Search
  • Jamil Doaihi

إقرأ لجميل الدويهي: لا يثبت في الميدان إلا الفارس


لا يثبت في الميدان إلا الفارس على فرس أصيلة

بقلم د. جميل الدويهي

عندما قدّمتُ كتابي "وقلت أحبّك" لأحد الشعراء الكبار، قال لي كلاماً لا أحبُّ أن أذكره، في مجال المقارنة بين شاعر وآخر، وحدّثني عن أهمّيّة القصيدة التي تصنع شاعراً، ولكن ليس كلّ شاعر يصنع قصيدة.

وليس صحيحاً تعريف قدامة بن جعفر للشعر، كما ليس صحيحاً أنّ كل من نظم 7 أبيات هو شاعر، ولو كانت 7 أبيات تكفي لكنّا اكتفينا وما أعطينا المزيد. الشعر هو رحلة طويلة ومعذّبة، ومن الصعب جداً أن يصير المرء شاعراً.

إنّ كلّ يوم يمرّ علينا هو فرصة لتطويرنا ونتويرنا، والذي يقبع في زاوية الجمود ولا يريد أن يتطوّر، فنجمه إلى أفول، ولو ادّعى أنّه امرؤ القيس وفي رأسه عبقرية المتنبّي.

كثيرون يريدون أن يكونوا شعراء، باعتبار أن هوميروس شاعر، ودانته شاعر، وأحمد شوقي وسعيد عقل ونزار قباني شعراء... فلمَ لا نكون مثل هؤلاء ويتحدّث الناس عنّا؟ ما أجمل هذا الطموح والسعي والمحاولة، فمن العيب أن نقف حجر عثرة أمام إنسان ونحبطه، ونسخر من محاولته الأولى. ومن العيب أيضاً أن نعطي الفرصة لإنسان مدّة كاملة من العمر فلا يأتينا بشيء يُُحكى عنه.

لقد تعمّد الشعراء الكبار إزعاجنا، وحاولوا أن يصعّبوا الأمور علينا، وأصيب كثيرون منّا بعُقد نفسية، فوضعنا أمام أعيننا كبريات الأعمال، وسألنا أنفسنا ونحن ننظر إلى القصيدة المضيئة: كيف نفعل مثل هذه وكيف نضيء؟ وكيف سنقنع البشر بأنّ قصيدة كتبناها أجمل من "اليتيمة"، وأحلى من "تعلّق قلبي طفلة عربية" وأنقى من أشعار الأخطل الصغير، وإيليا أبي ماضي، ومحمود درويش؟

من الطبيعي أن يعمل الإنسان على نفسه، وأن يسابق في الحياة ويُزاحم ليبقى في معركة الوجود، ولا تنفع كلّ الطقوس الشكليّة لترفيع الفاشل من صفّه، لو اجتمعت كل الأمم وساعدته ودفعت به إلى أعلى بالمناكب والرؤوس، لأنّ الكلمة الفصل ليست لهؤلاء التابعين والصحب، بل هي للتاريخ. والتاريخ لا يكذب.

ولإثبات كلامي، فإنني أسأل: كم من الكتب موجودة في المكتبات؟ عشرات الملايين؟ ربّما مئات الملايين والبلايين أيضاً، وكتب قليلة تصيح بأنّ في داخلها شاعراً، وقصائد قليلة تتحدث عن الشاعر الشاعر.

إن الذي لا يفهم هذه الحقيقة ولا يسمعها ويرفض أن يصدّقها هو العنيد الذي يضع رأسه في جبل من صخر، والصخر لا ينزاح، أما المتواضع، فهو الذي يرضخ للحقائق الماثلة أمامه، فليس من مرض لا يحتاج إلى دواء، وليس من قصُور في الجسم يتكبّر على العلاج، والحقيقة هي أن هناك شعراء للخلود وشعراء يموتون بموتهم.

يجهد البعض من الناس للُّجوء إلى أساليب ملتوية لترويج أنفسهم، ويطلقون الأكاذيب، ويروون الأساطير عن أعجازهم، ويتخذون الأصحاب والحاشية وجمهوراً من الطبالين والزمارين يسيرون وراءهم، وكأنّ الأديب مثل السياسي، ينجح بمقدار ما يستقطب من الناس، ويفوز بمن يصوّتون له. للأسف، الشعر يختلف عن السياسة، فإيليا أبو ماضي عاش في أميركا حيث لا توجد جالية كبيرة، ولم يعد إلى لبنان سوى مرة واحدة أمضى فيها بضعة أيام قبل أن يعود إلى نيويورك، فلا أتباع ولا مؤيّدين ولا مناصرين حملوه على الأكتاف، وأثبت أنّه شاعر شاعر. وجبران خليل جبران لم يُذكر أنّه تكرّم بوسام أو صَينيّة، ولكنّه والخلود واحد. وهناك شعراء يأنفون من الصداقات والعلاقات العامّة لأنّ نفوسهم كبيرة، ويرفضون استغلال الآخرين وقولبتهم وتسييرهم على هواهم، ويخجلون من استجداء المناصب والألقاب، فالصداقة ليست عملية بيع وشراء ولا هي وسيلة لجني الأرباح. التكريم للشاعر يكون من خلال القصيدة التي يكتبها والقصّة التي يبتكرها، والفكر الذي يحمله، والكتاب الذي ينشره.

