Search
  • Jamil Doaihi

مريم الدويهي: الأسرار في نصّ "العباقرة الأربعة" للدكتور جميل الدويهي


ماذا يريد المفكر والأديب اللبناني المهجري د. جميل ميلاد الدويهي في أقصوصته "العباقرة الأربعة" من عمله الفكري الجديد "في معبد الروح 2"، الذي يصدر عام 2016؟ (نشرت الأقصوصة مؤخراً على "الفايسبوك"). وقد علمتُ أنّ "العباقرة الأربعة" هي النص رقم 20 في الكتاب، وفيها قليل من الأسرار وكثير من التوضيح. فلعبة الأسرار هي من ضرورة الأدب الرمزي الذي ينكبّ الأديب الدويهي عليه، من غير أن يقطع الصلة مع الواقع، إذ يمكن اعتبار نصوص الدويهي واقعية لكنّها رمزية اللغة من ضمن المذهب الواقعي – الرمزي الذي يميل إليه. وقد وضع الدويهي أمامه جملة من الأهداف الفنية والفكرية والفلسفية، لكنّ أهمّ تلك الأهداف توصيل رسائل بالغة الأهمية، وقد وصلت، من خلال الشخصيات الأربعة الذين أرادهم أن يكونوا بَريده إلى المتلقي، وإلى العالم، في مرحلة تبشيريّة من أدبه الغنيّ، والشخصيّات الأربعة الذين يوظّفهم الدويهي في نصّه يعارِضونه في أفكاره. إنهم مجموعة من الرجال يأتون إلى المعبد الذي بناه الدويهي للتوّ على أنقاض معبد قديم، بعد أن سلّم المعبد لتلميذه في الكتاب الأوّل، وهؤلاء الرجال لم يجيئوا إلى المعبد من قبل، هم غرباء لا يعرفهم، والكاهن في معبد الروح يعرف الناس من وجوههم، وهم قلّة يأتون إلى المكان البعيد عن المدينة. ويظهّر الدويهي التعارض بين الزائرين الأربعة والكاهن، فالأوّل يعترض ويحتجّ لأنّ اللصّ دخل إلى المعبد واستولى على ماله ومال الكاهن أيضاً، لكنّ الكاهن يواجهه بالقول: "لعلّك لم تقرأ كلام القائل: إنّ الخير إذا جاع يطلب الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة... فأنت الكهف المظلم الذي جاء إليه الخير ليأخذ منه طعامه، وأنا المياه المنتة الراكدة التي جاء يسعى إليها في تعطّشه. وإذا كنت تتعجّب من أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الأخيار، فلا شكّ في أنّك لم تسمع كلام القائل: "ليت الظباء تستطيع أن تعلّم السلاحف كيف تجري بسرعة". وينصرف الزائر الأول غاضباً حين يسمع هذا الكلام، ويخرج ولا يعود أبداً. أمّا الزائر الثاني، فهو غريب أيضاً ومن وراء البحر البعيد، ويعتقد أنّ الإنسان قويّ وعظيم ولا حاجة لوجود الله، فلا يدينه الكاهن في ما ذهب إليه، وهو القائل في كتابه الأول إنه لا يدين الكافرين ولا يعاقبهم (عظة القاتلون بالسيف)، بل هو يحاول إقناعهم بالمنطق، فإذا اقتنعوا كان اقتناعهم ولادة ثانية لهم وإذا لم يقتنعوا لا يكون عدم اقتناعم موتاً لهم. ولكنّ الكاهن لا يقف مكتوف اليدين أمام حجّة الزائر الغريب، بل يسأله أن يقتلع شجرة يابسة من أمام المعبد لم يستطع المكارون اقتلاعها عندما ربطوها إلى خيولهم وحاولوا جرّها، فيجيب الزائر: كيف تريدني أن أقتلع الشجرة بيديّ إذا كان المكارون لم يفلحوا في اقتلاعها؟ وعند ذلك يفهمه الكاهن أنّ الله أقوى من الإنسان لأنّه يستطيع اقتلاع الشجرة وزلزلة الأرض. أما الزائران الثالث والرابع فأحدهما غربيّ والآخر شرقيّ، الأوّل دخل إلى المعبد والثاني بقي خارجاً لأنّه لا يحب المعابد. وهما يبحثان عن الشيطان ولا يجدانه. ويزعم الغربيّ أن الله قد تآمر مع الشيطان وأرسله إليه لكي يوقعه في الشرور، أمّا الثاني فيرى أنّ الشيطان هو المسؤول عن تطوّر البشرية وتقدّمها. وينصب اهتمام الكاهن على ثلاثة أمور: الأول عدم إدانة الرجل الذي لم يدخل إلى المعبد، واعتبار أنه يعبد الله على طريقته، مستشهداً بكلام المعلم الأكبر (يسوع المسيح) "من ليس ضدنا فهو معنا"، والثاني إقناع الرجل الغربي بأنه كان يفعل الشرور في حياته منذ ولد، وهو ما يزال يفعل الشرّ بعد أن ضاع منه شيطانه، فالله لا يتآمر مع الشيطان، والإنسان فيه الخير وفيه الشر، والشيطان يكون في نفسه عندما يتغلب الشرّ الذي فيه على الخير. أما الأمر الثالث فهو إقناع محدّثه بأنّ الله أعطانا الفكر والنور ونحن مسؤولون عن تقدّم البشرية وليس للشيطان أي دور في ذلك. اعتقادات الدويهي: بناء على النص الذي بين أيدينا، يمكن أن نستخلص جملة من اعتقادات للدويهي، لا تختلف إطلاقاً عن اعتقاداته في الكتاب السابق، وهي: -إن الذي يرتكب المعاصي والمآثم يجب أن يُعاقب وإلاّ تحوّل العالم إلى بؤرة للفساد والشرّ، فالغفران عند الدويهي يكون لأولئك الناس الذين نسوا أن يضعوا زيتاً في مصباحهم، وعندما انتبهوا وضعوا فيه زيتاً، فهؤلاء أصلاً يعيشون في النور ولكنّ النور يخبو ويضعف أحياناً في نفوسهم، أما الذين في نفوسهم عتمة ولم يحملوا مصباحاً في حياتهم، فيجب أن يُحاسبوا لكي لا يقع الناس ضحايا لهم. وهذا الاتجاه الدويهي يناقض المذهب الذي يقول إن الإنسان خيّر دائماً ليس فيه شر، وقد يرتكب الشرور لأنه يجوع أو يعطش. -إن الله موجود، والانسان لا يستطيع أن يكون هو الله مهما كانت قوته، والتقمص عدة مرات (التقمص 7 مرات عند جبران مثلاً) لا يؤهّل الإنسان لأن يكون إلهاً، فالدويهي يعتقد أنّ التقمص ملايين المرات لا يوفّر للإنسان الحقيقة الكاملة ولا يمحو الشر من نفسه، والله هو الحقيقة الكاملة وهو الخالي من الشرّ. -إنّ الذين ادّعوا أنّهم هم الله والله هم (كالحلاّج والسهروردي) لم يكن قصدهم كذلك، بل أرادوا أن يصوّروا مقدار العلاقة التي تجمعهم مع الله من خلال العبادة، فأخطأوا في التعبير وعوقبوا شرّ عاقبة، فاسمعه يقول: "بعضهم يغرقون في الخير وفي محبّة الله حتّى الاعتقاد أنّهم والله واحد، وكم قرأنا في الكتب عن أناس تعرّضوا للعقاب والجلد والحرق لأنّهم قالوا كلاماً لم يفهمه الملوك. فلا أعتقد أنّ عاقلاً يستطيع أن يقول إنّه إله، ولكنّ المبالغة في الكلام أوقعت الكثيرين في المهالك... هل فهمت ما أعني؟" -إن