Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: الغربة عن المكان والزمان في "دموع الخريف"


الغربة عن المكان والزمان

في "دموع الخريف" للشاعر د. مروان كساب

بقلم د. جميل الدويهي

في ديوانه "دموع الخريف" يعاني الشاعر مروان كساب من تمزّق وانفصام بين وطنين وبيئتين وعالمين، شأنه شأن جميع الأدباء المهجريين، فإن الشاعر يحنّ إلى الأصل، إلى الأرض الطيبة التي أطلعته، ويرفض أن يتقدم به العمر في غربته فيتخلى عن ماضيه، أو ينسى أنّه كان طفلاً وصبياً وشاباً يسرح ويمرح في مرابع الجمال.

يقول مصطفى قاسم عباس: "لا مكانَ في الحياةِ، بالنِّسبةِ للإنسان، أجملُ وأبهى من المكان الذي ولد فيه وترعرع، وتفيأَ ظلالَه وارتوى من فراتِ مائِهِ، فالمكانُ هو تذكُّرٌ لمَراتِع الصِّبا، وضَحكاتِ الطُّفُولةِ البريَئةِ، وهو جزء من كِيانِ الإنسانِ، فمهما ابتعد عنه، وشطت به الدارُ، فلا بد أن تبقى أطلالُ بلادهِ في ثنايا مُخَيّلتِه".

وتنورين واحة جمال وأشجار وينابيع وظلال، والأهم أنها قلعة إنسان عاش بين الصخور، ورسخ جذوره فيها وبني منازله على سفوحها الهادئة.

ومروان عاش في تلك الجنة الخضراء، وتاه في دروبها طفلاً، ولعب مع أترابه في ظلال الحور والدلب والصفصاف، وغاب عند نهرها حتى ادلهم الليل، فعاد إلى جوار الموقد حيث الأهل والإخوة والجيران والحكاية.

وعندما يتوجه مروان إلى أستراليا، يكاد يصرخ مع الشاعر القروي:

ناءٍ عن الأوطان يفصلني

عمّا أحبُّ البرُ والبحرُ

في وحشة لا شيء يؤنسها

إلاّ أنا والعودُ والشعرُ

حولي أعاجمُ يرطنون فما

للضادِ عند لساتهم قَدْرُ

ناسٌ... ولكن لا أنيس بهم

ومدينةٌ... لكنها قَفْرُ...

فاسمع إلى مروان يخاطب وطنه وهو بعيد عنه فيقول:

سافرت مش تا إكتشف عالم جديد

ما زال إنت المبتدا وإنت الخبر...

سافرت مش تا خزنتي من المال زيد

وبعرف ترابك مقلع كنوز ودُرر

سافرت مش تا إسكر بشرب النبيد

وبعرف أنا من كرومك الخمر انعصر...

سافرت لا تفكِّر أنا عنك بعيد

ما زالك بقلبي رغم بُعد السفر.

يختلف مروان عن الشاعر القروي في المقطع الذي أسلفناه، فالقروي يشكو ويئن من الفراق ولكنه لا يمد جسراً بين غربته في البرازيل وبلاده كما فعل شاعرنا، فالمسافة عند كساب لا تلغي الارتباط بالأرض، ولذلك نرى أن الشاعر هاجر وما يزال لبنان في قلبه، فالغربة إذن جسدية وليست روحية، لكنها على الرغم من ذلك مؤلمة وشديدة على النفس. إن مروان يشبه إيليا أبو ماضي الذي يؤكد أن غيابه عن الوطن هو حضور، فيقول:

أيها السائل عني من أنا؟

أنا كالشمس إلى الشرق انتسابي

لغة الفولاذ هاضت لغتي...

لا يعيش الشدو في دنيا اصطخاب

لست أشكو إن شكى غيري النوى‏

غربة الأجسام ليست باغتراب

أنا كالكرمة لو لم تغترب

ما حواها الناس خمراً في الخوابي

أنا كالسوسن لو لم ينتقل

لم يتوّج زهره رأس كعاب

أنا في نيويورك بالجسم وبالروح في الشرق على تلك الهضاب.

