Search
  • Jamil Doaihi

أمان السيّد: حكايتي مع سيّد الأماكن


من الصعب أن أتذكر كيف بجنون أوقفت سيارتي بعد أن عبرت عنك، ثم رجعت ركضا لأتلقفك بين راحتيّ. كان لا بد أن أعود، فسربُ الطيور الذي كان يحطّ فوقك، ثم يعلو وأنت ملقى على الطريق كانت إشارة إلى شيء ما. أذهلني بأصوات يصدرها... لفتني، وجرجرني وأنا الذي كنت مشدودا للطريق متمسكا بعجلة القيادة في بلد أنا فيه مستجد في كل شيء... اللغة... التواجد الإنساني، فكيف وأنا أقود سيارة مقودها علي اليمين؟! الأصوات التي سمعتها كانت لسرب طيور، أظنها كانت ذات لون أسود... كانت تستصرخني للعودة لملاحظة شيء ما يحصل هناك. رأيتك... نعم- رغم تركيزي في السواقة- طائرا صغيرا ضعيفا على كتف الطريق... من الواضح أن سيارة صدمتك وأسرعت دون اكتراث، ولكن أصدقاءك الذين لم يتخلوا عنك كانوا يهبطون، ويطيرون مصدرين تغريدا يوحي بسمفونية تعزف للحداد. ما الذي دفعني إلى العودة ركضا لأحملك بين راحتي وأتأملك؟ لم أكن أثق أنك حي، لكني حزنت كثيرا أن تبقى هكذا تداس كما يداس أطفال بلادي، وعندما صرت بين راحتي وتحسستك أدركت من نبضك أنك حي... حي! فهمت حينذاك ما معنى أن تهبط الطيور عليك، وتصدر تلك الأصوات التي كأنها تلفت إليك النظر لعل هناك من يستطيع إنقاذك قبل الرمق الأخير... تذكرت أطفال بلادي وهم منتهكون على قارعة الطريق في المدن السورية المهدمة، وتذكرت طفلا لاحقه رشاش القناص ليصطاده مستمتعاً بمشهده وهو يهوي مضرجاً بدمائه. كنت أنت هناك، وكنت أنا العاجز أمام شاشات الأقنية الفضائية منذ أكثر من خمس سنوات... عاجز عن حماية ذلك الطفل السوري من رشاش القناص العابث بطفولته، ومن الجزار الذي هوى على حمزة الخطيب يقتل فيه رجولة تلوح بواكيرها.. عاجز عن حماية أحمد الخولي، وهو يغتصب من مراهق في لبنان، ثم يطعن، ويرمى بلا ضمير على صندوق كارتون وسط الطريق أيضا حيث توضع أغراض يراد التخلص منها.. عاجز عن حماية طفلة تهرب بعينيها من الكاميرا التي تصورها.. عاجز عن انتشال الخوف من صدر طفلة أمام رجل بلباس الشرطة، وهي تكدس مشاهد القتل والموت في ذاكرتها.. كان لا بد أن أعود لأحمي كبرياءك من دهس سيارة أخرى تمر بجسد ميت نسيت أنه قبل ذلك كان يملأ الكون بتغريده، وإذ بعجزي يتكرس دفعة واحدة، وأنا أكتشف فيك نبضا ما يزال ينبض بينما جسدك لا يستطيع الحراك. جُلتُ بعينيّ - أنا الغريب هنا- يا سيد الأماكن... غريب في ديارك ملتجئ إليها، وعاجز أن أقوم بشيء يرد إليك الروح.. لم يلتفت إليّ أحد، فالمشهد الذي أسرني، وقادني إليك لا يلفت إلا من كان مثلي آتيا من وطن دمرته الحرب، وتكاثرت عليه الأيدي بالخراب.. لم يسمعوا أصوات الطيور التي كانت تصيح طالبة النجدة لك، وحدي أنا الغريب في ديارك أسمعك وأحتويك، ويضعني العجز دفعة واحدة حقيقيا أمامك، لا أمام شاشات التلفزة، أفكر بم أتصرف؟!.. كان لا بد أن أتخذ قرارا سريعا بتركك على طرف الجدار تموت مكرما في ظلال أشجار وأزهار كنت مليكها، أو أحملك معي وأنا التي لا تملك لك مكانا ولا دواء. اقتربت من الحائط، وأرقدتك بعد أن عوّذتك بما أعوذ به ابنتي طفلة وصبية، بما قرأته على أمي وهي على فراش الموت، وبما أعوذ به حفيديّ مفيدا، وعلياء رغم اتساع النأي بيننا، وبما أعوذ به أطفال بلادي التائهين في الأمداء الشاسعة.. هل تصدق أني وجدت نقودا على طرف الحائط حيث أردت وضعك؟!.. قطع نقود فضية، بمَ يمكنني أن أفسر ذلك، هل هي إشارة ما؟!.. لم أكن أنتظر ثوابا... ثق أني كنت أشعر بالرأفة وبالسلب وبالقهر معا.. أيها الطائر الجميل أحزن عليك وعلي، ولكني سأتركك قريبا من أصدقائك. أعرف أنهم لن يتخلوا عنك في لحظاتك الأخيرة، وأعرف أكثر أنهم أرفق ممن يقتلون الأطفال في بلدي ويلتقطون الصور لهم وينشرونها. أعرف أنك ستفرد جناحيك بعد أن ترتاح قليلا وستعود تغرد للحب وللجمال وللطفولة، ولي.

