Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: يوم هوى العمر في سعير اللهيب


منذ زمنٍ خلا، ولد لحسّان صبيّ فأسماه، حسّون. غير أنّ حسّون هذا، كانت نسبة أمله في البقاء على قيد الحياة ضئيلة. وبعد مواكبةٍ طبيّةٍ حثيثةٍ وافيةٍ، أُنقِذَ الولد، فعمَّت البهجة دار الوالد كما قلبه لانتعاشه بآمال الغد الآتي... جاءتِ الخالةُ للمباركة بالولد، فسلَّمت والده غرسة أرزٍ، وخاطبت حسّون قائلة: "فلتُزرع هذه الأرزة على اسم حسّون، فلعلّه كما كُتِب له البقاء على قيد الحياة، يُكتبُ له كذلك طوال العمر، كما بالأرز يمتدُّ". لم يتوانَ الوالدُ للحظةٍ، عن غرس تلك الآمال في تربة الدّار بالقرب من المنزل لتنمو معًا: أملًا بأَملٍ، وشبرًا بشبرٍ. راحت الأيّام تتناحر، فتنتحر على ضفاف دفتر الأيّام.... فشمخت الأرزة، وأمدّ الله بعمر حسّون صاحبها، وانتقل همّ رعايتها مع ما انتقل من إرث الوالدين إلى الولد نفسه، فانطلق يرعاها بكل ما أوتيَ من محبّةٍ وحنانٍ ومعرفةٍ، حافظًا خضرتها والشّموخ برمش العين. وجريًا على سُنن الحياة، فبعد أن تزوّج حسّون ورُزق بعيلةٍ أفرحت قلبه وقلب زوجته، بعد أن ربّياها سهرًا واهتمامًا، وزَّع حسّون ميراثه على الأبناء محاولًا إعانتهم على التّفلُّت من وجع الإنطلاق من نقطة الصِّفر في مواجهة الحياة، بعد أن كان قد أعدَّهم تعليمًا وتثقيفًا، وإن بالقليل الّذي أكرمه الرَّب به فأكرم به فلذاته. اجتمع إلى أبنائه، فأوصاهم أن يجتمعوا على حبّ أرزة الدّار، ومن خلالها أرز الوطن. تلك الأرزة التي كبرت فكبر هو معها: عشّشت أحلامه في تلافيف أفنانها، ونمت آماله فوق أغصانها وتفيّأت نجاحاته ظلالها. فكل فُسلَة بيوم وكل غصنٍ بسنة وكلّ عُمدٍ بعقدٍ من سنيّه... حتى بات عمره يستظلُّ أفياءها. كما سقف داره يحميه وعيلته كرامةً وصحّةً واجتماعًا، واستقرارًا نفسيّاً وفكريّاً وجسديّاً! توالت الأيّام، وصار كلّما شمخ البنيان فوق المنزل الوالدي، استقّر أحد أبنائه قربه: فقرّت عيناه بجيرته وسُكناه إلى مَن أحبّ العمرَ. وكانت الأرزة تنمو بسلام ٍوتضطرد، حتى صحا قلبه ذات غروبٍ، من قيلولته مذعورًا، على زعيق منشار الحطَّاب في زمن ادّعاء الفتوّةِ. يهرع إلى منكب بيته، ليصعق بتهاوي عقودٍ من عمره عليه، حزينةً دامعة من جراء تمزيقها من دفتر أيّامه... لم تعد ظلال عمره لتدفىء أَعمارًا فتيّة، بل باتت عائقًا في درب تناميها... الشّمس لم تتقدِّم منه بطلب احتجاج على إعاقة أَشعّتها من اجتياز معابر النّور، لكن آليات الزَّمن المقيت والتي لم توجد لتسير على دروب القلوب بل على طرقات الموت، هي التي كانت سببًا في متابعة أرزتيه عمرها بتيرة الأجنحةَ! ... وانحنى حسّونُ دامعًا يُساعد الحطّاب وفعَلَته في لملمة عقود العمر من هنا، وسنواتٍ أمضاها في بناء منزله الأخضر من هناك... يسقيها من بعض دموع العين، وهو موقنٌ أنها لن تفيدها نموًا ثانيةً... كل ذلك، خوفًا من أن ينعتوه بالخمول وقلة المروءة... يطرحها في العربة، على عجلٍ كي لا يُعيق مرور العربات وأصحابها لساعةٍ من الزّمن... يُملمُ بقايا عمره التي لم يستمهلوها لتودِّع آخر شعاعٍ من نور ذاك النّهار، قبل أن يودعوها مستودع دفء الشتاء... ويكنس من الدرب وزواياها ما علق بها من يوميات وسويعات ولحظاتٍ وبُرَهٍ، أمضاها من عمره يفيءُ إلى سيّدة الخلود يُناغيها، يُهدهِد أمانيها، غير مقيم لأهل الجَور حسابًا فوق دفتر طيبته! أَحبّوها من بعيدٍ، أَسكنوها أقاصي المعمورة، حبيبتكم الأرزة، ناجوا ظلالها وطيب عطرها مع هبوب كل نسيم وقيام كل ريح. أسكنوها القلب والوجدان، أبعدوها عن أعين الظلاّم والغيلان... كي لا تقضم أياديهم أعماركم وأنتم لا زلتم على قيد الحياة بعدُ. فالأعمار أحبائي، يمدُّ بها ربّ العالمين من غير أن تشهدوا موت هوّيتكم واحتراق دفاتر أيامكم جراء قطع أرزةٍ، لم ترحمها قلوبٌ جائرة!

#كتاب

0 views