Search
  • Jamil Doaihi

جميل الدويهي: بين شخصية الكاذب الرحباني ودو روجمونت الأسترالي


بين شخصية "الكاذب" الرحباني ودي روجمونت الأسترالي

الكذب للتألّق اجتماعياً وسياسياً- دراسة مقارنة

بقلم د. جميل ميلاد الدويهي

"المختار وريما في "بياع الخواتم

أكبر كاذب في تاريخ أستراليا: دو روجمونت

دو روجمونت على ظهر السلحفاة

على الرغم من بُعد المسافة بين لبنان وأستراليا، فإنّ شخصية الإنسان الكاذب، هنا وهناك، لا تختلف، حتى لكأنّ أحدهما هو الآخر، طالما أنّ أهداف الكاذب تتشابه في الزمان والمكان، فالرجل يكذب والمرأة تكذب والطفل يكذب، والتاجر والسياسي، وسائق سيارة الأجرة، والحلاّق الذي يخترع أخباراً لتسلية الزبائن، والجنود السابقون والصيادون والبحارة... وهذه الوجوه موجودة في كل قرية ومدينة ولا يخلو منها مجتمع.

وجميعنا سمع من أناس قصصاً لا تُصدّق، كقصّة ذلك "الشجاع" الذي يخبرك عن بطولاته في الحرب العالمية الثانية، فقد جمع فريقاً من السلاحف، وأضاء الشموع على ظهورها أثناء الليل، ثمّ أفلتها من قمّة الجبل، قبالة المعسكر الفرنسي، فهبّ الجنود الفرنسيون لإطلاق النار على السلاحف معتقدين أنها من جنود الألمان، وهكذا خلا الجو للبطل الشجاع أن يدخل إلى المعسكر من الخلف ويستولي على كثير من الطعام وقطع السلاح.

وقصّة رجل آخر ضبطت الشرطة في حديقة وراء منزله شتلات من الحشيش، ولمّا مثُل أمام المحكمة أقسم للقاضي بأنه وضع في الأرض بذور البقدونس فنبتت حشيشاً، وقصّة ثالث يخبرك بأكاذيب لا حدود لها ولا منطق عن إنجازات حقّقها في حياته، ثم تكتشف بعد حين أن ما أخبرك به ما هو إلا أساطير اخترعها لكي يغطي على فشله في الحياة وأخفاقاته في العلم والثروة والشهرة.

وقد وظّف الأخوان رحباني في العديد من أعمالهما الفنية ظاهرة الكذب، أو ما يسمى في المجتمع اللبناني بالعامية "التفنيص" أو "التفشيط" أو "التخريط"، والإضاءة عليها في أسلوب ساخر، كشخصّية المختار في فيلم "بياع الخواتم" (إخراج يوسف شاهين 1964)، حيث يخترع المختار في الفيلم شخصية "راجح"، ويصوّره في حكاياته اليومية على أنه عدوّ لدود لأهل القرية، والمختار يواجهه ببطولة ويحقّره دفاعاً عن أهل القرية وكرامتهم. وهنا يتراءى الهدف السياسي- الاجتماعي الذي يسعى المختار إليه، وهو تصوير نفسه كبطل وحامٍ للشعب، وتبقى له مكانته في أعين الناس وقلوبهم.

ولكي يعطي المختار لأكاذيبه صفة شرعية، يعمد إلى تشهيد ابنة أخته، ريما، التي توافقه في كلامه أمام الناس، إلى أن يطفح الكيل بها. وتمثل ريما هنا مجموعة المنافقين الذين يبصمون على "العمياني" من أجل مآرب شخصية ومصالح القربى أو الصداقة. وفي حوار بين ريما وخالها المختار تصل الكذبة إلى نهايتها، لتتولّد منها كذبة أخرى، وهي أن الكذب ليس كذباً، بل هو لعبة، أو شيء تحت الكذب:

