Search
  • Jamil Doaihi

الشاعر نمر سعدي: كتاب الغوايات


كتابُ الغوايات

(مزامير أولى من مطوَّلة شعرية)

نمر سعدي

فلسطين

(1)

فتحتُ يدي للسنونو وعينيَّ للأزرقِ اللانهائيِّ (لا أقصدُ الأفقَ)

قلتُ: سيمضي النهارُ وتذبلُ زنبقةٌ في الجدارِ

فلا بُدَّ لي أن أغنِّي لأعبرَ هذا الربيعَ الخصوصيَّ

لا بُدَّ لي أن أشبَّ عن الطوقِ.. طوقِ الحمامةِ

كي لا أرى غيرَها في النساءِ وكي أتأمَّلَ قلبي بشبهِ حياديَّةٍ

وهو يغرقُ في لُجِّ أزرقها ويلوِّحُ للأنبياءِ وبحَّارةٍ غائبينَ..

وكي أتعهَّدَ ما تركتْ من نشيدِ الأناشيدِ في الدورةِ الدمويَّةِ

أو ما وراءَ الكلامْ

(2)

كيفَ أنتَ؟

بلا أيِّ رؤيا.. ولكن بقلبٍ صحيحٍ

على قلَقٍ أقرأُ البحتريَّ أو النفريَّ وآخرَ أشعارِ سافو وقصَّةَ قطرِ الندى ورسول حمزاتوفَ وأشياءَ أخرى...

كيفَ عيناكِ أنتِ؟

هل ازدادَ برقُهما في غيابي؟

كأنهما سمَكٌ هائجٌ في البحيرةِ من شدَّةِ الحزنِ

أو قمرانِ تحجَّرَ سرُّهما في الرخامْ

كيفَ قلبُكَ؟

ما زالَ يعدو كظبيٍ صغيرٍ وراءَ الذئابِ ولكن بخيرٍ

يسمُّونهُ ما يشاؤونَ في كلِّ يومٍ

ولا يظلمونَ المزاجيَّ عَشَّاقَ أنثى الحَمَامْ

(3)

صرخةُ الملحِ في دمنا يا حبيبي

تضيءُ الطريقَ الطويلَ

إلى الذكرياتِ المضاءةِ بالفحمِ والفيجنِ الذهبيِّ..

أقولُ لأستاذِ علمِ الجمالْ

ما الذي سوفَ يبقى من الشِعرِ أو عزلةِ القلبِ؟

لا شيءَ أو ربمَّا كلُّ شيءٍ..

وشكراً على آخرِ الأغنياتِ

هو الحُبُّ يا صاحبي كالزكامِ الخفيفِ لروحكَ

والشِعرُ مثلُ الغرامْ

ما الذي سوفَ يبقى إذن يا صديقي..؟

هوى الروحِ

مَهرُ الغوايةِ

تعويذةُ الأشهرِ القمريَّةِ

ملحُ الحنينِ إلى الأمَّهاتِ

زنابقُ أعلى الجليلِ

ذبولُ سفرجلةِ الماءِ في طرفِ العينِ

سِفرُ النبيذِ

لغاتُ الطيورِ

غيومُ البكاءِ

وما لا يُقالُ...

هو الحُبُّ يا صاحبي كالزكامْ

صرخةُ الملحِ في دمنا يا حبيبي

وفي فمنا قُبلةٌ لا تنامْ

(4)

منحَتني التلالُ فداحةَ نسيانكِ العذبِ أو نزوةَ اللغوِ

قلتُ: كأنكِ أخرى لأنَّ المجازَ

يفخِّخُ لي نجمةً في البعيدِ

فقلتِ: كأنكَ خلفَ المعاني سواكَ

لأنَّ القصيدةَ منحازةٌ للرماديِّ

منقادةٌ في الربيعِ السريعِ لما لا يُرى

هي مثلي تماماً

ترتِّبُ فسحتَها الفوضويَّةَ

أو كيدي حينَ تغفو على الخدِّ

أو تعتني بالفراشاتِ حولَ ضفيرةِ شَعريَ

قلتُ: (كأني سوايَ) أحبُّ قصائدَ شِعري

وأشهى الوصايا إليّْ

لا لأنَّ شفاهَ البنفسجِ تنمو على ضفَّتيها

كفطرِ الحروبِ

وليسَ لما شاعَ فيها من النارِ

بل لأصابعكِ العشرِ

بينَ السطورِ وخلفَ الظلالِ

تضيءُ هواجسَ نفسي

وتشعلُ ثلجَ الظلامْ

(5)

لا أُفكِّرُ بالغدِ لكنني قد أُصيبُ وأُخطئُ

أكتبُ نصَّاً وأشطبهُ عشرَ مرَّاتٍ

أرمي بنردٍ وأندمُ

أضحكُ من كلِّ قلبي وأبكي بلا سببٍ

أتغزَّلُ بامرأةٍ وبنفسِ القصيدةِ أهجو الحثالةَ

لا شأنَ لي بنهاياتِ أحلى الرواياتِ

ما دُمتُ وحدي أُحبُّ بداياتِ نيسانَ..

رنَّ كلامٌ لبائعةِ الوردِ قربي كخاتمِ ماسٍ:

تقلَّدني زمني ثمَّ هُجِّرتُ من وطني

دونَ روحٍ..

ولكنني قد أُصيبُ وأُخطئُ كالعاشقاتِ

إذا ما أردتُ قراءةَ شِعري

وتجفيفَ شَعري بلا كهرباءٍ مزاجيَّةٍ

كلَّما مسَّ ماءٌ شفاهي تلوَّيتُ من ظمأٍ

كلَّما عشتُ أكثرَ يقتصُّ مني

نداءُ الدماءِ وشوقي الحرامْ

(6)

لا تقولي: أعرني ابتسامةَ عينيكَ

كي يتوضَّأَ وجهي بها

لا تقولي لريحِ الصَّبا: لا أريدُ انطفاءً

لجمرةِ قلبي...

