Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: أين الخوري من الثريّا؟


لفتني في موضوع التعليق من قبل أحد الشعراء على أمسية "خارج السرب" للأستاذ جورج الهاشم أنه أبدى إعجاباً بالمحاضرَين الدكتور رغيد النحاس، والدكتور بول طبر، واستثنى المحاضر الثالث الدكتور جميل الدويهي من حلقة إعجابه.

وتوضيحاً لما بدَر من الخوري، اسمح لنفسي أن أقول: لا يعنيني أصلاً رأيه في ما قلته، مستشهداً دائماً بقول مأثور للمتنبي. وكم يغبطني أنه حذفني ولم يعلق عليّ، فشهادته لا تنقص ولا تزيد، ولا أحد أوكل إليه مهمّة التفضيل والمقارنة.

ولكنني أود أن أوضح لمَن لم يكونوا في المناسبة، أنّ مطالعتي تناولت أصغر جزء في الكتاب، بطلب من صاحب الدعوة، وهو "النقد في جاليتنا"، وفي هذا الفصل بضع صفحات وفكرتان فقط، هما : التطبيل والتزمير في النقد، وتقديم الجوائز. وقد حاولت جهدي بما توافر لي من أسطر قليلة في الفصل أن أعلق على الفكرتين، ولعلّ الزميلين المحاضرين كانت لهما الحرية أكثر في التعليق على مجمل الكتاب.

وإذا كان الخوري قادراً على قراءة مقالاتي النقدية من غير أن ينزعج، فهي منشورة بالعشرات في المجلات المتخصصة، والكتب الأكاديمية المرموقة، والمواقع الإلكترونية (منها مقالات عن: كلمة الله، مريم العذراء، البطريرك صفير، أمين الريحاني، سعيد عقل، غوته، فؤاد سليمان، المتنبّي، جبران خليل جبران، طه حسين، امرؤ القيس، القصيدة اليتيمة، تدريس اللغة العربية في أستراليا، تسرُّب الإنكليزية إلى العامية في لبنان... إلخ) وهذه المقالات جميعاً تثبت طريقتي العلمية الأكاديمية المتأنية. وبعضُها محكّمة أي خضعت للجان تحكيم من كبار الأساتذة قبل نشرها، وبعضها الآخر ألقيتها في مؤتمرات علمية جامعية، حيث لا وصول للخوري إلا إذا سُمح له بالدخول كضيف.

ولكن ما استرعاني أكثر ردّ الخوري على حديث صاحب المناسبة عن أناس لم يأخذوا حقهم، وصاحب المناسبة كان يقول ذلك عنّي تحديداً، وردّ الخوري في غير مكانه ويتنافى وأصول الحشمة والذوق، فمن تقاليدنا المسيحية والإنسانية أن لا نشمت في من هُضمت حقوقهم، وكان صاحب المناسبة يُشير إلى وضعي الإجتماعي والعملي، بحيث أنني لم أتمكن من العمل في الجامعات أو في مؤسسات أخرى. كما أنه يتدخّل في حديث لا يعنيه مطلقاً. وقد أخذ الخوري حديث الهاشم الراقي على محمل آخر، لكي يصوّب عليّ، كعادته منذ وطئت قدماي هذه البلاد. وأنا أعرف طريقته في التخفّي والتلطيش وكان لي منها في السابق تجارب. فها هو يتحدث عن لغة خشبية وجاهلية، هي غير موجودة عندي ، بل اللغة الخشبية والجاهلية والتي لا تحاكي العصر هو من أطلقها في أستراليا: العرقبانه، الدملجانه، الشمشار، المخل... إلخ... (وذات مرّة كان يمتدح أحد الأشخاص فقال له: "جفتَك عا كِتفَك عم تسلِّق عرقبانِه"... وأنا فوق الشعر أكتب الرواية (طائر الهامة)، وخوري لا يكتبها، وأكتب القصة القصيرة (أهل الظلام، ومن أجل الوردة) وخوري لا يكتبها، وأكتب أدب الأطفال (العجوز والفتى ابراهيم، زهرة الممالك، الأحلام الغالية، صندوق الذهب، ثمن الوفاء، بديع الزمان وطائر الصخور العالية، العازفة شهرزاد، العودة إلى الجذور...) وهو لا يكتبه، وجميع كتبي التي ذكرتها نشرت في بيروت من قبل دار أبعاد الجديد. وأنا أكتب بالانكليزية والخوري لا يكتبها. كما يدرَّس لي كتابان في الجامعة هما: "التذوق الأدبي"، و"الفكر الإنساني والأدب"، وقصصي تدرّس في جميع مدارس لبنان تقريباً، وقلما يوجد تلميذ من سن السادسة حتى السابعة عشرة إلا وقرأ شيئاً من أعمالي. وبعض قصائدي تُعطى في امتحانات الجامعات والمدارس (وعندي صورة عن مسابقة في الأدب الرومنطيقي طُرحت من شعري في جامعة سيدة اللويزة، وأنا في أستراليا). وعندي العديد من الأوراق الأكاديمية المحكّمة التي نشرت في مجلات وكتب متخصّصة، ويستطيع الخوري الذي لا يستطيع أن يصدّق، أن يدخل على غوغل مثلاً على: جميل الدويهي- Women’s Issues in Ameen Rihani’s Literature

