Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: للأدب المهجري الراقي موعد آخر


ليس أجمل عندي في عالم الشعر أن يذكرني أحد النقاد الكبار، أو أحد المتذوقين بالخير، وأمس كتب لي الناقد والأستاذ الأكاديمي الكبير د. عصام الحوراني من بيروت عن قصيدتي "تا طير فيكي":

"هذا في الحقيقة شعر... وكفى... أين نحن من هذا الشعر المتأنّق البديع المرصّع بالإيقاعات العذبة التي تتناسب والصور المتنوّعة الحيّة ليمتزج الكلّ في لغة دويهيّة، تطلّ علينا من جنّة إهدن العامرة، فتتلاحق القوافي بمرونة ما بعدها مرونة: "بمشي أنا والدرب عم تمشي... وفارش هَــوا تشرين عــــــا رِمْشي... نْسيتْ اللغه ومـا عرفتْ إكتب سَطر... تاري الحروف تْشرْدقو مــــن القَهر... وفكري طِلِع أزغَــــــر مـن الكَمشِه"... وهل هناك أروع من هذه الفنيّة المبدعة الخلاّقة التي تجعل الفكر أزغر من "كمشة"، فتتشردق الحروف على لسان الكنار فيصمت وتتكلّم لغة القلوب والعيون؟ رائع أنت أيهذا الشاعر الشاعر بحق وحقيقة، حماك الله وأدامك بلبلاً صدّاحًا في دوحة الأدب الحيّ.”

والحوراني يعرف أهل الوفاء وأهل الشعر معاً، ففي كل شهر أو أقلّ أتصل بالأساتذة الكبار في جامعة سيدة اللويزة، وأسلّم عليهم، وأسألهم عن حوالهم وأحوال الوطن الحبيب، حتى باتت بيننا مواعيد مضروبة ينتظرها الزملاء الكبار ويغتبطون بوفائي لهم الذي لا يشيخ مع الأيام. والحوراني شاعر أيضاً، أقرأ له بإعجاب كما يقرأ لي. وهو من وراء البحار يعوّضني عن كثير مما أفقده هنا من عدالة النقد، حيث أن هناك حملة منسّقة إعداداً إخراجاً هدفها التقليل من شأن مشروعي الثقافي "أفكار اغترابية" لأدب مهجري راق، وهو مشروع عملي ملموس، أبعد بكثير من الفولكلور والمظاهر التي لن يذكرها التاريخ. فالأديب يُذكر في كتاب وبما تركه من تراث إنساني وفكري يغني الثقافة والحضارة. فمَن يخبرني بشيء عن شكسبير سوى أعماله الرفيعة؟ وكم نعرف عن إرنست همنغواي وفرانز كافكا وألبير كامو وقبلهما راسين وموليير وبيار كورناي؟ وما هي أهمية القشور التي أحاطت بغوته في مقابل أهمية "فاوست" و"الديوان الشرقي للشاعر الغربي"؟ ومن منا يعرف ما اسم زوجة أمين الريحاني الأميركية، ولا يعرف "جيهان" التي جعلها عنواناً لثورة المرأة في عصر القمع والتحجر، أو لا يعرف "خالد" الخلود والفكر العميق؟ ومن يعرف عن جبران خليل جبران الذي شغل العالم أكثر مما يعرف عن كتاب "النبي"؟ ومن يعرف شيئاً عن فيكتور هيجو أكثر مما يعرف عن "البؤساء"؟

عبثاً نبحث عن أدب في غير الأدب. ولهذا قام مشروع "أفكار اغترابية" بإمكانات مادية قليلة جداً، ووسط حملة عاصفة تحيط به من كل جانب، معروفة أبعادها واهدافها ولماذا نشأت؟ ومن أنشأها؟ وكان الأجدى أن نبارك خطوة في الطريق الصحيح، كما يفعل الغربيون، إذ يقفون وراء مفكريهم أدبائهم وشعرائهم مترفعين عن المشاعر التي تهدم وتقوّض.

إن مشروع "أفكار اغترابية" ليس مشروعاً إجرامياً، ولا هو لترويج المخدّرات، ولا لتدمير المجتمع. هو مشروع فرديّ في الأساس، بناه رجل يريد الخير للعالم، ويبحث عن إنسان جديد، ودين يجمع الشعوب... وفي المقابل ولست أفهم مقدار النفور من فكرة مضيئة، فالزمن يسير إلى الأمام، والأجدى أن نعطي الإنسان فرصة لكي يعمل، أما اليأس فممنوع على أحفاد النسور.

