Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: أقواس قزح زين الدين


سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: أقواس قزح زين الدين

قصائده طيور مشاعرٍ بأجنحةٍ من شوقٍ وحنين

يجتمع الكون بعناصره في كنف قوس قُزح ٍ. ولكلّ عنصرٍ قوس قُزحه، يمرّ من تحته مُعتمدًا بمجمع

إشعاعاته ليغتسل بماء نوره الّذي يجلو حقيقة وجوده... ويرتشفُ الإنسانُ بدوره من هذا الماء، مُعمِّدًا بصره بميرون بصيرةٍ، تسمح له باكتشاف كنه الأشياء والمرئيّات بمجملها، سعيًا خلف التّعرّف إليها: فيحيا متعايشًا معها مُثبتًا حضوره في كونٍ؛ سلّطه خالقه على موجوداته قاطبةً... فجاء رأسها ورئيسها كلّها... ويقضي العمر سعيًا وراء إِثبات صحّة زعامته... وهنيئًا لمن يحقِّق المأرب من مسعاه!! سلمان زين الدّين، أراك تمرّ من تحت "أقواس قُزح ٍ" عُقدت قناطرها من قدّ صخر الطّفولة وقد عُجنَ طينها من تُرب قريتكَ- مسرح أحلامك والهناءات- ممزوجًا إلى ماء عيونها والينابيع السّلسبيل: فكوّرتَ منها الأحرف قصائدَ، علّها تُبقي في خلدكَ على الأثر الطّيب تغرسه فوق دفاتر الأيّام مَعينًا تقصده الأجيال الّتي ستتعاقب فوق أرض الوطن وملاعب طفولتها، مصفّقةً بأجنحة الأحلام والطّموحات بعيدًا عن ثراه... فتشدّهم إليه بنياط الحنين، وإن بعد حين!! إنّي أراك تجتاز الدّيوان متجلببًا بأقواس قُزح ٍمن مختلف مواقفها وتلاوينها وعزف الأناشيد على أوتار المراحل ما بين طفولةٍ وشبابٍ ورجولة...غير أنّي ألمسُ إصرارك على العودة مثنى وثلاث ٍ ورُباع إلى حقبة الطّفولة- أحلى مراحل العُمر- تحيي منها البدائع والرّوائع مضمّخةً بطيب الصّدق، مزيّنةً بزنابق الطهارة والبساطة الّتي نعودها بحنينٍ خصيبٍ، ونحن نسير خِفافًا خلف مواكب الغياب! ... وتبدأ رحلةُ الشّاعر انطلاقًا من "فردوسه المفقود"، قريته، وما يهجع في باله من صورها ومباهج العيش فيها الّتي تحيلها "فردوس نفسه"... لترسو ريشته فوق شطّ تساؤلٍ لا يستكين: كيف ستكون نّهاية الطّواف بعد جهدٍ وكفاح؟(ص8-19). وفي مكانٍ آخر، أجدُ أنّ القصيدة تفرض نفسها على الشّاعر الشّاعر: فهي مِلحاحةٌ لجوجةٌ، ولكنّه يرى فيها "السّقطة الأحلى"! فلنسمعه يرسم لنا ولادة القصيدة على ريشة شاعر: " هي الأفعى الّتي تُغري/ بقضم أطايب الشِّعر/ وآدمُ، يُشعِلُ التُّفاحُ في العينينِ فِتنتَه،/ وفيه دمعُهُ يجري./ وآدمُ في دمي ترعى أَيائلُهُ،/ فأقطفُ من بناتِ الحرفِ أطيبَها،/ وأَخسرُ جنَّةَ الفردوسِ،/ أربحُ لعنةَ الشِّعر./ (ص21-22). وكأني بالشّاعر متى تولّدت على يديه قصيدة، يُحسُّ بأنّه يرتكب الشِّعر... وما أحلى المعاصي الّتي ""تُربَحُ الشّاعر لعنة الشِّعر، الّتي تجعله يستعيد مجد روحه الّذي يُغنيه عن مفاتن فردوسٍ وغوايات جنّةٍ!! في قصيدة "هاتف"، أسمع "سِلمان" يعاتب هاتفه، ومن خلاله، يعاتب أُولئك الّذين ابتعدوا وتواروا: فبعد أن كانوا يجوبون كرومه يوم كانت دبس، تواروا وتخلّفوا عن جفنات أيّامه وخوابي وحدته حين شعروا أنها دانت اليَبَس... متمنّيًا أن يصحو التواصل من صمته العميق وصالاً؛ فتعود الحرارة لتدُّب في أوصال عمره، حيث يلوِّن فرح اللّقاء مروج أيّامه مجدّدًا.(ص25). وفي قصيدة "أُفول"، أرى الشّاعر يمتطي جارة بيته، شجرة اللّوز، سفينةً لأحلامه، محاولاً بتسلّقها فطف الأماني عن غصونها بحسب المواعيد: غناءً ورقصًا على حبال النّور!! (ص28). ويختم وصفه لسفينة الأماني بتصويره لحدوث نهايتها على يد الزّمن، يوم لم يعُد يوقظها من سُباتها ربيع ولا يرويها شتاء: فغفت في حدقتيه جيوش الأماني واندحرت معها عن شبابيك الأيّام رؤى طموحات...