أو English Infiltration Into Arabic in Lebanon، أو دور الحكومات والمدارس في تعليم اللغة العربية في أستراليا... والخوري لم يكتب في حياته ورقة أكاديمية، ولا يعرف أصول كتابتها، فمن أين جاء بالعبقرية ليفصل بين ما هو أكاديمي وما هو غير أكاديمي؟

أما القول إن القصيدة الجيدة لا تحتاج إلى بطاقة تعريف، فهذا صحيح لأنني لم أكتفِ بقصيدة واحدة عن العملاق سعيد عقل، ضجّت بها الأوساط الأدبية، وقال عنها أحد كبار الشعراء في لبنان أمام حشد من العارفين والمثقفين والشعراء: "إنها قصيدة النور"، بل ثنّيتُ بقصيدة أخرى في يوم وفاة سعيد عقل، نُشرت بعد حين من غير علمي في كتاب "أجراس الرحيل والياسمين" الذي ضمّ كبريات القصائد والكتابات التي قيلت عن سعيد عقل بعد وفاته. وقد علت الدهشة الوجوه من تمكن شاعر واحد في كتابة قصيدتين في موضوع واحد تقريباً، والأولى لا تشبه الثانية. فأين قصيدة الخوري عن سعيد عقل التي جاءت بحجم قصيدتي الأولى، ومطلعها:

سعيدُ، مهلاً إلى أين المسيرُ بنا؟ وأنتَ بعدُ فتيٌّ مثلما الزَهَرُ...؟

أو بحجم قصيدتي الثانية، ومطلعها:

تداعت عروشُ الفكر، وانهارَ معبَدُ وطارَ جناحٌ في العناوينِ أسودُ؟

وجميل الدويهي الخشبي الجاهلي يرقّم الأنواع التي يكتبها، وهي سبعة أنواع شعر:

-القصيدة العمودية: "أنا المسيحيّ".

-قصيدة التفعيلة: "قلوبنا حطب" التي نشرتها مؤخراً عن الطفل الفلسطيني الذي أحرقه المستوطنون في نابلس، وكتب عنها الشاعر الفلسطيني حاتم جوعيه إنها تذكره بشعر العملاقين محمود درويش وسميح القاسم.

-القصيدة المدوّرة: جدّي القديم (قصّة مكتوبة على السطر وموزونة على متفاعلن- أرجو أن يتمكن الخوري من كتابة مثل هذا النوع ذات يوم)

-القصيدة النثرية (النوع الخامس على موقع أفكار إغترابية)

-القصيدة العامية (موجود منها الكثير على موقع أفكار اغترابية)

-القصيدة المدوّرة العامية - النوع السادس الذي أطلقتُه في أستراليا وربَما في لبنان أيضاً (عندي حنين - على موقع أفكار اغترابية)...

-وقصيدة التفعيلة العاميّة (بحلم ببلادي تتغيّر- هنّي ذاتُن...)

والخوري يكتب فقط نوعاً واحداً، ويقصّر في نوع ثان له فيه تجارب باهتة.

لقد نشرت منذ أول حزيران 2015، في جريدة المستقبل وحدها أكثر 120 قطعة أدبية في ص 23، وكتبت مثل هذا العدد افتتاحيات سياسية، ولو لم يبد الناس إعجابهم بما أكتبه، لكنت توقفت عن الكتابة.

