Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابرهيم: ما همّني ما دام هو معي للأب جوزيف الدكاش


بعد ربع قرنٍ : لا زال الأب جوزيف دكّاش يصرخ في صحراء العمر:

ما همّني ما دام "هـو مـعـي"؟!

هو سِفرُ رُبع قرنٍ من الحياة الكهنوتيّة، أمضاها الأب جوزيف دكّاش، واضعُ "هو معي"، سعيًا وراء اكتشاف حقيقة الرّب في حياته... إلى جانب محاولته الكشف عن موقعه في ذات الخالق، بعد مسيرة عُمر،ٍ أمضاها زارعًا، مكافحًا في حقل الرّب ونفوس مريديه والسّاعين باتّجاهه... حيثُ تبقى مقولة الكتاب: "الحصاد وفيرٌ أمّا الفعلةُ فقليلون"، دافعًا حيًّا في قلوب وعقول مَن شاء العيش سعيًا وراء جمع فعلةٍ ناشطين في سبيل لمّ شمل جماعة محبّي الرّب من بُناة دياره ورُعاة حياضه، أُولئكَ الّذين الكاتب واحدٌ من بينهم، يعيشُ في رحاب حقوله والشِّعاب... وما أشهى رزقًا دونه كدٌّ، وما أثمنه بعد تعبٍ وكفاح!!

كتابٌ، فيه من روح صاحبه بقدر ما في من روح الرّبّ فيها! فهو يُهدي عُصارة تأمّلاته وخمرة فكره، على مدى خمسٍ وعشرين سنةً من حياته الرُّوحيّة، كاهنًا فوق المذابح، لمَن وهبه عطيّة أن يخدم ربَّه من خلال خدمة شعبه التَّواق إلى لقاءٍ بعد مُجاهدةٍ... وقد وعد الخالق البشريّة بذلك، مذ فجر التَّكوين...

محطَّاتٌ أربع، يجد فيها الأب جوزيف الدّكاش نفسه، جسر عبورٍ إلى الآخر. فمَن أرسله مُطلقٌ، وهو محدودٌ؛ ولولاه لَكان رزح تحت كلّ عاهات منجزات القيامة... وفي كلِّ ما يأتي؟ يُقدِمُ، طالبًا النّقاء من آثام ٍ، ساعيًا خلف غفران ٍ، لوَهَنٍ أو تعالٍ... مُستنجدًا بنعمة ذرف الدّموع غسلاً لخجل ٍ وتوقًا لقبول ندامةٍ... مُجدِّدًا الحبَّ الّذي دعاه إليه: نحوه ينطلق وإليه يسير، واجدًا باللّقاء به كلّ الحاضر وبالبقاء معه كلّ المستقبل!!

فليوبيل الأب جوزيف من كهنوته أهدافٌ أربعةٌ: "عودةٌ إلى الجذور، إِستغفارٌ عمّا مرّ به ومعه، تجديدٌ للحاضر واستشرافٌ للمستقبل في مسيرة حجٍّ نحو الأُفق النُّهيوي."

فبعد خمسٍ وعشرين سنةً من الحياة الكهنوتيّة، يعدّد الكاهن صور وملامح وجود اللّه في حياته ووجوده في قلب اللّه: "يختبئ اللّه فيَّ، وسرّ اللّه في الإنسان عفوٌ ورحمةٌ... يعبر اللّه من خلالي، وأيُّ فضلٍ لي؟ فأنا استعارةٌ، هو جسر العبور، هو المطلق وأنا المحدود... هو الكلُّ وأنا مُفردٌ... لولاه لَبقي عتيقي قابعًا فيَّ...!!" (ص13).

وكم هي مُلفتةٌ العودة إلى الذّات، إلى المصدر الأوّل، الّذي عنه انبثق الإنسان!! فنسمعه يقول:"أنقاضي تستجمع لحظاتها على مذبحك فيكبر البنيان...اسقطتَ الفوارق وجعلتني علامةً فارقةً..." ذاك هو دور الرّب في حياته، وهذا ما دفعه لأخذ القرار والإلتـزام بموجباته. فيصرخ مُتابعًا:"مجمرتي أنت بخورها، ولن تتهادى إلاّ تكريمًا لجراحكَ والمسامير..." (ص15).

