Search
  • Jamil Doaihi

مريم الدويهي تكشف الأسرار في نصّ "العباقرة الأربعة"


الأسرار في نصّ الدويهي "العباقرة الأربعة" بقلم الأستاذة مريم الدويهي

نصّ "العباقرة الأربعة": من كتاب "في معبد الروح 2" للأديب المهجري د. جميل ميلاد الدويهي- النص 20

يصدر الكتاب في 30 تموز 2016

جاء إلى المعبد رجل لا أعرفه، وبدا هادئ الطباع، حادّ النظرات، له شاربان خفيفان. كان يتأمّل في أرجاء المعبد ولا يتكلَّم، وكأّنّي به أخذته دهشة، لأنّ المكان يختلف عمّا رآه في الماضي من الزخارف والأعمدة التي ترتفع في المعابد. وبينما كنت أرحّب به وأسأله عن حاله، دخل علينا لصٌّ يضع على وجهه قناعاً، ويحمل سكّيناً كبيرة، وقال: أعطياني ما لديكما من أموال. فارتعد زائري وانفعل، بينما كان يأخذ ما في جيبه من نقود ويضعه في يد اللصّ، ومثله فعلت أنا. فخرج اللصّ على عجل وتوارى عن الأنظار. قال زائري ولم يذهب عنه الوجل: أرأيت كيف أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الخيّرين؟ أليس من رجال شرطة في هذه النواحي نشكو إليهم أمرنا، ونطالبهم بأن يقبضوا على هذا اللصّ ويعيدوا إلينا أموالنا؟ قلت له: سمعت أحد الحكماء يقول: "إنّ الخير إذا جاع يطلب الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة"... فأنت الكهف المظلم الذي جاء إليه الخير ليأخذ منه طعامه، وانا المياه المنتنة الراكدة التي جاء يسعى إليها في تعطّشه. وإذا كنت تتعجّب من أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الأخيار، فلا شكّ في أنّك لم تسمع كلام القائل: "ليت الظباء تستطيع أن تعلّم السلاحف كيف تجري بسرعة". رمقني الرجل بنظرة غاضبة، ولم يقل شيئاً، لكنّه هرول من الباب مسرعاً، ولم أعد أراه منذ تلك الساعة. ولم تمض دقائق حتى دخل عليّ رجل لا أعرفه أيضاً، وبعد التحيّة، قال لي إنَّه من بلاد أخرى تقع وراء البحر الكبير، وقد أمضى حياته يبحث عن الله ولم يجده، حتّى وصل إلى قناعة مفادها أنَّ وجود الله ليس ضرورة، وطالما أنّ الإنسان فيه القوّة والإرادة والعزيمة، فلماذا يحتاج إلى الله؟ قلت للرجل: لست أحكم عليك ولا أدينك في ما ذهبت إليه، ولكنّي صدقاً أقول لك إنّ في ساحة المعبد شجرة كبيرة، وقد يبستْ منذ زمن بعيد، وأردت أن أقتلعها من جذورها لأنّها لا تنفع لشيء، وطلبت من المكارين الذين يمرّون من أمام المعبد أن يربطوها بالحبال إلى خيولهم ويحاولوا اقتلاعها، فلم يفلحوا، فهل تقدّم لي خدمة صغيرة وتساعدني في اقتلاعها بيديك؟ نظر إليّ الرجل بتعجّب وقال: كيف أقتلعها بيديّ الاثنتين وأنت تقول إنّ الخيول لم تتمكّن من اقتلاعها؟! قلت للرجل: لكنّ الله يستطيع أن يقتلع الشجرة من أصولها، وأن يُنزل عليها صاعقة فتشقّها إلى نصفين، ويمكنه أن يبعث طوفاناً في اللحظة فيجرف الأرض وما عليها، ونبحث أنت وأنا عن سفينة نوح لكي ننجو. ارتبك الرجل وتلعثم، وكأنّي به لا يعثر على جواب. وعندما ودّعني ليمضي إلى سبيله، كان يجرّ أذياله على التراب. وفيما غاب في الأشجار الكثيفة متوجّهاً إلى البحر الكبير، كنت أودّعه بنظراتي، وأطلب من الله أن يرافقه ويَظهر له، فيعرفه عن قرب ويوفّر عليه مشقّة البحث عن المعرفة والعذاب من أجلها. وما كاد زائري يختفي حتى جاء زائران آخران، أحدهما شرقيّ السمات، والأخر غربيٌّ أشقر الشعر. بقي الشرقيُّ خارجاً ولم يدخل إلى المعبد، بينما دخل الغربيّ وسألني بلهفة: هل رأيت صديقاً لي أضعته منذ أيّام؟ لقد تعبت ولم أعثر عليه. قلت: لعلّه الذي كان عندي منذ قليل وذهب في الغابة... إنّه غريب من وراء البحار البعيدة، ويعتقد أنّ الإنسان ليس في حاجة إلى إلهه. أجابني الغربيّ: عرفته، وقرأت له... إنّه فيلسوف عظيم... لكنْ... لكنْ ما شأني به؟ أنا أبحث عن شيطاني الذي تآمر مع الله، وجاء لكي يدلُّني على طريق الشرّ، ويرافقني في كلّ خطوة أخطو بها. استغربت كلام الرجل، وسألته: هل تآمر الشيطان مع الله لكي يوقع بك؟ أجاب: نعم. وقد تعاهدتُ مع شيطاني على البقاء معاً، لكنّه تركني بينما كنت نائماً وانصرف. وقد التقى به صديقي الآخر الذي يمكث خارجاً. -عجيب كلامك يا رجل... ألم يخبرك صديقك إلى أين ذهب الشيطان؟ -لا. لقد صادفَه على جسر، وتحادثا. وأعلن الشيطان أنّه هو الذي وفّر للبشريّة سبل التقدّم ودلّها على مسالك العلم... قال الشيطان ذلك واختفى، ولا نعلم إلى أين ذهب. -ولماذا لا يدخل صاحبك إلى هنا، ويخبرنا عمّا جرى له مع شيطانك؟ -إنّه لا يحبّ المعابد. -وهل هو مؤمن؟ -نعم... يؤمن بالله على طريقته ولا يختلف مع المؤمنين الآخرين إلاّ ببعض القشور. -إذن هو يعرف الله، وإلهه لا يختلف عن إلهنا... من ليس ضدّنا فهو معنا... هكذا يقول المعلّم الأكبر. -لا يهمّني ماذا يقول المعلّم الأكبر، أريد شيطاني. -ولماذا تريده؟ -لأنّه يزيّن لي طريق الشهوة ويساعدني على عمل الشرّ. فكّرت في كلام الرجل، وأدركت كم هو جاهل، على الرغم من ادّعائه العلم. قلت له بعجل: كم كان عمرك عندما جاء الشيطان إليك؟ قال: كنت في الثلاثين من عمري. قلت له: لقد وقعت ضحيّة النسيان وخانتك الذاكرة أيّما خيانة. فهل كنت لا تفعل الشرور منذ ولادتك حتّى أصبحت في الثلاثين من عمرك؟ وهل توقّفت عن عمل الخطيئة بعدما فقدت شيطانك؟ أجاب وهو يحكّ رأسه وكأنّه يستعرض الماضي الغابر من حياته كشريط لا يتوقّف: نعم فعلت الخطيئة، وأنا أفعلها الآن. قلت: أنت رجل صالح حين تعترف بأنّك كنت خاطئاً وما تزال، وإنّني أعرف أنّ فيك كثيراً من الخير، فليس من إنسان يخلو من الخير والشرّ، لكنّهما يتصارعان في نفسه، فتارة يغلب الخير وتارة يغلب الشرّ. صدقاً أقول لك إنّ اللصّ الذي سرق أموال المعبد سيُطعم أبناءه الجياع، وقد يصادف رجلاً فقيراً مُعدماً يشحذ على الرصيف فيعطيه قليلاً من الدراهم. عد يا بنيّ إلى منزلك، ولا تدع الوساوس تهيمن عليك، فليس من شيطان خارج الإنسان، والله ليس في حاجة إلى الشيطان لكي يساعده على الإيقاع بك. وقد أعطاك العقل لتفّكر وتختار. كان الرجل بقكّر بصمت، بينما تابعت كلامي قائلاً: إنّ كثيراً من البشر يتركون الشرّ يتملّك أرواحهم، فلا يبقى من الخير في نفوسهم إلاّ قطرات قليلة، تشبه قطرات الندى على غصن شجرة، فهؤلاء هم الطغاة والظالمون، وبعضهم يغرقون في الخير وفي محبّة الله حتّى الاعتقاد أنّهم والله واحد، وكم قرأنا في الكتب عن أناس تعرّضوا للعقاب والجَلد والحرق لانّهم قالوا كلاماً لم يفهمه الملوك. فلا أعتقد أنّ عاقلاً يستطيع أن يقول إنّه إله، ولكنّ المبالغة في الكلام أوقعت الكثيرين في المهالك... هل فهمت ما أعني؟ وبينما كنت أنتظر من زائري جواباً، صاح الرجل الذي في الخارج قائلاً: لماذا نضيّع وقتنا في جدال لا طائل منه؟ إنّ أمامنا عملاً كثيراًً، فقد لا نستطيع بعد الآن العثور على الشيطان. قلت للرجل الواقف أمامي: هل سمعت؟ إنّه يسعى وراء الشيطان لأنّه صدّق أنّه مسؤول عن تطوّر الخليقة. وصدقاً أقول لك إنّ الله وضع في كلّ واحد منّا عقلاً، لا ليمشي إلى الوراء، ولا ليتحجّر في شرنقة الجمود... نحن المسؤولون عن التقدّم والتأخّر، ونحن نحمل رسالة وعلينا أن نوصلها... وكم يكون فاشلاً مَن يتعب من حمل الرسالة فيرمي بها في الرياح قبل أن يبلغ هدفه. انحنى الرجل أمامي انحناءة تعبّر عن شعوره بالرضى والاحترام، ثمّ غادر لينضمّ إلى صاحبه الذي سمعته يهذر: لقد كان على الجسر، ودعوته إلى بيتي، فشربنا معاً... وبعد قليل طلبتـُه ولم أجده... يا له من شيطان... يا له من شيطان! جميع الحقوق محفوظة للأديب اللبناني المهجري د. جميل ميلاد الدويهي- لأدب مهجريّ راقٍ من أستراليا