أما عن جودة الشعر فأمسياتي تشهد على شعري والناس يشهدون. ويعرف الخوري أن الآلاف في الجالية يعرفون شعري ويشيدون به، وما رويتُه صحيح عن المرحوم ابراهيم سعد وحفْظه لقصيدتي "العدل"، وعن الأستاذ محمّد العمري الذي لم أكن أعرفه وجهاً لوجه، وقد دخل إلى جريدة "المستقبل"، ليلقي أمامي قصيدتي "لقيتِك غريبه" كاملة، والسيّد أحمد قاسم الذي لم أره في حياتي من قبل، ألقى عليّ قصيدتي الشروقي:

"عالعين يا بو الزلف ما بقيت غنّيلو هللي تركني ومشي وضلّيت ناديلو

ومن بعد وجّي ما كان بيشبه التفّاح لونو الحقيقي انمحى واصفرّ منديلو"...

ألقاها كاملة وبكى من معانيها. ولا أزال كلما التقيت به يلقيها أمامي وتنهمر الدموع من عينيه، مع العلم أنني أنا لم أحفظ القصيدة.

هؤلاء الناس جميعاً لا يفهمون والخوري هو الفهيم. هؤلاء وآلاف الناس الذين كانوا يدْعون الدويهي إلى أعراسهم وحفلات قراهم، كلهم مولعون باللغة الخشبية الجاهلية التي لا تحرّك ساكناً، وهل جميل هو الذي يتحدث عن الدملجانه والعرقبانه والشومار والشمشار والمخل؟ وهي ألفاظ منتشرة بكثرة في شعر الخوري، الذي منذ أربعين سنة لا يعرف سوى القصيدة العامية. وهو يكتب الآن بالمستوى نفسه الذي كان عليه في عمر الشباب. أما الدويهي فيطرق كل جديد، ويطوّر باستمرار، وكلّ يوم يأتي بغير مألوف. وقد نشر الدويهي منذ كانون الأول الماضي 4 كتب، وجميعها كتب ذات قيمة، وكل كتاب يختلف عن الآخر في جوهره ومحتواه. حديقة ربيعية ليس فيها زهرة تشبه الأخرى، فأين هو من هذا التنوّع؟

والخوري يعرف أن بعض الجمعيات تتصل به ليقدم لها مناسباتها عندما أغيب عن البلاد، وبعد أن أعود، يُطلب منه الاستراحة خوفاً عليه من الإجهاد.

وفي كل مناسبة أكون فيها شاعراً إلى جانب الخوري لا ألحظ أنّ أحداً من الناس يعجب به أكثر منّي، كما أن أمسياتي التي ليس فيها طعام وشراب تحشد من الناس أكثر من أمسياته التي فيها طعام وشراب وطرب ودبكة لبنانية. (أشرطة الفيديو موجودة معنا ونستطيع أن نزوّده بها).

ولماذا لا يسأل الخوري الناس في ملبورن عن أمسيتي الأخيرة؟ ولماذا لم يسأل الناس الذين سمعوا قصيدتي العامية في استقبال البطريرك الراعي في كنيسة مار يوحنا الحبيب؟ ولماذا لا يسأل عن ردة الفعل على قصائدي العامية في حفلات جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم التي قدمتها أكثر من عشرين مرة، وكل مرة بقصيدة مختلفة، وهل كانت لغتي خشبية وجاهلية هناك؟ وهل الناس الذين يطلبون مني أن أذهب إلى أدلايد وملبورن ويدفعون ثمن تذكرة السفر والفندق لألقي قصائد في مناسباتهم يحبّون اللغة الجاهلية الخشبية؟ وهل يعرف الخوري أنّ عائلات معروفة قدّمتُ لها جميع أعراس أبنائها وبناتها؟

ولست أدري لماذا يحصرني الخوري في الشعر ويقول: القصيدة تخبر عن نفسها. وهل الدويهي شاعر فقط؟ يمكنني أن أجيب عن هذا السؤال بالتالي: الخوري لا يتحمّل أن يرى شعر الدويهي منذ عام 1988، فكيف إذا رأى النثر أيضاً؟

