Search
  • Jamil Doaihi

سهيل مطر: ميشال إده فحسب


ميشال إده لا يحتاج إلى لقب ولا إلى مقام. إنه ميشال إده فحسب الذي هو نموذج سياسي وأخلاقي، إنه الكبير والنبيل والسيّد وهو الكريم المتواضع الذي لا يحتاج الى لقب، ولا إلى تعريف، ولا إلى ذكر مهام ومناصب. إنّه ميشال ادّه فحسب، والغريب، أنّك مهما كنت موضوعياً وحيادياً، لا تستطيع أن تتحدّث عنه إلاّ بحبّ. كل لغة غير لغة القلب، لا تليق برجل الأدمغة الواسعة والصعبة. كل لغة لا تغتسل بندى الحبّ، هي لغة مستعارة، مزيّفة ذليلة، لا تتناغم مع هذا المتوّج أميراً في الوطنية ورائداً في فن السياسة واتساع المعرفة والثقافة. ما كان يوماً زعيماً، ولكنّه، كان، ولا يزال، في كل يوم، عظيماً، عظيماً في بيته، في مجتمعه، في عالم المحاماة، في عالم المال والاقتصاد، في مارونيته الأصيلة، في وطنيته الصافية، في تطلّعاته الى لبنان ـ الانتشار، وفي عالميته. في زمن العنف والحروب والقتل والحقد والفساد، نلتفت الى ميشال إدّه لنقول له: في الليلة الظلماء، يُفتقد البدرُ... أين أنت؟ نحن بحاجة إليك لأنّك لست بحاجة لأحد، وهذه هي القوّة والعظمة. طوال عمره، سعت إليه المناصب، ولم يسعَ إليها، اسمه يتردّد في كل حين: نائباً ووزيراً ورئيساً، ولكن... من زمن فؤاد شهاب وشارل حلو، كان هو المصطفى والمختار، واستمرّ حتّى اليوم. كثيرون ممّن يمتهنون السياسة هم في غياب، أما هو فحضور ساطع، في كل حين. معه نطرح السؤال: ما هي السياسة؟ والجواب بديهي بسيط ومن دون فلسفة: هي فن خدمة الناس وإنماء الوطن وتأمين رفاهية أبنائه وحرية أرضه ومجموعاته البشرية. فمن، من أهل السياسة، يمارس هذا التعريف في عمله السياسي؟ أجل، ميشال ادّه هو هذا "السياسي" بامتياز: خدم المجتمع، دعا الى الانفتاح والتعاون، شارك الناس همومهم وطموحاتهم، قدّم إنماء الوطن على إنماء جيوب أزلامه، وسعى في كل حين الى بناء وطن ـ الثقافة والحرية والجمال. وبرغم أنّه آمن بالانتشار اللبناني في العالم، فإنّه ما حاول يوماً أن يهجر لبنان أو أن يستريح في أوطان أكثر حضارة وأماناً. منذ طفولته، ما عرف البطالة ولا عاش الباطل، بل مارس البطولة، شجاعة وجرأة وكلمة حادّة. هو الرجل المؤمن بأنّ "اللاّ" لا، وأن النعم "نعم"، وكم نحن بحاجة اليوم، واليوم بالذات، الى هذه "اللاّ" الساطعة، يقذفها ميشال إدّه في وجه من يشوّهون صورة لبنان ـ الأدب والفكر والقانون. هو الرجل الصعب في زمن الرياء والمداهنة والنفاق. وتؤخذ عليه هذه الصعوبة، فإن انتُقِد بها، كانت وساماً، على صدره. والرجل الصعب كالمرأة الصعبة، أهمُّ ما فيها الشرف، وأعزّ ما عندها التمنّع والرفض. الكبير ميشال إدّه أيها الصديق الكبير، أيها الراقي والرائق والرقيق، أيها السيّد، ليس بسيّد من يسود على الناس، بل السيّد هو من يسيطر على نفسه، يطوّعها، وينتصر على شهواتها. إغراءات كثيرة، ولكنّك كنت كبيراً. أنتَ، بما أعرفه، وبما أراه، وبما أتوقّعه، تحمل ثلاثَ صفات لهذه السيادة: - أنت السيّد الجميل، وما إشراقة الوجه إلاّ انعكاس لإشراقة الروح. - أنت السيّد النبيل الذي يستطيع أن يرفع الجبين، بكبر وإباء، وأن يقول: هذا ما أعطاني الربّ، ولن أشوّه أو أفرّط. - أنتَ السيّد الكريم الراقي الذي، بالرقّة والدقّة، مَلكَ قلوب من عرفه ومن آخاه، ومن كان له معه علاقة أو مرور طريق. فيا سيّدي يقول الشاعر: مـلأى السـنابل تنحنـي بتواضـعٍ والفـارغـاتُ رؤوسـهنّ شوامـخُ. وكم نحن بحاجة أن تُعيرَنا بعضَ تواضعك، وأن تزرع في قلوبنا بعض الوداعة التي أزهرت في صدرك. ويا أيّها الأمير، قداسة وإيماناً ووطنية، ما سمعتُك يوماً تتحدّث أو تصلّي أو توجّه، إلاّ وسمعتُ صوت يسوع، في بساطته وصفائه وطيبته، فكأنّ سعيد عقل قصدَكَ عندما قال: فـي كـلّ حرفٍ رمى كـانَ الكُبـارَ! كـأنْ مـن جُـودةٍ وَحْـدَه، والنـاسُ مـن عــددِ. الَّلهُم، اغفر لي... ويا أكبر الأصدقاء، هنيئاً لنا بك.

#كتاب