"-لأيمتي رح ضلّ يا خالي تحكي وإشهدلك... شو هالحالي؟ -يا بنت إختي إن ما شهدتيلي مين رح شهّد على حالي؟ -ما زال راجح مجرم وجارح ليش حتّى تقاتلو لـ راجح؟ -ما فيش راجح كبرّي عقلك... خالك يا ريما اللي اخترع راجح -يعني راجح مش موجود؟ -ولا إلو يا ريما وجود -وليش اخترعتو يا خالي، شغلت بال الناس وبالي؟ -الأهالي بدّن حكايي... أنا خلقتلّن الحكايي... تا يقولو إنّي بحْميهن من مجهول عليهن جايي... -طيّب وبتكذب عليهن؟ -هيدي يا ريما مش كذبي... هيدي شغلي حد الكذبي... هي خبرّيي... الكذبي صعْبي... بس الخبريي شعريّي، بتوعّي فيهن بطولي بتقطف من إشيا مجهولي... -حكياتك يا خالي شعر وذهب غالي... مدري من وين بتجمعهن بـ المش صحيح بتشقعهن... بتضوّي قناديل الضيعة بالقصة بالكلمي البدعة... بتخلينا نتنزه بين الكذبي وبين الشعر نقطّف زهر.. ومتل اللعبي نتفيّا تحت الكذبي..."

ولا تختلف شخصية المختار عن شخصية الجدّ أبو ديب، في حوار رحباني آخر بين هيفا وجدها:

"- وك يا جدي يا بو ديب إيدك وين كسرتا؟ - بالصيد -وك يا جدي يا بو ديب إجرك وين فكشتا؟ - بالصيد - وين عقصتك الحية؟ - بالصيد - هالشيبه وين قضّيتا؟ - بالصيد -وشو بدّك بالصيد؟ - بدّي الصيد... -الصيد بتسلينا قصصو بليالينا لكن بيصيروا السهّيرة يطّلعوا فينا يقولوا بو ديب زوّد الخبريه وبيني وبينك يا جدي بتكون عم بتزيدا... -يا بنت بنتي يا هيفا بنت بنتي لما بتشوفيني زدتا وينك إنتي؟ على الإنسجام بتكبر الخبريه تبقي اعميلي إشارة برجع بزغّرها شويه شفتي مطرح ما قوّصت السبع؟ -جدي وين بعد في سباع؟! -هوّي ضبع قد السبع - شفتي مطرح ما كمشت التمساح؟ -جدي الحرش مش نهر الأمازون - حرباية قد التمساح... إلخ".

يبدو من هذا المقطع أن الجد بو ديب لا يضع لأكاذيبه هدفاً سياسياً أو اجتماعياً أو تجارياً أو فكرياً، بل هو من فئة "الفنّاصين" الذين يخترعون الأخبارلتسلية الناس من جهة، ومن جهة أخرى للتعويض عن قصورهم النفسي والإحساس بعجزهم في المجتمع.

وتشبه شخصية بوديب شخصية لويس دو روجمونت، وهو مغامر أسترالي من أصل سويسري، واسمه الأصلي هنري لويس غرين. ولد عام 1847 وتوفَّى عام 1921. هاجر إلى أستراليا عام 1875 حيث عمل خادماً لحاكم أستراليا الغربية ويليام روبنسون، ثم نادلاً في مطعم، وبائعاً لثياب الغطس، وقائداً لسفينة جنحت عند شاطئ كوينزلاند، ومصوّراً...

ويعتبر دو روجمونت من أعظم الكاذبين في تاريخ أستراليا، بل هو الأكثر كذباً على الإطلاق. فقد زعم أنه أمضى 30 عاماً بين السكّان الابورجينيين الذين وصفهم زوراً بأنهم آكلون للحوم البشر وقال إنه تزوج امرأة منهم، وقاتل ببسالة قائداً عملاقاً من السكان الأصليين لينقذ فتاتين بريطانيتين من الأسر، وقال إنّ الفتاتين غرقتا بعد ذلك، لكي يلغي إمكانية البحث عن شهود على قصصه الغريبة.

وفي عام 1898 بدأ دو روجمونت يكتب عن مغامراته الأسطورية في مجلة بريطانية "The Wide World Magazine" وقد وصف مغامراته للبحث عن اللؤلؤ والذهب على شواطئ بابوا نيو غينيا، كما وصف كيف أن قبائل الأبورجينيز في أستراليا عبدوه بصفته إلهاً لهم.

وادعى دو روجمونت أيضاً أنه جلس على ظهر سلحفاة وقطعت به مسافة في البحر، وأنه شاهد حيوانات "وومبات" تطير.