الخير والشرّ موجودان في الإنسان، وسخافة القول إن الله يتأمر مع الشيطان لكي يوقع الإنسان في المهالك. -الشيطان غير مسؤول عن تطوّر البشرية، فالفكر الذي أعطاه الله للإنسان هو الأداة التي بها يخترع ويتقدّم. وإن الاعتقاد أنّ الآلة فيها شيطان هو من خرافات العامة، ولا يتوافق مع الحقيقة مطلقاً، بحسب رأي الدويهي. أسرار النصّ: ربّما نكون حتّى الآن غير قادرين على اكتشاف أحد أهمّ أسرار النصّ الدويهي، وقد نكون مستعجلين كثيراً لكي نسأل الأديب: من هم الشخصيّات الأربعة؟ ولماذا لم تذكر أسماءهم في الأقصوصة الهادفة؟ وهذا الغموض يريده الدويهي من السمات المؤثّرة في عمله الأدبي، بحيث يترك للمتلقي فرصة التحليل والمقارنة والنقاش، غير عالم أنّ المتلقي منشغل في أمور كثيرة، وغير مهتمّ باكتشاف الأسرار، ما عدا قليلاً من المثقفين الذين قد يستفزّهم الموقف الأدبي ويسعون إلى الكشف... الزائر الأول من غير شكّ هو جبران خليل جبران، وقد غضبَ من السارق الذي استولى على ماله، فأعاد الكاهن على أسماعه ما قاله في نصّ "الخير والشرّ" - كتاب النبي، عن الخيرالذي يجوع ويعطش فيضطر إلى السرقة، وعن السلحفاة البطيئة إلى عمل الخير والظباء السريعة إلى عمل الخير، ولذلك يغضب جبران لأنّ الموقف الحياتي فرض عليه أن يخالف تعاليمه وينسى ما قاله في "النبي". الشخصيّة الثانية التي جاءت من وراء البحر الكبير هو الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وقد أقنعه الدويهي - إذا اقتنع - بأن الله موجود وهو أقوى من الإنسان، ووجوده حاجة لا يمكن الاستغناء عنها. فالله -كما يقول الدويهي- ليس كائناً مجسّماً بل هو الكل في الكلّ والنور في النور. ويقول الدويهي إن الناس قد أخطأوا عندما ظنّوا أن الله إنسان مثلهم، ولا يستطيع أن يزيح الجبل من مكانه أو يقتلع شجرة من أصولها، وهذه الصورة جعلت الكثيرين ينكرون الله وقدرته الأزلية. والزائر الثالث هو الكاتب والشاعر الألماني وولفغانغ غوته الذي صوّر في بداية مسرحيته الشهيرة "فاوست" أن الله تآمر مع الشيطان وأرسله إلى فاوست لكي يقوده في طريق الشرّ. "وهكذا يدع الله الشيطان أن يقتاد الإنسان إلى الهاوية" (فاوست، الجزء 1، ص 92). أما الفلسفة الدويهية فغير ذلك، ومفادها أنّ الشر ليس طارئاً على الناس، بل هو فيهم منذ الولادة، كما أنّ الخير فيهم منذ الولادة أيضاً، وقد جعل زائره في المعبد يعترف بأنّه كان يفعل الشرّ قبل مجيء الشيطان إليه وبعد ان رحل عنه، فعن أيّ شيطان يتحدث إذن؟ أمّا الشخصية الرابعة التي بقيتْ خارجاً فستبقى سرّاً من الأسرار التي لا يعرفها إلاّ كاتب الأقصوصة، وهو لا يفصح عنها. ولا أحد يستطيع أن يجبره على ذلك، وهو القائل في ديوانه الجديد "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى كان": "في رأسي قبيلة من الجنّ. عقلي من خشب قديم لا يتنجّر."

#كتاب