إنه لأمر مثير للسخرية أن يحتج بعض الناس على تسميتي لمشروعي "أفكار اغترابية" بالأدب المهجري الراقي، وكأن أدبي غير راقٍ، أو كأن القمع والإرهاب الفكري والترويع وصلت إلى حد التدخل في الأسماء، والدخول إلى منزلي لإطلاق الأسماء على أولادي، وتحديد عناوين كتبي، فقط لأنّ هناك إنساناً يبكي في الماراتون ويريدنا أن نقف نحن السابقين والمعجّلين إلى خط النهاية لكي يفوز علينا. مسرحية هزلية تضحك الأموات.

يقول الدكتور الأكاديمي من ساكرومنتو (كاليفورنيا)، كلوفيس كرم، عّما أفعله في الأدب المتنوّع في مجالات الرواية، والمقالة، والشعر بأنواعه السبعة، والدراسة الأكاديمية، والتاريخ، والفكر الإنساني، إنني "صاحب النهضة الأدبية الثانية”. وهذا لا يشعرني بالكبرياء ولا بالفخر، فبعض الناس يغطّون عجزعم بالمظاهر البراقة وهذه ليست من سماتي. وكم أقرأ من رسائل تمعن في مدحي وإغداق الألقاب عليّ، فلا يغيّر ذلك مني شيئاً، لأن هدفي أكبر من الألقاب والتكريم... وهل يجوز بعد كل ما أصدرته من أعمال متنوعة في أقل من عامين ألا تُطلق عليّ الألقاب والأوصاف وتسميات كالإمارة والأسبقية والإبداع؟ بلى، قيل الكثير عني، ولكن هذا لا يزيدني ولا ينقصني ولا أتباهى به ولا أنشره كما يفعل السطحيون الذين يغطون فشلهم في اللحاق بالقافلة عن طريق التعمية والحيدية وتوجيه الأنظار نحوهم. وهذا الوصف الذي يطلقه الدكتور كلوفيس كرم يضعني أمام مسؤولية كبيرة، ويدفعني إلى الأمام في مسيرتي، غير عابئ بالصعاب، وإنني أتأسف على مقدار التعب الذي يعتري بعض الناس وهم يعتقدون أن تعبهم قد يمنع الحصاد، وليس في علمهم أن الفلاح يجاهد من أجل حصاده ويسهر عليه. وما إصداري لخمسة كتب في عام واحد إلا للدلالة على أن الإصرار يصنع المعجزات، ولإقناع من لا يقتنعون بأن المراكب تسير والعاصفة لا توقفها، وفي نظري أن كل ما يُبذل من عرق وسهر على المظاهر لن يجدي، فالمصابيح الملونة لا تصنع العيد، والخلاخيل التي تلمع لا تحلّ مكان الراقصة في المعبد، وتزوير الألقاب والرُّتب لا يجعل العييّ خطيباً، بل هو الفضيحة المجلجلة التي سيضحك منها التاريخ، ونحن سنكتب عنها في عام 2017.

نعم أيها الأحبّة الذين يتابعون الأدب المهجري الراقي. قدرنا أن نمضي في طريقنا وسط الغبار والإعصار. ونحن لا نخاف من شيء أو من أحد لأننا مؤمنون بالله، ولأننا محبون حقاً، ومخلصون حقاً، ولا نبيع ونشتري، ولنا وجه واحد نظهره أمام الناس. وللإنسان سنكتب، وسننشر أعمالنا في كل مكان، في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، وأجهزة المخابرات التي نغّصت حياتنا في الماضي لن تلحق بنا إلى هنا، ولن تحتلّ صناديق البريد. والغرف السوداء التي كانت تحقّق مع الأبرياء لا وجود لها في أستراليا... ونعم يا أستاذة مريم شاهين رزق الله ويا أستاذ أنطوان الحربية، نحن على موعد في ملبورن، ثم في سيدني. ونعم يا أستاذة دينا سليم هنهان، اقرإي قصيدة "تا طير فيكي" على هواء الإذاعة في برزبن، وليعرف أهلها أن شاعراً من سيدني يغني لهم. يغني للحب والخير والفضيلة، ولن تعلو على صوته أصوات النشاز، ونعم أيها الأستاذ نبيل عودة من الأراضي المحتلة، قل لمحبي جميل الدويهي إنه كتب عن سميح القاسم، والطفل الدوابشة الذي أحرقوه، ونعم أيها الناقد الكبير الأستاذ سليمان يوسف ابراهيم، غداً ستصل إليك كتب أخرى، لتعرف أنّ في أستراليا أدباً راقياً ومشروعاً حضارياً يتخطى الحواجز ويدوس على جحافل الموت... ويا سيدني انتظري موعداً مضروباً مع مهرجاني الثاني للأدب الراقي، وقدري أن أقول مع الملك الضليل: “نحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذراً". والفرسان فقط هم الذين لا يلطمون وجوههم.

#كتاب

0 views