#كتاب

3 views0 comments

 

حبّي لكِ

نحن ابتدأنا الحبّ، ما من قبلِنا          شعرٌ يُقــــالُ، ولا ربيعٌ يُزْهِرُ

وأنا بعينيكِ اكتشفتُ حضارةً،        وكواكباً طولَ الزمانِ تنوِّرُ
وسرقتُ من فمكِ الجميلِ قصيدةً        مــا زلت أكتبُها، ومنها أسكرُ
وقطفتُ من تفّاحِ صدركِ غلَّةً،         فأنا بما ملكتْ يميني قيْــصـرُ
يا سرّ إبداعي، وسرّ بدايتي...         يـــــا مَن تغيّرُني ولا تتغيَّرُ

يا فكرتي الأولى التي وُلِدت معي،      فأنـــا أعيشُ لأجلها وأفكِّرُ...

متصوِّفٌ حتّى أذوبَ وأختفـي،          متداخلٌ فيكِ، ولا أتحــرَّرُ...
تتكسّرُ الأيّامُ لولا غبتِ من            حولي، وقلبي مثلـهـا يتكسّرُ…
نمشي معاً والأرض تعشقُ خطْوَنا، ويدِي على الشعر الجميل تثرثرُ
لولا الهوى ما كنتُ أُبصرُ عالمي،   فالريح تأخذ مركبي، والأبحُــرُ
كنتُ الجمودَ، وأنتِ مَن أحييتِني...     كنتُ المعانـــــــاةَ التي تتكرَّرُ
علّمْتِني أن الحـــيــــاة جميلةٌ،        فبدأتُ أحترف الغناءَ، وأشعُــرُ
ورقصتُ من طرَبٍ كطيرٍ عاشقٍ،   فإذا الفضاءُ يضيقُ فيَّ ويَصغُرُ
لولاكِ أنتِ، فما حياتي كـــلُّها؟         ماذا أنــــــــا إلاّ خيالاً يعْبرُ؟
كم يَكْذِبُ العشّاقُ في وصْف الهوى     فجميع ما قالوه ليس يعبِّرُ
ما البحرُ؟ ما طولُ السماء وعرضها؟   حبّي لكِ من كلِّ شيءٍ أكبَرُ.

