Search
  • Jamil Doaihi

الدكتور عزّت صبّاغ: تعال نرسم لوحة


*أن تخسر ايمانك بمبادئ ومثل وأهداف تصوّرتها لوجودك منذ كنت ناشئاً، نتيجة وعود تجاوزية هنا وهناك زينتها لك أنظمة "لا حول ولا قوة"، التقدمية منها خصوصاً، فانك ما خسرت شيئاً سوى الضياع عن الحقيقة والغشاوة التي تغطي عينيك والواقع. وعليه: ما كان بمستطاعك ان تتوجه وغيرك لبناء وجود اجتماعي كما ينبغي: "كيف نغسل وطنا يتسخ فيه حتى الضوء" (1) - الساعة عزيزي، أنت واع، مطّلع وناضج، ما عدت ناشئاً البتة، وها أنت وغيرك في صدد معالجة أمور أصعب بحيطة وبصوت خفيض فيما بينكم، فقد تعلمتم السباحة بين حيتان يتراوح خطرها ما بين غدر، خبث، إجرام، وجهل أعمى في يم عربي هائج. *أزدادُ إصراراً فأؤكد:على ان مواجهة الصعاب من بين أفضل من علم في الحياة... ما عادت تصعب عليكم السباحة بين حيتان هذا اليمّ ووحوشه، لأنكم تعلمتم كل ما يقيكم منها، ما عدتم خائفين، فقد صار كل منكم كمدرب للوحوش، لا يخرج من كل حفلة استعراضية في "سيرك" الا سالماً في نهايتها وتصفيق الحضور الحاشد، له وحده وليس للوحوش. بعدها: تعال عزيزي مصحوباً بزملائك لنرسم لوحة، فقد تعبنا من التعبير عن العالم العربي كتابة، خطابة او همسا شعرياً تصحبه آلة موسيقية تعبر معه. إن إبداعك، صوتك وحتى صرختك، من ابداع، صوت وحتى صرخة هذا العالم نشيد جماعي، فقد اقترب العالم من بعضه بعضاً وتكاتف أناسُه على مسار حياة.. * اللون الرمادي يبين عن ملامح وقسمات "زهرة ورفيقاتها" باللون الأسود أسفل اللوحة، قليل من الصبر وسأبين لكم ملامحها. سائلٌ من ورائي: - و لمَ أزهار باللون الأسود؟ أتابع عملي بدون أن ألتفت اليه: - لا تُحاكي ألوان "الأزهار المعتادة" إلا دعوةً الى الراحة النفسية فالتفاؤل خارج الموضوع وليست هذه حالنا عربياً منذ ومنذ ولغاية... وإلا هزئ منا العالم بتساؤل إنكاري: لا نعرف بعد حقيقتنا، ونريد أن يكون صوت العالم من صوتنا؟!: "لا تحرق النار موضعاً مسَّه الدمع لذلك أبكي... ينبت القرنفل في الدمع لذلك أبكي". (2) "مكسواً بالزمن ورماده" (3) متأثراً عزيزي، فأرسم "زهرة ورفيقاتها" بالأسود وبالرمادي.. * دقائق قليلة وسأرسم الى جانبها مواطنك العربي المثقف الواعي، تنبض قسماته بايقاع أمانيه، شروعاً بتواجده ووصلاً الى ترسيخ وجوده بالسعي والدأب فيؤسس لمواطنيه حافزاً للتطلّع الى الحرية. - ان مرور الزمان في أذهان الواعين بمثابة مقياس دقيق للحضارة في مجتمع ما، وهنا مكمن القلق عند هؤلاء بتردادهم: "يتقدّم بنا الوقت فأين المكان وقد بنيناه لتزمن فيه الحياة؟" والمقصود: الحركة البناءة في الزمان لتحسين المكان وأوضاع ساكنيه. يحتضن مثقفنا الحق الزمان بحرص وقوة، يحلّق به فوق واقعنا، ينثر بذار حركته على أرضنا، يعود ويُحطَّ عليها متفحصاً ما تحتاجه بعينيّ صقر، وهو كذلك تطعنه أيدي الجهل، نعم: "يُطعن الصقر وهو في رفيفه الأخير ليتوّج نفسه على الأوج".(4) * أشخص في اللوحة ثم أعاود الحديث هذه المرة الى كل من تحلق ورائي ودون أن التفت: - لا.. فإلى جانب الأزهار السوداء، ليكن مواطناً عادياً مهموماً، قلقاً ينظر الى السماء، الى ذلك الواعي المثقف وهو "الصقر" في أعلى اللوحة هاوياً بعد أن طعنه الجهل. يُجيبني أحد المحلقين: - فلنُبق على نظرية أن الفن هو لتجميل الواقع ولنترك الصقر متوجاً نفسه على الأوج. أجيبه على الفور: - لا.. الفن لتجميل الواقع، ولكن بموضوعية وليس بالتجاوزات والنفاق. لقد طُعن الصقر، فجهد وهو في حالة نزاع مع الموت، ليتوّج نفسه على الأوج ثم هوى وكم من صقور مثقفة عربية ماتت مطعونة وقسمٌ كبيرٌ منها قد مات "بالسكتة القلبية" او نتيجة "إنفجار دماغي" بسبب من احزانه العربية المتراكم منها والمتجدد خصوصاً بعد فاصل اعلامي رسمي او خلافه يتحدث عن تاريخنا القديم والمعاصر منه على وجه الخصوص. - أضع لمساتي الأخيرة على اللوحة، وها أنا أدفع بها "هدية" لمن تحلّق ورائي من أصدقاء مثقفين وأمضي. * هامش: 1- أدونيس/ "مفرد بصيغة الجمع"، دار الآداب بيروت/ العام 1988. (ص 184). 2- نفسه (ص159). 3- نفسه (ص 169) 4- نفسه (ص 183).

#كتاب

1 view