***

مريم الدويهي تكشف الأسرار

ماذا يريد المفكر والأديب اللبناني المهجري د. جميل ميلاد الدويهي في أقصوصته "العباقرة الأربعة" من عمله الفكري الجديد "في معبد الروح 2"، الذي يصدر عام 2016؟ (نشرت الأقصوصة مؤخراً على "الفايسبوك").

وقد علمتُ أنّ "العباقرة الأربعة" هي النص رقم 20 في الكتاب، وفيها قليل من الأسرار وكثير من التوضيح. فلعبة الأسرار هي من ضرورة الأدب الرمزي الذي ينكبّ الأديب الدويهي عليه، من غير أن يقطع الصلة مع الواقع، إذ يمكن اعتبار نصوص الدويهي واقعية لكنّها رمزية اللغة من ضمن المذهب الواقعي – الرمزي الذي يميل إليه. وقد وضع الدويهي أمامه جملة من الأهداف الفنية والفكرية والفلسفية، لكنّ أهمّ تلك الأهداف توصيل رسائل بالغة الأهمية، من خلال الشخصيات الأربعة الذين أرادهم أن يكونوا بَريده إلى المتلقي، وإلى العالم، في مرحلة تبشيريّة من أدبه الغنيّ، والشخصيّات الأربعة الذين يوظّفهم الدويهي في نصّه يعارِضونه في أفكاره. إنهم مجموعة من الرجال يأتون إلى المعبد الذي بناه الدويهي للتوّ على أنقاض معبد قديم، بعد أن سلّم المعبد لتلميذه في الكتاب الأوّل، وهؤلاء الرجال لم يأتوا إلى المعبد من قبل، هم غرباء لا يعرفهم، والكاهن في معبد الروح يعرف الناس من وجوههم، وهم قلّة يأتون إلى المكان البعيد عن المدينة. ويظهّر الدويهي التعارض بين الزائرين الأربعة والكاهن، فالأوّل يعترض ويحتجّ لأنّ اللصّ دخل إلى المعبد واستولى على ماله ومال الكاهن أيضاً، لكنّ الكاهن يواجهه بالقول: "لعلّك لم تقرأ كلام القائل: إنّ الخير إذا جاع يطلب الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإذا عطش فإنّه يشرب من المياه المنتنة الراكدة... فأنت الكهف المظلم الذي جاء إليه الخير ليأخذ منه طعامه، وأنا المياه المنتة الراكدة التي جاء يسعى إليها في تعطّشه. وإذا كنت تتعجّب من أنّ الأشرار يتحكّمون بمصائر الأخيار، فلا شكّ في أنّك لم تسمع كلام القائل: "ليت الظباء تستطيع أن تعلّم السلاحف كيف تجري بسرعة". وينصرف الزائر الأول غاضباً حين يسمع هذا الكلام، ويخرج ولا يعود أبداً. أمّا الزائر الثاني، فهو غريب أيضاً ومن وراء البحر البعيد، ويعتقد أنّ الإنسان قويّ وعظيم ولا حاجة لوجود الله، فلا يدينه الكاهن في ما ذهب إليه، وهو القائل في كتابه الأول إنه لا يدين الكافرين ولا يعاقبهم (عظة القاتلون بالسيف)، بل هو يحاول إقناعهم بالمنطق، فإذا اقتنعوا كان اقتناعهم ولادة ثانية لهم وإذا لم يقتنعوا لا يكون عدم اقتناعم موتاً لهم. ولكنّ الكاهن لا يقف مكتوف اليدين أمام حجّة الزائر الغريب، بل يسأله أن يقتلع شجرة يابسة من أمام المعبد لم يستطع المكارون اقتلاعها عندما ربطوها إلى خيولهم وحاولوا جرّها، فيجيب الزائر: كيف تريدني أن أقتلع الشجرة بيديّ إذا كان المكارون لم يفلحوا في اقتلاعها؟ وعند ذلك يفهمه الكاهن أنّ الله أقوى من الإنسان لأنّه يستطيع اقتلاع الشجرة وزلزلة الأرض وإرسال طوفان. أما الزائران الثالث والرابع فأحدهما غربيّ والآخر شرقيّ، الأوّل دخل إلى المعبد والثاني بقي خارجاً لأنّه لا يحب المعابد. وهما يبحثان عن الشيطان ولا يجدانه. ويزعم الغربيّ أن الله قد تآمر مع الشيطان وأرسله إليه لكي يوقعه في الشرور، أمّا الثاني فيرى أنّ الشيطان هو المسؤول عن تطوّر البشرية وتقدّمها. وينصب اهتمام الكاهن على ثلاثة أمور: الأول عدم إدانة الرجل الذي لم يدخل إلى المعبد، واعتبار أنه يعبد الله على طريقته، مستشهداً بكلام المعلم الأكبر (يسوع المسيح) "من ليس ضدنا فهو معنا"، والثاني إقناع الرجل الغربي بأنه كان يفعل الشرور في حياته منذ ولد، وهو ما يزال يفعل الشرّ بعد أن ضاع منه شيطانه، فالله لا يتآمر مع الشيطان، والإنسان فيه الخير وفيه الشر، والشيطان يكون في نفسه عندما يتغلب الشرّ الذي فيه على الخير. أما الأمر الثالث فهو إقناع محدّثه بأنّ الله أعطانا الفكر والنور ونحن مسؤولون عن تقدّم البشرية وليس للشيطان أي دور في ذلك. اعتقادات الدويهي: بناء على النص الذي بين أيدينا، يمكن أن نستخلص جملة من اعتقادات للدويهي، لا تختلف إطلاقاً عن اعتقاداته في الكتاب السابق، وهي: -إن الذي يرتكب المعاصي والمآثم يجب أن يُعاقب وإلاّ تحوّل العالم إلى بؤرة للفساد والشرّ، فالغفران عند الدويهي يكون لأولئك الناس الذين نسوا أن يضعوا زيتاً في مصباحهم، وعندما انتبهوا وضعوا فيه زيتاً، فهؤلاء أصلاً يعيشون في النور ولكنّ النور يخبو ويضعف أحياناً في نفوسهم، أما الذين في نفوسهم عتمة ولم يحملوا مصباحاً في حياتهم، فيجب أن يُحاسبوا لكي لا يقع الناس ضحايا لهم. وهذا الاتجاه الدويهي يناقض المذهب الذي يقول إن الإنسان خيّر دائماً ليس فيه شر، وقد يرتكب الشرور لأنه يجوع أو يعطش. -إن الله موجود، والانسان لا يستطيع أن يكون هو الله مهما كانت قوته، والتقمص عدة مرات (التقمص 7 مرات عند جبران مثلاً) لا يؤهّل الإنسان لأن يكون إلهاً، فالدويهي يعتقد أنّ التقمص ملايين المرات لا يوفّر للإنسان الحقيقة الكاملة ولا يمحو الشر من نفسه، والله هو الحقيقة الكاملة وهو الخالي من الشرّ. -إنّ الذين ادّعوا أنّهم هم الله والله هم (كالحلاّج والسهروردي) لم يكن قصدهم كذلك، بل أرادوا أن يصوّروا مقدار العلاقة التي تجمعهم مع الله من خلال العبادة، فأخطأوا في التعبير وعوقبوا شرّ عاقبة، فاسمعه يقول: "بعضهم يغرقون في الخير وفي محبّة الله حتّى الاعتقاد أنّهم والله واحد، وكم قرأنا في الكتب عن أناس تعرّضوا للعقاب والجلد والحرق لأنّهم قالوا كلاماً لم يفهمه الملوك. فلا أعتقد أنّ عاقلاً يستطيع أن يقول إنّه إله، ولكنّ المبالغة في الكلام أوقعت الكثيرين في المهالك... هل فهمت ما أعني؟" -إن الخير والشرّ موجودان في