدثت كثيراً عن المسامحة، ونحن في عصر نحتاج فيه إلى هذه القيمة.

جميل: المسامحة قيمة مهمّة. سمّيتها قنديل المعرفة.

بادرو: لنتحدّث قليلاً في الماورائيات. هل غاص الدكتور جميل الدويهي في الماورائيات كما غاص فيها جبران خليل جبران، واكتشف جزءاً يسيراً من خفايا الكون؟ وماذا وراء الرحيل؟ وهل يحقّ لنا أن نبحث في الماورائيات؟

جميل: بالتأكيد يحقّ لنا، ولا شيء يمنعنا عن ذلك. لكن لكلّ إنسان أسلوبه, الفكر مفتوح والله أعطانا الحرية لكي نفكر ولا ننغلق. بالعكس، إذا انغلف الإنسان ولم يفكّر يضيع ويتوه. وإذا فكّر بطريقة عقلانية يهتدي. أعطيك مثلاً: إذا قلت لي إن عقلي لا يحتمل وجود الله، أستغرب منك، لأنّ العقل لا يحتمل فكرة عدم وجود الله. لا يمكن في نظري أن يكون هناك شيء غير مولود. فولتير نظر إلى الساعة المعلّقة في صدره وقال: "لا أعتقد أنّ هذه الساعة قد وُجد ت من غير صانع صنعها"، فكيف لهذا الكون الغريب والعجيب والمركّب والمعقّد أكثر من الساعة ببلايين المرّات أن يكون قد صُنع من غير صانع؟ هذه طريقتي واعتقادي، وقد يأتي إليّ إنسان ملحد ويقول لي: أنت مخطئ، فأصحّح له وأقول: لك رأيك ولي رأيي.

بادرو: بعد الغوص في الماورائيات، إلى ماذا توصّلت؟

جميل: توصّلت إلى أنّ الله موجود. كتبت في كتابي "في معبد الروح" أنّك تجده في كلّ ما حولك. أنظر إلى نفسك، إلى ما يحيط بك. إلى فكرك وروحك، إلى السماء والكواكب، إلى الوردة والبحر... وكلّ ما تراه أمامك.

بادرو: هل تؤمن بالتقمّص مثل جبران خليل جبران؟

جميل: جبران آمن بالتقمص 7 مرات. هو حدّد العدد. وفي أوّل نص من كتاب "المجنون" بعنوان "كيف صرت مجنوناً"، يأتي السارق (ملاك الموت) ويأخذ عن الحائط الأقنعة السبعة التي تقنّع بها جبران في حيواته السبع، فيركض في الشوارع صائحاً: اللصوص الملاعين سرقوا أقنعتي. فيهرب الناس منه في كلّ اتجاه. وكان هناك فتى على سطح منزله يقول: أنظروا أيها الناس، هذا (جبران) مجنون، فنظر جبرن إلى الفتى ورأى الشمس، فلم يعد في حاجة إلى أقنعته. الشمس هي رمز الإله، وجبران رأى الإله فلم يعد يحتاج إلى الأقنعة. هذه هي الحلوليّة التي لا أؤمن بها أيضاً. أرفض أن يكون الإنسان هو الله والله هو الإنسان. فلو عاش الإنسان 10 ملايين مرة لا يستطيع أن يكون هو الله، فالخطيئة تبقى في الإنسان والله لا يخطأ.

بادرو: هل تشعر بأنّك تتعب في إيصال أفكارك؟ وهل الجميع يفهمونك؟

جميل: هناك الكثيرون فهموا "في معبد الروح”. وهناك أناس قالوا إنني فيلسوف وأنا لست فيلسوفاً، ولكنهم فعلوا هذا من حبتهم وعاطفتهم، الكتاب فيه فلسفة، وفيه أفكار فلسفية، وأناقش فيه بعض الفلاسفة، وأتفلسف أيضاً، ولكن لا أسمّي نفسي فيلسوفاً. الدكتور ناجي نصر وضع كتاباً بعنوان "سعيد عقل فيلسوفاً"، وجبران سمّي بالفيلسوف، وأمين الريحلاني كان يُلقب بفيلسوف الفريكة، ولكنّ هؤلاء مفكرون.