نتابع المشوار مع كاهنٍ نذر نفسه لخدمة أخيه الإنسان، وكان له أدوارًا مختلفةً على دربه، بين مهدٍ ولحدٍ. يجد الكاتب أنّ مشوار الإنسان على الأرض واهٍ، قصير...مهما امتدّ به عمرٌ، فهو ممسوكٌ من يد خالقه... وهو كراهبٍ أيضًا، لا يطاله سأمٌ ولا يعتريه تأفّفٌ من خدمة خالقه! بل على العكس من ذلك، يتمنّى أن تطول به رحلة خدمته، وأن تكون خدمةً صالحةً إلى ما لا نهاية...

آهٍ كم هو مُميّزٌ، انسحاق كاهنٍ وتواضعه أمام سيّد الأكوان: فهو بالرّغم من كلّ ما حقّق وبذل طوال خمس ٍ وعشرين انصرمت، يرى إلى نفسه أنّه:"عبدٌ بطّالٌ بآمتياز." (ص18). ربع قرنٍ من كفاح الرّوح والجّسد، لم يكفِه للإغتسال من إثم ٍ. فهو يرى في العودة إلى الخالق فعلاً مستمرًّا متكرّرًا من غير هوادةٍ ولا كلل ٍ، وبدون أن يشعر بالرّضى عن نفسه يومًا!!

فإن كان الكاهن، ماسك الأسرار، ينظر إلى التّوبة على أنّها فعل استمرارٍ وطقس تكرار ٍ؛ فكيف هي الحال مع النّاس الّذين يؤمُّون بيت الرّب ودياره، بين الفينة والأُخرى، إن كان لِمامًا أم التزامًا؟!(ص19)

من الـمُعجز أن تغطّي مقالةٌ حول كتاب، سُلافَ حبره، أو تفي مؤلّفه حقّ قدره، وإن تاق واضعها إلى الإضاءة على نفيس محتواه وغالي مضمونه... يبقى حديثه غيضٌ من فيض، لِما ضمّنه الكاتب من نكهة الذّكرى وعبير التّذكار: يتضوّع على مدى الرّبع قرن برفقة خالقٍ، بالرّغم من ملازمته لحضور الكاهن، قولاً وفعلاً ومواقفَ، في حياته الكهنوتيّة والرّاعوية بلا هوادةٍ... بقي مُشتاقًا لملاقاته شغوفًا برضاه، نهمًا إلى رحمته وغفرانه... وهنيئًا لمَن يعرف لذة تذوّق أطايب الفكر عن مائدة كاهنٍ يُعمِلُ قلبه وعقله ووجدانه في إعداد أطباق محبّةٍ يذوب طاهيها فيها وجدًا بخالقه: حنينًا للُقيا، بضمة حنانٍ بين ذراعَي من اصطفاه فاعلاً من بين فَعَلة ِ حقله الّذي بمعظم شعابه من لحم ٍ ودم ٍ وروح ٍ، تتمنّى العودة إلى باريها، ممنِّيةً الذّات بيد رفيقٍ حقٍّ يُهاديها...إنّي أجد الأب الصّديق جوزيف، مهموكًا أبدًا بكيفيّة إرضاء وليّ خلاصه، ساعيًا بلا هوادةٍ خلف نوال الحظوة عنده: لأنّ خلاص نفسه، ما برح بالنّسبة له الهدف الأسمى، المزدوج الأبعاد والمقاصد الّذي صرف عمره، في سبيل تحقيقه... ولا زال يسعى خلفه دائبًا مُلِّحًا، لا يثنيه عنه كفر كُفَّارٍ أَمْ تواني فُجَّارٍ أم ِ انحرافُ عصرٍ بأهله وبأَسره، عن سليم مسارٍ...

ما بين بداية اعتراف الكاهن "خمسٌ وعشرون" وخاتمة السِّفر "منكَ وإليك" رحلةُ عمرٍ يجتازها الكاتب على ظهر سفينة روحه و"هــو مــعــه" لم يفارقه سعيًا وحضورًا في أيّ تفصيل من دقائق عيشه الرّسالة: كرازةً وتعليمًا وخدمة مذبح...مع ما يرافق ذلك من صراع ٍ محتدم ٍ بين الذّات وباريها، وصدامٍ مستمرٍّ بين نفسه التّواقة إلى سماء، والأمّارة "بتأبّط الأباطيل والتّوافه" في آنٍ معًا!! فننصتُ إليه معترفًا: "السّماءُ تجرّدٌ...والملكوتُ تصفٍّ... والتّوبةُ دربُ الأتقياء؛ وعن كٌلِّها شاردٌ أنا، متأبّطٌ الأباطيلَ والتّوافهَ" (ص211). وهل أصفى من لحظة نقاءٍ يهتف فيها خادم المذبح لربّه: "تصادمي معكَ أنّني وضعتُ يدي على المحراثِ مُلتفتًا إلى الما وراء، ومُرادُك أنتَ الأمام... وطريقٌ... وحياةٌ... وأبد... نقّني مِنّي، واجعلني "يوحنّاك"، فهو يريدُ من نفسه، أن يكون أبدًا السّابق إلى نشر البُشرى قولاً وعملاً أينما وطئَ بحِلِّه وترحاله!!