وبلغت شهرة هذا الكاذب المبدع حداً لا يصدَّق، فقد حجزت الجمعية البريطانية للتقدم الطبي أكبر صالة في مدينة بريستول لكي يتحدث فيها دو روجمونت عن مشاهداته في أستراليا (A. Stephens, 2015)، ولكن بعد وقت قصير بدأت تتوارد أسئلة عن مصداقية دو روجمونت، خصوصاً عندما ُسئل عن لغة الأبورجينيين فلم يتمكن من النطق بها، كما لم يتمكن من تحديد الأماكن التي جرت فيها مغامراته على الخارطة.

لقد أصبحت شخصية دو روجمونت أسطورة أسترالية معروفة وُنشرت كتب ومقالات كثيرة عنه، وقال عنه الأديب والشاعر الأسترالي هنري لاوسن إنه أحدث ضجّة في ثلاثة أشهر لم يتمكن الأستراليون الآخرون من إحداثها في مئة سنة.

( The La Trobe Journal, 1981, p. 96) . وعلى الرغم من كل ذلك يصف العديد من الناس دو روجمونت بأنه أكبر كاذب في العالم. وهذه الصفة استخدمها هو كشعار له أثناء زيارته إلى جنوب أفريقيا في أواخر حياته، كما تعرض لصيحات الاستهجان لدى زيارته إلى أستراليا عام 1901. (B.J. Andrews, Australian Dictionary of Biography, 1981).

هذه الشخصيات المتشابهة (المختار-الجدّ بو ديب- دو روجمونت) نرى الكثير منها في مجتمعاتنا، حيث يصبح الكاذب مثالاً رومنطيقياً ويتمكن من النفاذ إلى قلوب الآخرين عن طريق التحايل وانتحال الصفات والمواقف. وينقسم الكاذبون إلى مجموعات مختلفة، فهناك الكاذبون الذين لا يستفيدون من أكاذيبهم، فهؤلاء يكذبون لطَبع فيهم، والكاذبون الآخرون لكلّ منهم أهدافه السياسية والاجتماعية والثقافية والتجارية. ولكن المبالغات الكاذبة جميعها تنضوي تحت عنوان واحد هو جذب الانتباه وتحقيق الشهرة، فالناس الذين يكذبون ويتحدّثون عن ذواتهم يحاولون أن يحافظوا على صورة معّينة لأنفسهم، كما قد يسعون إلى تحقيق ذواتهم من خلال تقدير الآخرين لهم، وعندما يبالغ المرء في الرواية ولا يقدّم نفسه بطريقة أمينة وصادقة، فإنّه بمرور الزمن يسيء إلى نفسه ويمارس الغش عليها، كما يسيء إلى ثقته بنفسه (L. Firestone, 2013, p.1)

كما تصف الاختصاصية في قضايا الإدمان كايثلين أسبوزيتو الكاذب بأنه صاحب عاهة مسيطرة "Lying Compulsive Disorder"، وتقول: ليس جميع المصابين بهذه العاهة يعانون من مرض نفساني، ولكن سلوكهم في الغالب له تفسيرات متشابهة، فهناك مَن يكذبون من أجل الشهرة والشعبية، وهناك من يكذبون للسيطرة والاحتكار، والبعض يكذب للتعويض عن ضعف الثقة بالذات، وآخرون يكذبون لتغطية الفشل (K. Esposito, lovetoknow.com).

وربما تتناسب شخصيتا المختار وأبو ديب في عمليْ الرحابنة وشخصية لويس دو روجمونت مع هذه التفسيرات جميعاً، حيث يتداخل الذاتي بالعام، وتبدو نفسية الكاذب كثيرة التعقيد، وقد يمضي وقت طويل قبل أن يصل علم النفس إلى ضبطها نهائياً، والفصل بين حالاتها المتعددة التي تختلط اختلاطاً جسيمًا، وتشكّل في الكثير من الأحيان خطراً على المجتمعات، وقد تؤدي إلى حروب وويلات ومصائب عارمة. جميع الحقوق محفوظة لأدب مهجريّ راقٍ من أستراليا

المصادر:

Andrews, B. G. (1981). Australian Dictionary of Biography. V 8

Esposito, Katheline. (Undated) Lying Compulsive Disorder. lovetoknow.com

Firestone, Lisa (2013). Why We Lie and how to Stop. www.psycology.com

The La Trobe Journal (28 Oct. 1981). Melbourne

Stephens, Andrew (5 June, 2015). Was He the Greatest Liar Australia has ever Known?. Sydney Morning Herald newspaper.

#كتاب

2 views