بادرو: أبرأيك ليس هناك فلاسفة؟

جميل: الحكم على الفلسفة يأتي فيما بعد. نحن لا نحكم على أنفسنا. لكن اسمح لي أن أقول إنه لأمر معيب أن يغضب البعض إذا سمعوا أحدهم يطلق عليّ لقب فيلسوف. أو كما سمّتني الأستاذة ليندا اللقيس غصن "نابغة العصر"، وأن تقوم القيامة من جراء ذلك. يعني إذا قال لي أحدهم: صباح الخير، أو كيف حالك؟ أو أنت شاب وسيم، أو أنت فعلت شيئاً جيداً، أو إذا حصلت على كأس فضية، أو فزت في الرياضة... فماذا يغيظ بعض الناس؟ ولماذا يتدخلون في موضوع فتنة؟ ولماذا يتصلون هاتفياً بأصحاب الرأي ليمنعوهم، ويسألونهم: لماذا قلتكم ذلك "يللي ما بْتعرفو وما بتفهمو الفلسفة؟"... يا أخي المتصل أنتَ من أساء إليك؟ ومن تعاطى في شؤونك؟!

بادرو: هذه هي الغيرة.

جمانة: طبعاً هذه الغيرة بعينها.

جميل: اسمحوا لي فقط أن أستغرب.

بادرو: هناك كثيرون من الناس عندما علموا بأننا سنستضيفك في هذه الحلقة المميزة، أظهروا أنهم يحبونك في لبنان وأستراليا، ووقفوا معك في وجه تلك الحملة التي تعرّضت لها مؤخراً، وهم شبهوا "في معبد الروح" بكتب عظيمة مثل كتاب "النبي"، وكتب أخرى هي دساتير للعالم. أنا أعتبر "في معبد الروح" كتاباً كبيراً ومميزاً شاء من شاء وأبى من أبى.

جميل: لقد برهنَ الناس عن محبتهم لي وبرهنتُ أنّني لا أيأس في أمسيتي، مهرجان الأدب المهجري الراقي. كانت الأمسية حاشدة بشكل كبير وجديد.

بادرو: كنّا موجودين نحن فيها.

جميل: الشهود موجودون ولا أحد يوقف الإبداع. ألقيت في المهرجان 5 أنواع من الشعر من أصل سبعة أنواع أكتبها، وكنت أشرح للجمهور طريقة كل نوع. وكان البرنامج الفني والأدبي مميّزاً إلى أبعد الحدود. ويهمني أن أذكر هنا إ أن الكثيرين كتبوا عن "في معبد الروح" وسيصدر كتاب بعنوان "كتبوا عن في معبد الروح" وستكون هذه المقابلة جزءاً من الكتاب. وقبل أن أنسى اسمحوا لي أن أشكر جميع الناس وجميع المحبين. هؤلاء نحيا بهم ومعهم. لو كنت أديباً أو مسرحياً أو مغنياً وليس عندي جمهور فلا أعني شيئاً. الناس هم الذين يخلقون الأديب والمفكر والفنان خلقاً ثانياً، وإلا فسنضطر إلى أن نجلس في الغرفة ونقفل الباب علينا ونتحدث إلى أنفسنا. أما الذين يثيرون فقاقيع الصابون، فهؤلاء ينضحون بما فيهم، وسيذكرهم التاريخ ذات يوم.

د. علاء: طبعاً هي ضريبة النجاج دكتور. هذه قضية معروفة.

جميل: صدقني، لن أترك شاردة وواردة إلا وسأسجّلها ليكون الناس على علم. فالعدل يجب أن يسود، وإذا لم نسعَ نحن لإحلال العدل فالباطل سينتصر، ولن ندع الباطل ينتصر علينا.

بادرو: حققت ظاهرة أدبية وفكرية في "سيدة لبنان" عندما وقعت 4 كتب وأهديتها مجاناً إلى الناس. كان هناك عرس أدبي وشعري. وكانت الصالة مليئة بشكل كامل. ونحن شهود أنا والدكتور علاء العوادي.

جميل: أشكر حضوركم وكنتم نوراً على نور. وإن شاء الله في الأمسية المقبلة سنأخذ معنا كل هذه الإذاعة إلى الحفل... كانت أمسية مميزة جداً وكان قلبي مليئاً بالفرح. وأحب أن أوجه تحية أيضاً إلى جميع من ساعدوني أو عرضوا علي المساعدة، وبالأخص الأستاذ جوزيف خوري رئيس تحرير جريدة "المستقبل" الذي كان راعياً للحفل ووضع كل إمكاناته لإنجاح المهرجان. وأشكر جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية الذين وضعوا إمكاناتهم بتصرفي وجميع الأحزاب والروابط والجمعيات والمطربين: السيدة أنطوانيت الدويهي، الأستاذ طوني يونس، الأستاذ جان خليل، الأستاذ ألكس حدشيتي والمتكلمين جميعاً ومقدّمة الحفل الأستاذة كلود ناصيف حرب.