إن ما نشرته في أستراليا في خمسة أشهر فقط كان المعجزة التي لا يستطيع الخوري أن يتخيّلها، وصحّ قولي: إنّ بعد "في معبد الروح" ليس كما قبله، فبعد "في معبد الروح" تسمّم وضع الأدب. وليت الخوري علّق ذات مرّة على قصائد الضعف والركاكة، وشعر القشعريرة، الذي هو أمام عينيه، بدل أن يضلّل الناس ويعميهم عن الحقيقة الساطعة كنور الشمس. ولكن ماذا نفعل إذا كان الخوري راضياً عن بيت الفرفور وليس راضياً عن بيت الدويهي؟

لقد كتبت كتابين بالإنكليزية، واحداً مع ابنتي ربى عن البطريرك الدويهي، والثاني عن تاريخ المعارك الإهدنية. وطبعاً لست أقارن هذين الكتابين مع ما كتبه الخوري باللغة الإنكليزية وهو صفر كتاب. كما كتبت "في معبد الروح" وهو كتاب فكري فلسفي، بلغة أدبية راقية... وأيضاً لا أقارنه بكتب الخوري الفكرية التي عددها صفر كتاب. وكتبت روايتين (الخوري صفر رواية، وصفر قصّة قصيرة، وصفر ورقة أكاديمية). وأنا أقول هذا لكي أثبت للخوري أن كتبي النثرية أكثر من كتبي الشعرية، ولكنّه غير قادر على قول الحقيقة، فهل يستطيع الذي لا يطال العنقود إلا أن يقول: مُرٌّ رأيته في إهدن؟

ويعرف الخوري أن 12 كتاباً من كتبي نُشرت في دارين للنشر، وقبضتُ ثمنها قبل التسليم، ودور النشر عادة تأخذ الكتاب وتعِد صاحبه بالدفع بعد البيع، وما إن يُطبع الكتاب حتى تضيع حقوق الكاتب بحجّة أن البيع قليل ولم يغطّ نفقة الطباعة، فلماذا لا يرسل الخوري كتاباً إلى دار نشر، لنرى إذا كانت ترضى بأن تدفع له قرشاً واحداً؟

ولكي أعطي أمثلة عن لغتي الجاهلية الخشبية، جاء في "طائر الهامة" (ص 83): "سأقول للناس الذين يكرهونني: أنا قتلت حقدكم. وحطمت أصابع الليل. منذ أعوام وأنا أنتظر عربة لتأخذني إلى جسر الضياء، لكنّ السائق يشرب على الرصيف. خُذوني إلى السائق لأتشاجر معه، لأزلزل الأرض تحت قدميه، ولأنشب أظافري في ابتسامته الصفراء. رجل مريض... يرافقني من مكان إلى مكان، ولا أعرف كيف يرتّب الأمكنة والعناوين. وحين أسأله: ما شأني وهؤلاء الناس؟ يقول: هم البحر وأنت المركب. فأصرخ أمامه: غلط... إننا في كابوس... ولستَ حقيقة... وأنا والناس لم يوماً حقيقة. عليّ أن أكون البحر وأنتم جميعاً مراكب. هكذا يمكن أن أكون واحداً لا أكثر... وأصبح جفافاً خلال عصور."

ويمكن للخوري أن يطلع على كتاب "كتبوا في طائر الهامة" ليقرأ كم من كبار الأساتذة كتبوا عن لغته الشعرية والرمزية . (هذا إذا كان يعرف المدرسة الرمزية أو خاض غمارها ذات يوم).

وجاء في كتابي "في معبد الروح" (العظة 30- ص 86) : "إن الصمت هو أجمل العبادة، والصلاة هي أجمل الفرح. حيث تعيشون عراة ولا يقول لكم أحد: خذوا ثياباً واستروا عريكم تكون براءتكم للخلود. إن الأجساد ليست خاطئة، بل إن الخطيئة في العين التي تنظر والقلوب التي تشتهي." وفي العظة 35، ص94: "الخوف لا ينجب طفلاً. الموت لا يعطي حياة. اليباس لا يصنع غابة. وإن البحيرة الراكدة ليس فيها سوى العدم الذي يتغطّى بالماء. فلتكن ضلوعكم معبداً لإله الشمس، الذي أوجدكم لتكون جباهكم أعلى من الشموس، وأنقى من أثواب الملائكة." أين في لغة الخوري مثل هذا الخلق الفلسفي؟