________________________

هيدي حياتي (المدوّر العاميّ)

هَيدي حياتي كتبْتها ومحَّيتها، تا تسمعي صوتي متل رعد الجبل عا سطور كلّا نار من قبل الزمان، شعّلتها بالحبر تا صرخت متل صرخة يوحنّا المعمدان. عم إركض بها الليل متل الريح، متل البرق هلّي بالسما، والغيم خيل الحرْب، فرسان وعَبيد زغار، وقلاع الحجر، ومخزّقه تياب الحقول الخضر عا مَدّ النظر. قدّيش بَدّو بعْد يغمرْني الشتي، إتْصوَّر وإبعت من غْيابي صوّر؟ عمري تركني وراح. تركوني الغجر ببلاد ما فيها شجر. روحي ما بعرف وين؟ ما بعرف مصيري. هون عم خرطش لكي بيوت الشعر... مطلع وحيد... وما قدرت أفهم كلامي... كيف بدّو يطْلع الشعر الحلو من محبَرة جرحي الغميق؟ وإنتي ما فيّي لقيتْ عا ذوقِك قصايد من عَقيق. غير السكت ما قدرت إهدي... وما قدرتْ إشرح لكي إنّو هَواكي من حريق. من صرخة البركان، من نغمة قصب. حُبّي لكي ما بينْكتبْ... إلاّ بقصيدِه من غضبْ.

***

حُبّي لكي الغيم اللي فوق المملكِه. القمح. الفجر. وجنينة الفيها عَبير الياسمين. حبّي لِكي أحلَى من غناني الطيور الطايرَه فوق الشجر. أعلى من سيوف الملوك الفاتحين. ساعات هادي متل طفل زْغير عا مَرجُوحتو. ساعات بيهبّط دِني، وبْيتْرك جْوانح سُنونو عالرَّصيف منتّفين. هُوّي التناقُض... صرتْ مِنّو إهرُب وهُوّي معي. وكلما قلت: بدّي شي لحظه نام، لحظه غمِّض العينين، بيفِيق الحنين. كلّ القصص عنونتها إنتي وأنا، وإنتي وأنا متل الحياة معذّبين.

***

يا زْغيَّره وخصْرك عِلي، متل الكأنّو حَور عا مرايِة سَما. وصوتِك ورايي، بْيـِطلَع من الأرض، وبْيحْكي معي... ولولا قلت ما بِسْمعو، بيضلّ طُول الليل قدّامي، وأنا شاعر وحيد. ليلى ما إنتي ولا هند، إنتي إلاهه من قبل فينيقيا، عيونِك بُحيرَه ضاع فيها ناس، وشفافِك عِنب أحمر تا فيّي إقطْفو عربَشتْ عا أعلى جَبل، علّقت حالي بالهوا، وما قدرتْ حَبِّه طالها. وتا ضَلّ إقشع درفة الشبّاك، تا إبقى عا طول العمر شمّ العطرْ من فستانك الكلّو زَهر، قاعد بنصّ الشارع بغنّي لكي، والناس وقفو بالبرد تا يسمعو، قلتلّهن روحو اسألوها كيف هالشبّاك ما بيفْتَح إلو مِيّة سنِه، وشوقي لها أكبر من بحور الدّني؟

***

هيدي حياتي، عايش بلا قلب، من وقت اللي قلبي راح تا يزورِك بفيّ القنطره. والناس قالو: حالْتك حالي، وأنا بالسوق عم دوّر عا قلب جديد، لكنْ... سكّر البيّاع من شهرين، ودْروبي عا طُول مْسَكّرَه.

________________________

مشروع الأديب د. جميل الدويهي " أفكار اغترابيّة" للأدب الراقي - سيدني أستراليا

لا يتلقّى مشروع أفكار اغترابيّة أي دعم أو مساعدة من مؤسسات حكومية أو غير حكومية.

هو مشروع شخصي أطلقه الأديب د. جميل الدويهي عام 2014-2015، ويعمل بمحبة الناس وتقديرهم للدور الأدبي الكبير الذي يقوم به المشروع لتطوير الحركة الأدبية، وإبراز الوجه المشرق لحضارتنا وثقافتنا العريقة.

يقوم أفكار اغترابية على تعدد في الأنواع الأدبية، ورعاية الأقلام المبدعة واحتضانها... وتحديث في وسائل التعبير، بهدف إطلاق النهضة الاغترابية الثانية من أستراليا. 

_____________________________

 

قصيدة الشاعر د. جميل الدويهي "كلما طلعتْ عا خيمتي"

في جريدة "نداء الوطن" - بيروت - عدد السبت 2 كانون الثاني 2021