Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم: عندما تُنحَر الكلمة


دُعيتُ إِلى عرس " كلمة " من بين أَعراس فكرٍعديدةٍ، فلبَّيتُ مسرورًا: لأَنَّ إِليها في الفكر نزعةٌ وفي القلب هوىً...

شرع المدعوون يتقاطرون للدّخول إِلى قاعة الإِحتفال بعرس الكلمة...واستووا في مقاعدهم مترقِّبينَ إِطلاق صفّارة البدء – كما العادة – وقوفًا للنَّشيد الوطني، فالكلمة الـمُدخَل، وتقديم طليعة المتكلِّمين... وكان من أَسياد الكلمة والمنبر؛ المشهود له بالكِبرِ والدّماثـة في آنٍ.

وما إِن طفقَ يتحدَّثُ بالكتاب - موضوع اللِّقاء – وصاحبه، حتَّى بدأت لالوشوشات الجَّانبيَّة تتناهى إِلى مسامعه رويدًا رويدًا... وراحت عقيرةُ مَن وجدوا في غير موضعهم تعلو شيئًا فشيئًا، مِمَّا اضطُّرَّ المتحدِّث للصَّمتِ كياسةً منه واحترامًا لفكره عند أَكثرَ من محطَّةٍ، علَّه يلفتُ انتباه المتلهِّين إِلى ضرورة التزام آداب الإِنصات إِجلالاً في حضرة الفكر... ولكن عند مَن اعتاد السُّجودَ في محراب الـكـلـمـة!

وصاحبُ الدَّعوة، عشيقُ فكرٍ نحَّاتُ كلمة هو، ولطالـما دغدغَ حروفَها بين يديه فغدت كاعبًا فناهدًا يستطيبُ قُربَها كُلَّ مَن هوى التَّحلُّقَ حولَ منبرٍ أَو الغوصَ خلفَ دُرِّ الكلمة افتتانًا بصباها، وسياحةً في بريقِ عينيها وسوحةِ الرمشينِ تعاقبًا للأَحلام البكرِ...

كلُّ ذلكَ يجري وأَحبابُ الفكر يمتعضون ويتأَفَّفون من صخبٍ وهمسٍ قد علا وطالَ... إِلى أَن استوى الأَثيرُ لطلاَّبه، وانطلقت أَشرعةُ المُتكلمين آمنةً فوق يمِّ بحره محمِلَةً للحاضرين - إِلى قلوبهم والعقول - الكلماتِ جواهرًا ولآلئ انفرجت لها أَساريرُ المعنيين!!

في المنهجيَّة المتَّبعة اليوم في التَّعليم، كِفايةُ " الإِصغاء والتَّعبير " الَّتي يُجهِدُ المعلِّمونَ أَنفسَهم لتعويد المتعلِّمينَ فنَّ إِتقانِها، لأَنَّ مَن لا يُصغي لا يُمكنُهُ التعبير عمَّا يُريد... أَلم يقل نبي جُبران: " إِنَّكم لا تستطيعونَ أَن تترنَّموا بالأَناشيد حتّى تشربوا من نهر الصَّمت "؟ ناهيك إِلى سُليمان الحكيم الـَّذي رأَى أَنَّ " الحكمةَ عشرة أَجزاء: تسعةٌ منها الصَّمت، والعاشرُ قلَّـة الكلام "! فلِما لا نتمرّسُ في الحكمةِ؟!! فنعتصمُ بأَبسط أُصولِها وأَدناها إِلى مُتناول ذهنِنا... لنرتقي سموًّا في حضرة كبارٍ: فلا نهين حضورَهم بثرثراتِنا، ولا نبخُسُهم حقَّهم باحترام فكرهم بانشغالِنا بنافل الأُمور عن جليلِ ما جاؤوا إِلينا به من شهيّ الأَطباق وأَجود الخمور من خزائن ما اختزنوا شخصًا وفكرًا وقلوبًا على مَرِّ السِّنين!!

والحقُّ يُقال، إِنَّ مَن يدعو حضورًا لمشاركته فرحَه بإِطلاق كتابٍ له من معقلِ فكره، إِلى رحاب القلوب والمكتبات، بالطَّبع أَنَّ غايته أَبعد من بيع نتاجه ونوال الوِفر المادِّي: فهو يريدُ لفكرِه أَن يعرِكَ فكرِنا ولدم ِ ريشته أَن يكسُرَ عطشنا إِلى معرفةٍ معجونةٍ بماءِ ورد الجمال ونثرِ باقاتِ اللّوتس إِبداعًا، يطال قلوبنا والعقول عبر متكلِّمين يُطلقونَ مولودَهُ بِما أُوتوا من فن الحديث ومكنوز المعرفة... فأَدنـى درجاتِ اللَّياقة أَن نبادرِ الدَّاعي كما المتكلِّمين بِما يرجونَه من حضورِنا ويأملون: إِحترام وتقدير جهودهما الفكريَّة و... حضورهم من أَجل إِتمام مراسم العرس لأَنَّ، بشهادة عُشَّاق الكلمة، يُطوَّبُ الفكر الإِنسان وقد مازه به خالقُه عن سائر ما خلق وأَبدعَ من قبلُ!!

سليمان يوسف إِبراهيم (عنايا - لبنان)

#كتاب

5 views