ولسنا في حاجة أن نعطي الخوري أمثلة من الشعر العامي الذي لم يعرف سواه، ولنا فيه مئات القصائد، وسنعطيه من النوع الذي لا يعرفه ولم يلتقِ به إلا عند جميل الدويهي، ولأنّ القصيدة من البَدع الأغلى من الذهب ونخاف على الذهب أن يتحطّم ويتجزأ، نرسلها إليه كاملة:

ما بْخاف من واحِد جبان

(إلى واحد يرتعد في معبد الروح)

ما بْخاف من واحد جَبان، والريح ما بتْزيح كَعب السنديان، عندي الأرض والشمس، ودّيت المَراكب عالسَّما. عِمّرت عالمرّيخ قـَصْر المِن دَهب. وكْتار حَولي ناس بـِنْيو من خَشب. بكْيو عا مَعبد رُوح، جَمْعو الأنبيا، جَمعو القـَرايب، والأجانب والعَرب. تا يضْربو قامة جميل الإهْدني، والإهْدني من فوق نازل بالغضَب. عا ساحة الميدان متل الحور واقف، والحِبر... أيش الحِبر؟ إسمي بـِغير النار ما مرَّه انكتب.

يا مركَب العِندي عا ميّ البحر إمشي، وروح عا بلاد الغجَر، تا نجيب بنت الشِّعر... مكتوبِه إلي من يوم ما الله خلق مَيّ وحَجر. رِجّال بدها إهْدني، بْيُوقف عا ضَهر الغيم تا يرْسم قمر. عنوان بيتي مْطلّ عالي. جْنينة التفّاح، سيّدة الحصنْ... يوسف كَرم جدّي، ومعي حْصان اللي متل الجرْد عالي، صهْلتو رَعد البِيرِجّ الأرض عا مَدّ النظر. بْقاوِم حِصاري. بضْربَك ببيوت شعري، بتركَك سهران عا أمجاد متل الرمل ما إلها حُضور ولا كِبر. جَمِّع خُيول المَملكِه، خاطب عبيد الأرض، برْكي بيقدرو يمْحو جَميل من الوجود. شايف أنا حِقد اللي فوق وجُوه صفرا، باكيِه تحت الرعود. عندي وُعود المتلها ما في وُعود: ما يوم برْمي سلاح. حِبري متل نهر الأوّلي، ما بْيِعْطش ولا بِعطش. وروحي هدير العاصفه، بحْكي أنا، ومن بَعد ما بِحْكي أنا بيحْكي الخُلود.

بيشهَد سعيد العقل عا شعري أنا، ومِتلي أنا ما في حَدا بالشرق عن مَجدو كتب. وتا يَعرفو إنّو البحر البعيد ما بياخُد َحدا، جْراس الرحيل تْربّعو لمّن خَيالي طَلّ واهتزّو الوِدا. وبَعْدا القَصيده معلّقه فوق المدى، والناس قالو: شعر من عطر انسَكب، إعجاز من الله... عجيبِة سيْدة زغرتا... حَكي المْلوك... وان ما صدّقو هلّي الحقد بقلوبهن صَوت وصدى، ناطر أنا ميِّة سنِه، تا يكتبو متلا قصيده عالهَدا.

وتكريم ما بدّي أنا، سْرير الحمِلني تكرّم بحمْلي، تْركتْ خَلفي الحَديدْ.

والحِبر مَجْدي، ورايتي، ومْرايتي ونصري الأكيد. خلّي القبايل كلّها تحمُل سلاح. نسر اللي متلي عالأرض ما لو جْناح. يا بيوت شِعري تمرّدو، وتكبّرو عالفوق مطرح ما إلو نـَبع الصباح. هَوني كلامي، ووقفتي وِجبين أعلى من الرياح. والحقد ما لو مْحلّ عندي، بسّ عندي جمرة الإبداع، تا خلّي المدينه كلّها تضْوي إلِي. تضْوي لعشر فرسان صرخو وانْخلع قلب الضعيف. وتجمّدو الإيدين، ما في غير خَيل وليل، والرمح اللي واقع عالرصيف.