ولا تتركي الياسمينةَ تنمو على درجِ البيتِ

مثلَ ظلالِ الغيابِ

التي تتربَّصُ بالقبَّراتِ الصغيراتِ

وهيَ ترفرفُ في المقلتينِ..

النهارُ على حالهِ الأبديَّةِ.. أما خطايَ

فمثلُ بنفسجةٍ تتخلَّصُ من شوكتينِ

على جانبِ الدربِ

أو تستحمُّ بملحِ السواحلِ

أو بالرمادِ...

وأما أنايَ

فلن تخرجي من صداها

ولو بعدَ مليونَ عامْ

(7)

لم أُصدِّقْ يدي

وأنا أجمعُ الغرباءَ لأجلِ العشاءِ الأخيرِ

وقبَّلتُ عينَيْ يهوذا

الذي قادهم لصلاتي

كما قادَ نجمٌ حيارى المجوسِ إلى المهدِ

آهِ تذكَّرتُ...

لم ينشفِ العطرُ عن كاحلي في الطريقِ

ولم تنزلِ الأرضُ عن كاهلي بعدُ..

كانَ المساءُ حدائقَ دفلى

ولكنني لم أكنْ لأصدِّقَ شيئاً

ولا لأقولَ الذي لا يُقالُ

ولا لأُنادي على آخري في الكوابيسِ:

لا تغلقْ البابَ دوني

ولا تُطفئْ الليلَ

لا تشرَبْ الماءَ وحدكَ لا..

لا تضئْ بسوى صرختي ودمائي سماءَ النفقْ

فكلُّ المياهِ التي في عيوني بلونِ الغرَقْ

ويا صاحبي يا (سيورانُ) موتاكَ ليسوا نيامْ

(8)

لرائحةِ العطرِ روحٌ وظلٌّ

وإن كانَ لا

فلماذا تُصابُ بما يشبهُ الكهرباءَ الرهيفةَ

أو برذاذِ الربيعِ المفاجئِ

أو تقتفي طائراً لا يُرى؟

هل لأنكَ حينَ تذوَّقتَ

جمرَ النداءِ الخفيِّ

إلى ما ورائكَ

أو راودتكَ الظنونُ المريبةُ

عن ثمَرٍ ناضجٍ في اليقينِ

التفتَّ إلى الخلفِ من دونِ جدوى

لتنقذَ ما يستغيثُ بعينيكَ

تحتَ الركامْ؟

(9)

خَذلتكَ الوحيدةُ لكنكَ الآنَ أجملُ

قلبُكَ أصفى غماماً

وثغرُكَ أعذبُ من بُرعمٍ خائفٍ

في مهبِّ التنهُّدِ

لم تبنِ عشَّاً صغيراً لقُبَّرةٍ

لم تعدْ من أغاني الرعاةِ إلى صوتها

لم تراودْ زليخةَ عن جمرتَيْ شفتيها

ولم تقتبسْ من سوفوكليسَ بيتاً من الشِعرِ

يُرشدُ قلبَكَ في الليلِ

نحوَ طريقِ الرجوعِ إلى أوَّلِ البحرِ

أو لعذارى إيثاكا اللواتي يُغنِّينَ

كيما تُتمَّ الخرافةُ نقصانَ أقمارها الأنثويَّةِ

فيما ضلوعُكَ خلفَ الرياحِ السوافي تئِّنْ

لأنَّ الورودَ التي جَمعتها الحياةُ

لتشبعَ من شَمِّها

ما تزالُ على حالها في الظهيرةِ

متروكةً مثلَ فنجانِ بُنْ

خَذلتكَ الوحيدةُ..

فابحثْ إذنْ عن شبيهتها

في أقاصي المُدنْ

وضاعفْ ظلالَ ابتسامتها

في بكاءِ الصدى كيْ يرِّفَ الخزامْ

(10)

تركتُ ضفائرَ شَعري على البحرِ كيْ لا ينامَ

وأسندتُ قوسَ شفاهي على وهَجِ السنبلةْ

قُربَ عينيكَ يا أيُّها المبتلى بي

فهلْ تكسرُ القيدَ عن قدميَّ

أو الحجَرَ الصلدَ عن بابِ قلبي

وتحطمُ عن زهرِ تفَّاحتي قبضةَ المقصلةْ؟

هل تغارُ إذا ما أشارَ إلى امرأةٍ عاشقٌ

ثمَّ أخفى المعانيَ بينَ السطورِ

وشقَّ الطريقَ إلى الجلجلةْ؟

كُنْ وحيداً لتنسى ولا تلتفتْ للوراءِ

المُبقَّعِ بالملحِ والأخرياتِ..

وحيداً كفزَّاعةِ الطيرِ

كُنْ نخلةً في البراري

وذئباً حنوناً عليَّ...

على ما تقصَّفَ من خصلاتي

على حزنِ عينيَّ أو شفتيَّ

وكُنْ لي أنا

لوحدي.. تقولُ الحبيبةُ

كُنْ لفمي قُبلةً/ وردةً/ نجمةً/

ولعينيَّ كُنْ حبقاً/ دمعةً/ أو سنا

كُنْ شجاعاً لتنسى جفائي

ولا تلتفتْ للوراءِ ولا تلتفتْ للأمامْ

نحلةٌ لسعتْ يدَ قلبكَ حينَ اشتهتْ

عسلاً لا يُرامُ

وقلبي بألفِ قفيرٍ من النحلِ صارَ ينامْ.

#كتاب

0 views