د. علاء: وراء كل رجل عظيم امرأة. فالسيدة مريم الدويهي لها دور كبير في مسيرة زوجها الأدبية.

مريم: نحن نشكركم كثيراً على هذه الشهادة الجميلة. وجودكم دائماً معنا وإعلامكم هو الذي يكمل مسيرة الشاعر ونجاحه. إن شاء الله تبقون على نجاحكم وتألقكم، وفي الأيام المقبلة سنقوم بنشاطات أخرى ويكون لكم وجود فيها تعتز به.

د. علاء: نحن على قناعة سيّدتي بأنّ لك دوراً كبيراً.

مريم: نحن ما فعلنا أكثر من قدرتنا. ونحاول أن نضيء شمعة في هذا المغترب. وكلّ خطوة للنجاح أو أمر إيجابي يكون الله راضياً عنه، ويضع البركة فيه.

بادرو: حضرتك شمعة أيضاً في الجالية لأنّك أعطيت الإلهام للدكتور جميل لكي يكتب هذه الموسوعة. بالطبع عندما كان يكتبها كان يطلعك على 37 محطّة. أيّ محطّة استوقفتك أكثر؟

مريم: بصراحة، كل موضوع يعالجه في الكتاب له وقعه واهميته وطعمه. لا أستطيع أن أفضل عظة عن الأخرى. أحب هنا أن أقول إن جميل عنده الاجتهاد دائماً وهو لا يكلّ ولا يملّ عن العطاء. ليس عنده وقت للراحة، ودائماً لديه شيء ليفعله. يخلق شيئاً من اللاشيء، ولا يحبّ أن يضيّع دقيقة هباء في حياته. وفي النهاية الله هو الملهم ونحن أداة نكمل هذه الرسالة.

علاء: لكن هذا شيء يتعبك. أليس كذلك؟

مريم: هذا شيء يتعب بالطبع، ولكن بالنتيجة هو عطاء لأجيال وأجيال وينفع البشرية، ولو كان على حساب صحّة جميل ونفسه. هو يتعب بفرح.

جميل: شكراً لكِ مريم وأنا أعتزّ بك.

مريم: هذه الإذاعة تعزّ علينا كثيراً، وكان جميل يعدّ ويقدم فيها العديد من البرامج، وكان نصيبي منها برنامج "دنيا العلوم" الذي كنت أقرأه من وراء هذا الميكروفون.

جميل: اسمحوا لي أن أوجّه تحية إلى السيدة زوجتي على نضالها معي في الحياة وتعاوننا دائماً، وعلى النور الذي وضعته في حياتي، ومهما حاولت أن أعبّر عن أهمية هذا النور فلا أستطيع أن أفيها حقّها عليّ. وأوجه تحية لابنتيّ ربى وليال على مساعدتهما، وإلى كلّ المحبّين في الجالية وخارج الجالية. ولديّ بشرى مهمة وهي أن موقع الأدب المهجريّ الراقي "أفكار اغترابية" تخطّى 18 مليون موقع حول العالم ليكون في السبعة أو الثمانية ملايين الأولى، وهذا الإنجاز أمر مهمّ لي. وأوجّه دعوة لكلّ أديب، شاعر أو مفكّر يريد أن ينشر أعماله لتكون في متناول أكبر عدد من القراء حول العالم . والبشرى الثانية هي أن 4 كتب ستصدر لي في أواخر عام 2016، من بينها "في معبد الروح 2"، و"في معبد الروح" بالإنكليزية، وسأرسل قريباً جداً إلى المطبعة كتاب "حاولت أن أتبع التهر... النهر لا يذهب إلى مكان" وهو كتاب شعري – نثري في أسلوب حداثيّ أنشر منه للمرة الأولى. وهكذا في كل عام سأقدم -إن شاء الله- كمية من الكتب على مستوى عال من النوعية.

علاء: نريد أن تعدنا دكتور جميل بلقاء آخر مطوّل وشرف لنا أن تحضر إلى إذاعتنا.

جميل: شكراً لكم. وإن شاء الله ستكون لنا لقاءات أخرى.

#كتاب