يقول د. ابراهيم مشارة: "إن الانسان حين يهاجر يصاب بالفصام كل حسب استعداداته النفسية وطاقاته الروحية فقد تكونت شخصية المهاجر في وطنه، وتلونت روحه بأطياف الوطن من دين ولغة وعادات وطرائق معيشة بل ومناخ وتضاريس، فجاء فكره انعكاسا لمحيطه، ثم ترك وطنه... فإذا به فسيلة أو شجرة تزرع في تربة غير تربتها الأولى، إنها عادات جديدة وطرائق حياة مستحدثة وفلسفة في الحياة غير الأولى، والمهاجر مجبر على هضم هذا الموضوع وتقبله لينجح في حياته المادية على الأقل، ولكنه في الواقع وفي غياهب اللاوعي تكمن عادات ولغة وأسلوب معيشته الأول في الوطن الأم. هنا تتجلى المعاناة وتتضخم المأساة، وتتشظى الروح فنجد أشلاءها في ما أنتجه أولئك المهاجرون من شعر ونثر."

ونتيجة لهذا الشعور بالغربة والألم والمعاناة يعود الشاعر إلى الأصل وكأنه يحاول اختراع دواء خيالي يخلصه من عذابه، وليس أصعب من عذاب الغربة والشعور بالتغرب، وهو ما تصفه أدال وايلد بأنه "وضع فكري عاطفي، حيث يختبر المصاب مشاعر ثقيلة من الانتماء، بسبب انفصاله عن البيئة والناس الذين يحبهم... والشوق إلى الوطن يحدث خلال زمن التغيير وهو نتيجة طبيعية للخسارة والتحول..."

وللتعويض عن هذه الخسارة يلجا ألشاعر إلى استذكار مجموعة من الصور التي علقت في ذهنه في محاولة للهروب إلى الوراء، على الأقل في تخيّله وشطحاته العاطفية، فهذا الشاعر المهجري رشيد أيوب يخاطب الثلج

الذي ينهمر في أميركا الشمالية قائلاً له:

يا ثلج قد هيجت أشجاني

ذكرتني أهلي بلينان.

وهذا الشاعر كساب، يشتاق إلى البيت القديم، والحور، والنبع، وجنينة التفاح، والعريشة، والمدرسة، وللأم والأب، ولإخوته... كل ذلك في قصيدة بعنوان "مشتاق" يقول فيها:

مشتاق إرجع إسكن البيت القديم،

ودغدغ هاك الحورات بالصوت الرخيم

ووعّي السنين الماضيي والذكريات

وغصن العمر يسكر على مرور النسيم

مشتاق للنبع السقيني المكرمات

ولبحّة الميّي وصداها المستديم

ولجنينة التفاح وزهور النبات

وللعريشي الحاملي دموع اليتيم."

ويختم كساب هذه القصيدة بأفدح مشاعر اللخسارة، بحيث يصبح الموت بديلاً ممكناً للحياة البائسة بعيداً عن الأرض والأهل:

وبيصير طعم الموت أحلى من الحياة

لمّا القدر بيجور حكمو عالعظيم.

ويمضي الشاعر في رحلة العودة أو الهجرة المعاكسة، الهجرة في المكان، والهجرة في الزمان أيضاً، فهو يرفض أن يصبح كبيراً في السن، وتختال أمامه صورته طفلاً صغيراً في الضيعة، "يعربش" على الاشجار:

يا ريت فيّي عود إمشي دبدبي

لمطرح ما عمري أول سنينو ربي

وعربش على الأشجار... إنْقل عالغصون

ومع كل هزّة غصن لاقي تجربي

يا ريت فيي روح عا وادي السكون

وللشعر خيّط من سكينتها عبي...

