Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: صناديق النور


أحمل صناديقي وأرتحل، من رصيف إلى رصيف. الصناديق هي للكنوز فكيف تتسع للنور؟ حاولتُ أن أشتري سيّارة بيك أب لأنقل صناديقي. كان المشهد مضحكاً. اتصلت بشركة فورد: قالوا إنهم لم يبتكروا عربة لائقة تحتويني مع صناديقي. وعرضوا عليّ سيارة رباعية الدفع. كان ذلك حلاً وسطاً، استطعت به أن أجوب المدن والقرى، وأفتح صناديقي للمارة.

صرخت عاليا: أعطيكم النور مجاناً، لأنني مجاناً أخذت.

نظر إليّ الصيارفة وقالوا: أنت تنافسنا على الأنوار التي تخرج من سبائكنا. وأشاحوا بوجوههم عني.

ثم جاء إليّ الجاهلون وقالوا: لماذا تعطي لنا من بضاعتك الفاسدة؟ لقد وضعْنا النور في قلوبنا فرفض أن يدخلها، وما تزال قلوبنا مملوءة بالعتمة. وانصرفوا عنّي غاضبين.

ثمّ جاء إليّ الكاذبون، فرأيت لهم وجوهاً متعدّدة، وتعجّبت كيف يسير إنسان على قدمين وله وجوه يغيّرها كما تتغيّر الفصول، فقالوا: إذا كنت تعطينا وجوهاً، فسنأخذ منك. فإنّ معلّمنا الأكبر سيغضب منّا إذا مجّدنا الصدق والوفاء والفضيلة. ألا ترى كيف أنّ الكذب يخيّم على الأرض؟ الكذب على الأشجار، وفي الكتب والعناوين والألقاب... وفي الماء والكهرباء... الكاذب هنا لا يُعاقب على كذبه، بينما الصادق يعاقب على صدقه.

أجبتهم: كلامكم يبعث على القنوط، وليس في العالم كلّه مجتمع كهذا، فارحلوا عنّي يا عديمي الفائدة.

وما كدت أنتهي من كلامي حتّى ظهر لي الحسود. كان يعرج لأنّ إحدى قدميه أصيبت في شجار مع أحد جيرانه، وقد احتجّ لأنّ جاره عنده حقل مليء بالفاكهة، وحقله جافٌّ تأوي إليه الغربان. ولاحظت أنّ للحسود حدوة حصان، قد يكون صنعها القديس دانستان.

أخبرني الحسود بقصّته مع جاره بينما كان ينظر إلى صناديقي بعينين ملؤهما الحقد والضغينة.

سألني: ماذا تبيع؟

قلت: لا أبيع شيئاً.

قال: محال. هل يعرض إنسان شيئاً في السوق من غير أن يبيعه؟

قلت: أنا أعطي من غير مقابل، لأنّني لا أعطي شيئاً من عندي؟

قال: مَن هو الذي يعطي إذن؟

جاوبت: أنت لا تعرفه. ولو شرحت لك عنه، لتعجّبت منّي، وكأنّني أحدّثك عن الماء الذي يصدر من العطش. أو كما يصدر الظلام من تلك الصناديق.

قال وهو يقهقه بضحكة صاخبة: فهمت.

وبينما كان يبتعد عنّي، كان لا يزال يلتفت إلى الوراء، فخشيت على الصناديق أن تقع، ويتبعثر ما فيها من نور على الأرصفة، فيذهب هباء.

وحدث في ذلك اليوم بالذات، أنْ غفوت على قارعة الطريق من تعب أصابني، فقد أمضيت عامين وأنا أرتّب هذه الصناديق وأنقلها من مدينة إلى مدينة. وبينما أنا نائم سمعت جلبة شديدة كأنّها صوت رعد. فأفقتُ كمَن أصابه مسٌّ من الجنون، لأجد صناديقي محطّمة، فصرخت بأعلى صوتي، وبكيت على فقدان أعزّ ما أملك من كنوز.

وما كدت أسأل: "مَن فعل هذا"؟ حتّى أصابني صندوق في رأسي، فسال منه الدم. وما أزال أنزف من تلك الحادثة إلى الآن.

أمّا الخشب الذي صنعتُ منه صناديقي، فقد تبعثر في كلّ جهة، وأخذه بعض المارّة ليجعلوه حطباً للنيران التي تشتعل في مواقد الشتاء... وفي القلوب أيضاً.

#كتاب

4 views