ويستميت البعض لكي يحصلوا على لقب شاعر أو أديب، وبعضهم لا يعرف الفرق بين الفاعل والمفعول به، ولا يعرف أين يضع الفتحة على آخر الكلمة وأين يضع الضمّة، وعندما تقرأ لهؤلاء تصاب بالمرض، وهم يدركون أنّهم ضعفاء، ويقرأون لغيرهم من الشعراء الكبار، ويلمسون الفرق بين شاعر وشويعر وبين أديب ومعتدٍ على الأدب، ولكنّهم لعنادهم ورغبتهم القاتلة في التفوّق الاجتماعي والفكري، لا يقرّون بالهزيمة، بل يمضون في طريقهم بوقاحة غريبة، وكان الأجدى بهم وهم في حضرة الأدباء والمفكّرين أن يطأطئوا رؤوسهم خجلاً، ويختبئوا من فضيحة مجلجِلة، ويشجّعهم في ذلك أدباء ضعيفون يساعدونهم ويشدّون أزرهم ويحرّضونهم على "الإبداع"، طمعاً في مقالة يكتبونها عنهم أو كتاب يحبّرونه في مديح الظلّ العالي. وقد وصلنا إلى زمان لا نقابل فيه شخصاً إلا ونسأله متى سيصدر كتاباً، سواء كان يعرف الكتابة أم لا يعرفها، وكلّ ظنّه أنه أهمّ من غوته وأعظم من شكسبير.

ولست أدري كيف لا يتهيّب المرء وهو يستعرض أمامه كتب العظماء والعباقرة، كما لست أدري كيف يقوم بعض الطارئين على الأدب ممّن يفتقرون إلى الثقافة بإطلاق الألقاب وتوزيع الأوسمة، وادّعاء الفهم بغطرسة وتشاوف، كأنْ يضعوا كاتباً لم يطبع كتاباً ذا قيمة في وزن صاحب الأجنحة المتكسّرة، والأرواح المتمرّدة، والنبي، وحديقة النبي، والسابق، والتائه، ويسوع ابن الإنسان، وعرائس المروج، والعواصف... جميع هذه الكتب لم يقرأها هذا الناقد العبقري، ولو قرأها لكان تردّد ألف مرّة قبل أن يجرؤ على إطلاق الأحكام العشوائية التي تعبّر عن مرضه وجهله وسوء أخلاقه.

شخصيّاً، لا أعترف بشاعر أو أديب لا يسكرُني، لا يسحرني، لا يطيّرني ولا يصيّرني إنساناً آخر. ولا يحفّزني على كتابة الأدب الجميل، ولكي أسكر وأعيش في السحر هاتوا لي رباعيات الخيام، والأطلال، ورسالة من تحت الماء، ولا تكذبي، ومقادير من جفنيكِ، ولا تسألوني ما اسمه حبيبي... وهاتوا لي مرداد ميخائيل نعيمة وفاوست غوته وأعمال راسين وموليير وطاغور... ولكي أحلّق بجناحي طائر، أسمعوني قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبي ماضي، فأعيش بين الحلم واليقظة واللمحة الفلسفية، ولا تسمعوني صرير الجنادب وقصائد الخرف التي جاء بها بعض الناس ليفرضوها على أذواقنا، وبينها وبين الأدب ما بين إبليس والجنّة.

كنّا ونحن صغار نقف في ملعب المدرسة ليلقي علينا شاعر زائر "كومة" من قصائد، وكنا نفرح بهذا الشاعر لأنه يأخذ من وقت الدروس، وكانت زياراته إلى المدرسة متقاربة، فكأنّ حضوره أجمل عيد. ولكن الحقيقة أن التلاميذ كانوا يتضاحكون من نوعية شعره، حيث لا فكر ولا عمق ولا أبعاد، بل تكرار مملّ لفكرة الوطن الذي هو أجمل البلدان والأرز الأخضر الذي ينطح الغيوم... وعندما كبرتُ، عرفت قيمة الرجل ومحاولته لإثبات نفسه، وأكبرتُ ما عنده من صدق المحاولة، لكنني لا أقول إنه كان شاعراً. وكم عدنا مثل هذا الرجل ممّن يحاولون ويحاولون، لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه.

العرب يقولون إنّ السيف تعطى لباريها، فلا يثبت في الميدان إلا من كان فارساً على فرس أصيلة، ولا يسقط إلا من ادّعى الفروسية، حتى إذا جاءت ساعة النزال وقع عن حماره القميء، ووقع السيف من يده. وإنّ الذين "يهيّصون" وراء مدّعي الفروسية لن يستطيعوا اللحاق بالحمار الذي فرّ إلى غير رجعة.

#كتاب

6 views