(ص31). فالشّاعر وهو يلهو بالكلمات وكأنها حجارة بناءٍ يبني منها مداميك عمارته أبياتًا تحيلها قصائدَ في وجه الزّمن مُساهمًا في بناء حضارة الشّعوب بِما واتاه خالقه من نُطف الخلق وأسعفه بمداد الإبداع. (ص37-38). وفي قصيدة "أحلى قُبلة" يرسم لنا الشّاعر لوحةً تنقل حكاية دورة الخصب بين أرضٍ وسماء، بين رحم العطاء وسيّده! (ص39-42) وفي مكانِ آخر أصدفُ زين الدّين شاعرًا، يغزّ السّير بمحاذاة "نهر الزّمان" الّذي يجري بنا جميعًا، غير آبهٍ لكرّ السّنين، عقودًا أم قرونًا. وعينه، تأنف الكرى والسُّبات على قارعة المكان أو في قصوره الـمُنيفة... فهو يجري أبدًا مُجرِّعًا الإنسان جاماته بكؤوسٍ من نورٍ ونار "من جمرة النّبع/ حتّى رماد المقرّ./"!! فالطّبيعة بكلّ عناصرها والمكوّنات حاضرةٌ حيّةٌ، تتأثّر بتوالي الزّمن وتؤثّر في عمق أعماق الإنسان: فمن رحم مسرحها الأرض إلى الحياة يصدر، وفي كنفها يلتحف سكون النّهايات، مُتّبعًا سيرة "الإنبعاث"، كما في الطّبيعة نفسها.(ص49-52). أمّا "الكلمات" فله منها المتنفّس والرّجوة، ما دام يقول فيها: "هي الكلماتُ قمصانٌ لروحي/ ترتديها عندما تعرى./(ص53-55). وأُتابع الرّحلة متنقّلاً فوق غصون القصائد الوارفة إنسانيّةً بظلالٍ من عبير الرّوح وكفاح الفكر في سبيل حفظ حضور بعد أن يتدثّر الشّاعر موج النّهايات... فمن "أوراق الخريف" ملاءآت الحرير لأعطاف الشّجر، ففيروز وأثرها في نفس الشّاعر، فالرّيح تبقى كذلك "نَفَس" المعمورة، وحركتها دليل حيويتها الدائمة؛ ناهيك إلى "زئير" الجبل و"ترنيمة النّخلة"حيث تستوقفني صورة الرّيح وهي تمشط سُعف النّخلة! وصولاً إلى حكاية عمرٍ تُنسجُ فصولها كافّةً ونحن نجتاز مع الشّاعر اغتسالاً تحت إحدى أقبية الزّمان برذاذ قوسٍ من أقواس قُزح ٍ بكافّة تلاوين الحياة المغرِقة بالطّموحات أَحلامًا ومُنىً.(ص59-84).أمّا في قصيدة "جحود"، الّتي بُنيت على مقولة الإمام علي: "مَن لانَ عودُه كثُرت أغصانه"، لستُ أعلم إن كنت على صواب لو صرّحت بأن أصداء من قصيدة نزار قبّاني "لبنان" قد تناهت إلى سمعي وأنا أتلو أبياتها؟ كما يداني الشّاعر شعره متقمّصًا القصيدة جسدًا له يحفظه حيًّا على المدى، فوق الشِّفاه أُغنيَّة وفوق دفاتر الأيّام صحوةً من غير غروب ولو ذبُلت ذؤآبة سراج العمر... وتعود بي قصيدة "الوجه والمرآة" إلى البعض من "عناد" عمر أبو ريشة. وهذا لا يُضير الشّاعريّة بشيء:فكلُّ بنّاءٍ يُؤتي عمارته بِما ملك إبداعه من فن العمارَة، وإن كانت الحجارة هي نفسها مواد اللّغة من مفرداتٍ وصيغ ٍمُتاحة لكلّ قاصدٍ... ويبقى السّر في عقد القباب وعقد نوّار العطر ثمرًا لأحبّة الزهو في مواسم اللّحن والنَّشيد. ومن أجمل مشاهدات "درب القمر": تراكم أَلحان الشّجر تحت وقع النّسيم حينًا والريح أحيانًا، يترك بين أزقّة وجدان الشّاعر وشوارع نفسه ألحانًا ولا أطيب، حيث تعلّم من قنوطها كيف يصير الموت دربًا للقمر!! (ص85-115). ويصوّر الشّاعر نفسه في قصيدة "قــدر" قطرة حضورٍ في بحر الوجود، يتلهّف شوقًا للعودة إلى نبع ٍ سرمديٍّ عنه كان ذات يوم ٍ قد انبثق!... فكلّ إنسانٍ سيزيف عمره، ويتساءل كيف له وهو صاحب الخمسين، أن يواجه مفاعيلها، وقد اعتاد مداعبة الجمال كلمةً ولحنًا ونشيدًا... ليستنتج أنّها الحرب، فُرضت عليه، وهو مصرٌّ على مواجهة قدره ومنازلتها حتّى الرّمق الأخير.(ص116-120). ويقف بي الدّيوان عند حدود "نجمة النّار"، مُهداة إلى محمد بوعزيزي شرارة الرّبيع العربي الّذي غدا مُتوهَّمًا على مساحة شرقٍ بشسوع مساحته...(ص121-127). أُلملمُ عتادي عن درب الحبر،عائدًا إلى هدأة سكون جديدة، بانتظار نتاجٍ من مواسم سلمان زين الدّين أديبًا وشاعرًا وتربويًّا حمل همّ المعرفة ثقافةً وتربيةً منذ زمن البدايات فزرع على دروب أدبه كما شعره صور زمان الوطن الحلو والإنسان الـمُعتبر قيمةً وأداءً. ألا زدنا من رسم ريشتك جنّات كُنّا نرتادها فافتقدنا إليها. ومن نزف حبركَ، أناشيد ترفع من قيمة الإنسان-الّذي هو حقل عملنا اليومي- علّنا نأمل معًا بعيش الفرح الآتي وقد أزهقنا في سبيل ذلك زهرة الأعمار، وأهرقنا عطورها على دروب الوطن من غير طائلٍ!!

#كتاب

8 views