Search
  • Jamil Doaihi

أمان السيّد: وجه سوريّ في المغترَب


أعتقد أن أكثر الناس قد قرؤوا قصيدة الحكمة الرائعة للإمام الشافعي في الحضّ على التغرّب والسفر.. إنها قصيدة تجعل القارئ الحكيم يتوقف عند ثوانيها وتفاصيلها، ويجري أكثر من مقارنة..

ولعلي في هذا المقام أستطيع أن أشكّل تزاوجا حميما بين ما أبدع فيه الشافعي من عمق المعنى، وحال من اغترب عن بلاده يوما بدافع من سبب أو آخر، ولعلي حين أتوقف عند وجه سوري من بلادي - هو أخي- لن أكون في خصوصية قرابة الدم على الرغم من حساسيتها إلا قاصدة أن أعتبر أخي رمزا لكل سوريّ طموح يشرّف بلاده في المغترب قديما، وحديثا..

أما أبيات الشافعي التي أسوقها في هذا المقام، فمنها قوله:

ما في المقام لذي عقل وذي أدب من راحة فدعِ الأوطان واغترب

سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإنّ لذيذ العيش في النصب

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى في أَمَاكِنِهِ والعودُ في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ

السوريون الذين تحفل بهم المنافي اليوم لم يتقصدوا أن يسافروا، بل إنّ الخوف هو الذي دفعهم إليه، فعلاقة السوري بأرضه وثيقة وثاقة الماء العذب بالنبع، ومن هاجر قبل الثورة السورية أجزم أنه لم يهاجر إلا لضيق الأرض بطموحه، ولما حفّ بذلك الطموح من الخطر والقيود، فكأني به نشد الراحة التي لم يهبه إياها المستبدون بالوطن، وآثر الاغتراب..

الغربة ليست بالسهول الممهّدة أمام من يشقّونها، وليس كل من يهاجر يتألق، وتسطع شمسه، ولكنّ السّوري الذي أرضعته أمّ سورية لبانها، وثباتها، وإصرارها على التميز يكون مختلفا، وما يزال يثبت ذلك، ومنهم أخي..

شتتنا المنافي بين رحابها، وكان للحرب السورية فضل اجتماعي بأخي لأتعرّفه عن كثب، ولأؤكد الصور التي اكتنزتها له بعد ثمانية وعشرين عاما من الفراق، فالطموح الذي أرضعته لأخي أمّنا الأرملة المثقّفة المكافحة، ها هو يثمر في إثباته أنّه كان بمستوى ما رُبّي عليه من القيم، والإصرار على أن يبدع، ويعلي في العطاء بلا توقف، ويكون التّبر في بلاد الغربة، يسطع نجمه بين السوريين، وغيرهم ممن يعيشون في أستراليا تسبقه ابتسامته الوادعة التي تضيف إلى محياه الوسيم ألق الذهب، ونقاءه في ترحيبه بمرضاه، وصبره على شكواهم، وتلبيته ما يقدر عليه من احتياجاتهم.

أحسبُ أنّ أزمة الطموح عند السوريّ من أجمل الأزمات رغم ما تحمله من شدّة، وحدّة ووجع، يتفوق فيها على الكثيرين حين رفض، ويرفض أن يكون إلا عودا عطرا في بلاد الاغتراب، والمنافي، وحين وعى أهمية أن السفر، وارتحال السوري هو جواز سفر له يسبقه أينما يتّجه، وفيه توقيع مشرّف بحضارة سورية تجري في عروقه، وعروق الأرض التي أنجبته.

كأخت محبة.. تعتز بأخوّتها.. أوقّع لأخي الدكتور "أيمن السيد" بأني أعتز به، وأفخر بياسمينة ذات يوم ضمّتنا في بيت صدّرنا إلى الحياة، وجهدنا أن نتجمّل ونفوح بعبيرها أينما قدرت لأجسادنا التواجد، والإقامة.

#كتاب

0 views