معليش لولا كتار، لولا تجمّعو ألفين، وانباع الضمير. عندي عجيبِه عملتها، طلّعت مارد كان بَيتو بقلب بـِير. وقِمتْ الكسيح الكان يزحف عالحصير. وشْفيت أعمى كان نايم عالسرير. بْعصري أنا ما عاد لازم طِبّ أو حبّة دوا. تْسلّمت مفتاح العجايب كلّها، والناس شافو كِيف واحد كان ضَهرو مِنحني، بْلحظه قطَع لَحْم المَسافِه، وصار ماشي بالدِّني... حامل عصا تا يضرب الشمس اللي فوق مبيَّنِه. قدّيش حَرّض ناس ضِدّ الأبريا. وقدّيش صَلْبو الأنبيا. لكن أنا متل الربيع بْشِيل من جرْحي عَبير الكِبريا. العدْرا معي... ورِحلِه أنا بلّشتها، عالجَمر بدّي كفِّيا.

من شِعر سادس بعْد فِكري ما ارتوى. بحبّ اللعب بالنار. بـِطـْلـَع بـِنـْزَل... بعلّق كواكب بالهَوا. ما قبلتْ إنّي كُون من عَصر القديم، قلّي أبو النوّاس : "رح بتْكون بَعْدِي"، وعلبة الكبريت رح إعطيك تا تْوَلِّع هَشيم. والشاعر الكِنْدي غمَرني وقال: هَيدا السيف وحْصاني وعرش بيّي العظيم... واللي بْعُيونو الحِقْد هيدا ضْعيف ما مِنّو نـَوى... حَلّش بِشَعرو وقال: "كيف بْضلّ تحت المُستوى؟ وغيري كتبْ عا كلّ ساحَه معلّقات؟ ... واللي ورايي أيش بـَدهُن يعْملو؟ وقدّيش بَدهُن يـِطـْعنو بشاعِر حلُو، من فكْرتو بيجيب صبيان وبنات... ومن تحت دعسِة جَزْمتو بتِخْلَق حَياة؟"...

يللي ما بدّك تكْبر وبعْدَك صَبي، والناس منهُن أغبيا. إنتَ الغبي

عرْفو الفَرق بيناتنا وقالو إلك: جايي نَبي للشِّعر. صَلّي عالنبي.

جميع الحقوق محفوظة للدكتور جميل الدويهي

... والخوري نفسه حَوّر صورتي:

"ولقيتْ حالي ضايع بْغابة صدى عطْشان قلبي وفاضيه خْوابي الزمان" وجعلها في حفل المرحوم بطرس العنداري: "ضاع بحراش الصدى"، لأنّ لغتي جميلة وليست جاهلية كما يدّعي. وأنا لم أكن موجوداً في المناسبة، غير أن ضيفاً لماحاً كان حاضراً أخبرني أنّ الصورة لي من قصيدة "تا إفهمِك" التي قرأها في جريدة "المستقبل"، وقد حوّرَها المقتبِس بذكاء، وأرجو أن لا يزعم المقتبِس أنني اقتبست عنه.

ولغتي أيضاً أثمرت مسرحية شعرية مستوحاة من قصيدتي (أشدّد على كلمة قصيدة) المدوّرة "وقلت: أحبّكِ" مثّلها طلاب جامعيّون في ذكرى تأسيس جامعة سيدة اللويزة في عرض راق حضره المئات (2007). ولو كانت لغتي خشبية لما اختارت إدارة الجامعة قصيدتي لتُمسرحها وتتكلف عليها إخرجاً، وإضاءة وديكوراً... أنا القادم من أستراليا، وهناك الآلاف من القصائد المكدّسة في المكتبات اللبنانية. والجامعات تختار الأمور بعناية وصعوبة وبعد كثير من النقاش والدراسة. يومها أَعلن العملاق سعيد عقل الذي رأى المسرحية وسأل عن شاعرها، عن جائزته للطلاب الذين مثـّلوا "وقلت: أحبّك": برندا يارا يونس، جورج عيد وشاب من آل الهبر، وكرّمتني الجامعة بجائزة تقدير.