يختم الكاتب نجواه إلى الخالق، بتخلّيه عن كلّ الفلسفات السّاعية إلى اكتشاف كنه الوجود، ويحصر مبدى وغاية عمره في الإمتلاء من حضور ربّه، إيمانًا وانسحاقًا تحت نير ربٍّ طيّبٍ، حِملُه خفيف!! ناهيك إلى رسمه صورة حياة ما بعد الموت، الّتي كانت للإنسان بتلاقي سرَّي تّجسد وقيامة المسيح، إبن اللّه؛ مُغلقًا السّفر على الجهر: "تمدُّني بسرّ حضوركَ، وتبقى حقيقة الوجود في كُلِّي... أنتَ القرار لولاك لَما كُنتُ... أنتَ مساحتي الصُّغرى ومدايَ الأكبر، لـولاك لـعـشـعـش الـتّـراب عـلـى جـسـدي، كلُّ حرفٍ كان منكَ... كلُّ سطرٍ هو لكَ... إنّكَ الألفُ والياء... أنـتَ الـكـلـمـة، وهي مـنـكَ وإلـيـكَ." (ص227).

لا يسعني أن أُغمدَ قلمي حُقّ النّور، من غير أن أُلفتَ النظر إلى أمرين زرعهما الأب جوزيف الدّكاش على ضفّتَي كتابه،أوّلهما: تصوير إسمه توقيعًا، على شكل سمكةٍ، شعار المسيحيّة، من زمن انبلاج فجرها داحضةً عتمة البشريّة! أما ثانيهما فهو النّبذة المدوّنة على الضِّفة الأُخرى، بتمايزٍ مُلفتٍ عن كلّ ما اطّلعتُ من سِيَرٍ. فالسّيرُ عادةً، مدوّنةٌ تحمل ثَبتًا بمنجزات ومُحقّقات صاحبها، معطوفةً إلى رتبة معارفه وشهاداته العلميّة والمناصب الّتي شغلها... أمّا الأبُ الصّديق، فقد دوّن في سيرته التّالي: "-من مواليد التّراب إلى حين... يحملُ موتَه الـمُتجدِّد. – حائز على شهادتَي العِماد والتّثبيت. – وعلى الإجازة في حمل القربان المقدّس إلى المرضى والـمُحتاجين. – مُجازٌ في التّعليم والتّأنيب على رُتبة "جندي"*في مدرسة يسوع: مغمورٌ بالنِّعمة. *في مدرسة الصّلاة: تلميذٌ مُعيدٌ. * في مدرسة الحياة: قاصدٌ مدينة اللّـه. * في الرّهبـانـيـة محدودٌ في العِلم مُستزيدٌ في المعرفة."

أيـا صديقي،لقد جئت رفيعًا ذوقًَا مُترفّعًا تعبيرًا- وإن لم تغفل الضعف البشري الـمُسيء إلى سيرة الإنسان وإن عن غير عَمدٍ منه- في كلّ ما دبّجت يراعُك، فبِتَّ من ربِّكَ محبوبًا ودنوتَ منه بكلمتكَ مُقرَّبـًا... ألم يرِد في غير موضع ٍ القول: "رفع المتواضعين..."وهذا ما تحقّقَ لكم وأنتم عن المتكبّرين أوّل الـمُبعدين!!

"هـو مـعـي"، يبقى لمن يرود روض لغة الضّاد: أُرجوحة روح ٍ فوق بساط نشيدٍ، رنّمت لربّها فرحًا بحياة، وغبطةً بدنوّ موعد اللّقاء، من غير خوفٍ ولا وجلٍ؛ ما دام ناثره لعيوننا مزاميرَ، مُستعدًا لقدوم السّارق بِما أكرم الإنسانيّة وزيّن به فصول حياته، الّتي أتمنى له أن تطول بيننا: لنغنم من سانحات العشرة لُطفًا ومودّةً، ومن ونزف الحبر بالمضيء الوضاء فكرًا، بُعدَ نظرٍ وقوّةَ شكيمةٍ، كما تعوّدنا منه دائمًا.

سليمان يوسف إبراهيم

عنّايا، في27/1/2013

#كتاب

1 view