الإنسان، وسخافة القول إن الله يتأمر مع الشيطان لكي يوقع الإنسان في المهالك. -الشيطان غير مسؤول عن تطوّر البشرية، فالفكر الذي أعطاه الله للإنسان هو الأداة التي بها يخترع ويتقدّم. وإن الاعتقاد أنّ الآلة فيها شيطان هو من خرافات العامة، ولا يتوافق مع الحقيقة مطلقاً، بحسب رأي الدويهي. أسرار النصّ ربّما نكون حتّى الآن غير قادرين على اكتشاف أحد أهمّ أسرار النصّ الدويهي، وقد نكون مستعجلين كثيراً لكي نسأل الأديب: من هم الشخصيّات الأربعة؟ ولماذا لم تذكر أسماءهم في الأقصوصة الهادفة؟ وهذا الغموض يريده الدويهي من السمات المؤثّرة في عمله الأدبي، بحيث يترك للمتلقي فرصة التحليل والمقارنة والنقاش، غير عالم أنّ المتلقي منشغل في أمور كثيرة، وغير مهتمّ باكتشاف الأسرار، ما عدا قليلاً من المثقفين الذين قد يستفزّهم الموقف الأدبي ويسعون إلى الكشف... الزائر الأول من غير شكّ هو جبران خليل جبران، وقد غضبَ من السارق الذي استولى على ماله، فأعاد الكاهن على أسماعه ما قاله في نصّ "الخير والشرّ" - كتاب النبي، عن الخيرالذي يجوع ويعطش فيضطر إلى السرقة، وعن السلحفاة البطيئة إلى عمل الخير والظباء السريعة إلى عمل الخير، ولذلك يغضب جبران لأنّ الموقف الحياتي فرض عليه أن يخالف تعاليمه وينسى ما قاله في "النبي". الشخصيّة الثانية التي جاءت من وراء البحر الكبير هو الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وقد أقنعه الدويهي - إذا اقتنع - بأن الله موجود وهو أقوى من الإنسان، ووجوده حاجة لا يمكن الاستغناء عنها. فالله -كما يقول الدويهي- ليس كائناً مجسّماً بل هو الكل في الكلّ والنور في النور. ويقول الدويهي إن الناس قد أخطأوا عندما ظنّوا أن الله إنسان مثلهم، ولا يستطيع أن يزيح الجبل من مكانه أو يقتلع شجرة من أصولها، وهذه الصورة جعلت الكثيرين ينكرون الله وقدرته الأزلية. والزائر الثالث هو الكاتب والشاعر الألماني يوهان وولفغانغ غوته الذي صوّر في بداية مسرحيته الشهيرة "فاوست" أن الله تآمر مع الشيطان وأرسله إلى فاوست لكي يقوده في طريق الشرّ. "وهكذا يدع الله الشيطان أن يقتاد الإنسان إلى الهاوية" (فاوست، الجزء 1، ص 92). أما الفلسفة الدويهية فغير ذلك، ومفادها أنّ الشر ليس طارئاً على الناس، بل هو فيهم منذ الولادة، كما أنّ الخير فيهم منذ الولادة أيضاً، وقد جعل زائره في المعبد يعترف بأنّه كان يفعل الشرّ قبل مجيء الشيطان إليه وبعد ان رحل عنه، فعن أيّ شيطان يتحدث إذن؟ أمّا الشخصية الرابعة التي بقيتْ خارجاً فستبقى سرّاً من الأسرار التي لا يعرفها إلاّ كاتب الأقصوصة، وهو لا يفصح عنها. ولا أحد يستطيع أن يجبره على ذلك، وهو القائل في ديوانه الجديد "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان": "في رأسي قبيلة من الجنّ. عقلي من خشب قديم لا يتنجّر."

#كتاب

3 views0 comments