ولكي يقتنع فؤاد بأن لغتي ليست كما يدّعي، بل هي لغة الحياة، أشار عليّ الكثيرون بأن أترجم كتابي "في معبد الروح" إلى الفرنسية والإنكليزية، وسيتحول "في معبد الروح" إلى مسرحية أيضاً. وقد وزّعت من معبد الروح حوالي 50 نسخة فقط، وكُتب عنه حوالي ثلاثين مقالة. وكُتبت 24 مقالة عن كتاب "طائر الهامة" وأنا لم أطلقه بعد، بل شحنته من لبنان إلى أستراليا، ولم يوزّع إلا على نطاق ضيق. وقد اضطررت أن أطبع كتيباً بعنوان "كتبوا في طائر الهامة"، ومن بعده سيصدر كتيّب بعنوان "كتبوا في معبد الروح"، فكثرة المتذوقين لأعمالي تفرض علي أن أردّ لهم الجميل، ولا أنكر فضلهم كما يفعل البعض ويتباهى بذلك، حتى قلتُ فيه قولي المأثور: إذا أردت أن تخسره أطعمه.

كما كُتبت مقالات عن قصائد نشرتـُها منفردة، (قصيدة أنا المسيحي، وقصيدتي الأولى عن سعيد عقل)، والخوري لم ينشر أحد مقالة عن قصيدة منفردة قالها ذات يوم.

أما ما قيل عن شعري وأدبي فكثير، وأكتفي بقليل منه لضيق المجال:

هايل علي المذابي - اليمن: قرأت لك شعراً لا يعادله شعر على جميع المواقع التي تنشر فيها.

أنطوان الحربيه - ملبورن: جميل الدويهي هو البحر من أيّ الجهات أتيته... خمسة شعراء في شاعر واحد.

د. عصام حوراني: خليفة سعيد عقل.

د. بهية أبو حمد: فيلسوف القرن العشرين.

الأستاذ زاهي الزيبق: عندما تقرأ لجميل الدويهي تأسف على الدقائق التي أهدرتها ولم تقرأ له، وعندما تقرأ لغيره تأسف على الدقائق التي أهدرتها لتقرأ له.

ليندا اللقيس غصن: جميل نابغة العصر...

هذه الحقائق أضعها بين أيدي الناس، وأريدهم أن تعلموا في الوقت نفسه أن الخوري يعتبرني فاشلاً في كل شيء، وينبغي أن أتعلم عنده في مدرسة الضيعة. وغداً سيقول إن إظهاري للحقيقة هو غرور وتكبّر. يعني في نظره يجب أن يدوس علينا ولا نفتح فمنا. ولكن نحن لسنا من هذه الطينة، وعصر "فاتك المتسلّط" في الأدب المهجري لا يناسبنا، ولم نتعوّد أن يسيّرنا أحد تحت جناحيه، ولسنا نخاف، لأن الخوف لا يصنع حياة. والموقف الرفضي الشجاع هو ما يميّز إنساناً عن آخر. فلا جوائز تعنينا، ولا التهديد يرعبنا، ولا التلويح بالإخفاء يخفينا. الإبداع عندنا حالة طبيعية كالشجر والماء. فليبق الخوري يشيد بشعر "وطني لبنان أجمل البلدان"، لكي يظلّ مرضيّاً عليه من الباب العالي، ونحن بابنا العالي سماء إهدن والحرّيّة والشموخ على المادّة. أمّا أصحاب الضغينة، فنقول لهم (من كتاب في معبد الروح العظة 16 ص 52): "الحقد يجرِّدكم من عقولكم فتصيرون أشباحاً في حقل مهجور، تمرّ بها الأعاصير والرياح وتلفحها الشموس فلا تعرف الفصول، لكنها أشباح مجرمة، تنفث النار من أفواهها لكي تنشر الذعر والموت في الأزمنة. وقد علّمتكم الكتب أن تبغضوا البغضاء وتحبّوا المحبة، وأنا أعلّمكم أن تحبّوا المحبّة لكي لا يبقى للبغض كلام على شفاهكم ومكان في أفئدتكم. أمّا إذا بغضكم الآخرون واحتقروكم، فاعطوهم من كلامكم ذهباً ليغتنوا، ومن قلوبكم أناشيد ليسبّحوا ويرقصوا... إن الذين يعرفون الضغينة هم الجهلة الذين لا يقرأون ولا يكتبون، أمّا الذين يعرفون الحبّ فهم الفلاسفة الذين اكتشفوا طبيعة الله وأين يوجد، فكلامهم صلاة، وقلوبهم معابد."

إن الخوري يضع يديه على عينيه لكي لا يقرأ مثل هذا الكلام البدع للدويهي، كالنعامة التي تطمر رأسها في الرمال. والناس يضحكون مما يفعل.

د. جميل الدويهي

#كتاب