إنها مشاهد غائبة حاضرة في ذهن الشاعر، أشجار عالية في ساحة القرية وفي دروبها الملتوية، ووادي السكون هو وادي التأمل اللامرتيني، واد يمتد على الطريق بين تنورين الفوقا وتنورين التحتا، يغري الكاهن بالصلاة، والورِع بالعبادة، ويتكلّم الصمت بلغة لا يفهمها إلا المبدعون والعباقرة. هناك يدندن النهر أغنية أزلية لا تنقطع، والجسر فوق النهر هو جسر العبور من غربة قاتلة إلى إقامة مطمئنّة بين الأحبّة والمخلصين.

ويتخذ الحنين منحى إيمانياً في قصيدة بعنوان "دير حوب"، التي تعبّر عن انتماء جغرافي وروحي في آن، ودير حوب هو دير قديم يقع عند الأطراف الغربية لتنورين الفوقا. وتنورين ليست قرية واحدة، بل هي عدة قرة متجاورة أحياناً ومتباعدة حيناً آخر، وتمتد شرقاً إلى حدود البقاع. وتعادل مساحة تنورين بقراها الكثيرة خُمس مساحة لبنان. وحوب هي قرية صغيرة يرتفع فيها دير للرهبان اللبنانيين الموارنة، ولا بدّ أن مروان قد عرف دير حوب في طفولته وشبابه وكانت له ذكريات فيه. والقصيدة ذاتها تتميز بحقل معجمي واسع لألفاظ تختص بالكنيسة دون سواها: خشبة المصلوب، المبخرة، القربان، شمعتين... وهذه الألفاظ من مخزون الذاكرة المروانية والعقل الباطن. وتتطور القصيدة من الوصف إلى الحركة، بحيث أن الشاعر، بعد أن يظهر اشتياقه للمكان، يتحول إلى ترك ما يصفه بـ "الكفر" ليرتدي عباءة القديس نعمة الله الحرديني ويتوب. والحرديني قديس لبناني من عائلة كسّاب، ووالدته من تنورين أيضاً:

مشتاق للدير لجناين حوب

وللكنيسي وخشبة المصلوب

وللمبخره ولنعمة القربان

ولشمعتين زغار عم بتدوب...

ولا يتوقف الشاعر عند هذا الحد من الحنين إلى الماضي والعيش فيه، بل إنه يشارك وطنه الجريح في جراحه، فكأنه يعيش فيه، وهكذا يتوسع المكان من القرية إلى المدى الاكبر – الوطن، فاسمع كساب يقول:

وإنت يا لبناننا الموجوع

يا جلجلي عليها انصلب يسوع

يا أرز غنّتلو السما موّال

وللشمس صنينك سفر ورجوع...

واليوم صفّا جرحنا تمثال

تمثال عا مفرق درب مقطوع

لا الجرح قادر يصرخ ويختال

ولا العين باقي بعد فيها دموع.

إن التعلق بالوطن هو من خصائص الأدب المهجري، بل هو من خصائص الرومنطيقية التي يُعتبر الشاعر مروان كساب أحد روادها الكبار في الشعر العاميّ، وعنوان "دموع الخريف" هو اختصار فريد لفكرة الرومنطيقية التي يكتنفها الشحوب والاصفرار ودموع المآقي. والعودة إلى الوطن يسميها الرومنطيقيون العودة إلى"البيت المفقود" Lost Home، ويسميها الرمنطيقيون الألمان Verlorene

Heimat، بالمعنى نفسه، ويقول رودولف روكر: "إن المدرسة الرومنطيقية تؤمن بفكرة "البيت المفقود" بمعنى ظروف ماضية لكمال روحي، ويحاول الرومنطيقي جاهداً أن يرجع إلى واقع أصبح منقرضاً. ومنذ ذلك الحين يتكون شعور لديه بأنه ارتكب نوعاً من الخطيئة". فما أصعبها من خطيئة عندما يخرج الإنسان من ثيابه وقيَمه ومعتقداته وروحه البريئة إلى زمان ومكان يختلفان عنه! ولكن ما أجملها خطيئة تلك التي تجعل الشاعر يتحرّق ويتمزّق ويحبّر بدموعه ومن حبر الليالي كتاب شعر رقيقاً وراقياً عنوانه "دموع الخريف"!

#كتاب

0 views