Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: دراسة مقارنة بين "فاوست" و"رسالة الشيطان" للريحاني


العناصر المتشابهة في "فاوست غوته" و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني

د. جميل ميلاد الدويهي

يوهان وولفغانغ غوته

أمين الريحاني

جميل الدويهي

كتبت هذه المقالة الأكاديمية عنما كتت أستاذاً في جامعة سيدة اللويزة (على الأرجح عام 2012)، واحتفظت بها في أرشيفي وكنت أتمنى لو نُشرت كورقة محكَّمة، لكنّ الظروف فرضت غير ذلك، حتى قيض لي الله أن أنشرها في كتاب يصدر قريباً في مدينة طرابلس اللبنانية عن دار جرّوس - كما علمت - وأصبح من الممكن الكشف عنها، والمقالة تزيح الستار ، لأول مرة، عن مقارنة بين مسرحية "فاوست" الرائعة للمفكر الألماني غوته، وقصّة غير مكتملة للمفكر اللبناني أمين الريحاني بعنوان "رسالة الشيطان"، ولم يتطرق أي باحث من قبل إلى هذه العلاقة، على الرغم من كتابة آلاف المقالات عن غوته وأمين الريحاني، فأرجو أن أكون وفقت في هذه المحاولة الأكاديمية (37 صفحة A4)، والله هو الموفق دائماً.

***

مقدِّمة: المفاهيم الإنسانيَّة المشتركة بين غوته والريحاني:

يُعتبر أمين الريحاني واحداً من كبار الأدباء اللبنانيِّين الأميركيِّين الذين تأثَّروا بالثقافات المختلفة، واطَّلعوا على أعمال مهمَّة لكبار الأدباء والفلاسفة والمفكِّرين الإنسانيِّين. ولا يخفي أمين الريحاني بين الحين والآخر إعجابه بالعديد من هؤلاء العباقرة، وخصوصاً جوهان فولفانغ غوته، فهو يخاطبه في كتاب خالد، طالباً النور، المزيد من من النور:

"أردِّد معك يا غوته، تلك العبارة: الضوء، مزيداً من الضوء." (الريحاني، 2011، ص 256)

وفي مقالة له بعنوان "مناهج الحياة" كتبها عام 1910، يستشهد فيلسوف الفريكة بغوته الذي يقول: "إنَّ واجبنا الرئيسيَّ في حياتنا هو أن ننظر إلى كلِّ شيء بتعقُّل وإمعان، دون تحزُّب أدبيٍّ." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 206). ومقالة "مناهج الحياة" نفسها تعبِّر عن معارضة الريحاني لأشكال التحزُّب السياسيِّ والدينيِّ والاجتماعيِّ، من أجل بناء الإنسان القدوة، حيث أنَّ الناس في رؤية الريحاني، هم جميعاً من فصيل واحد.

ولسنا نرى هنا أنَّ ما يقصده فيلسوف الفريكة بعيد عمَّا كان يؤمن به غوته من أنَّ الإنسانيَّة واحدة، ولا تمييز بين إنسان وآخر. فإنَّ غوته في الديوان الشرقيّ للشاعر الغربيِّ يعلن أنَّه الإنسان العالميُّ حيث لا شرق ولا غرب، ولا ديانات تميِّز بين الناس، فها هو يقول في أوَّل قصيدة من الديوان المذكور:

"الشمال والغرب والجنوب تتناثر،

العروش تتصدَّع، والممالك ترتجف..." (Goethe, 1914, p. 1)

ويقول في مكان آخر:

"لله المشرق،

لله المغرب.

الأرض شمالاً، والأرض جنوباً

ترقد آمنة ما بين يديه." (Goethe, 1914, p. 5)

فغوته يتوجَّه إلى الإنسان أيّاً كان مكانه وزمانه، وهو يتجوَّل في ديوانه "بأزياء مختلفة، كشاعر ألمانيٍّ وتاجر شرقيٍّ، كمسيحيٍّ ومسلم، كتلميذ تعلَّم في مدارس الإغريق، وفي معابد النار المقدَّسة للبارسيِّين من قدماء المجوس." (مكَّاوي، 2006، ص 44)

وقد تبنَّى الريحاني أيضاً فكرة الإنسان غير المحدود، المتحرِّر من إطار الثقافة الواحدة، أو الدين الواحد، أو الانتماء الضيِّق. وينطلق فيلسوف الفريكة، عند طرحه لهذه الفكرة، من ثقافته الخاصَّة ومبادئه الفكريَّة والإنسانيَّة.

ولعلّنا نعثر على بعض التشابه اللفظيِّ بين الريحاني وغوته في موضوع الشرق والغرب. يقول الريحاني في مقالة بعنوان "من على جسر بروكلين":

"الإنسان ليس شرقاً فقط ولا غرباً فقط. هو مزيج منهما." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 115)

وعندما نسمع الريحاني في Chant of Mystics يقول:

"نحن لسنا من الشرق ولا من الغرب،

ليس من حدود في صدورنا، فنحن أحرار..." (Rihani, 1970, p. 106) يتراءى لنا أنَّنا نسمع صوت غوته. ولسنا نستبعد أن يكون كلٌّ من غوته والريحاني قد استوحى فكرة الوحدة الإنسانيَّة من الصوفيِّين الشرقيِّين القدامى، مـن أمثال جلال الدين الرومي الذي يقول:

"أيُّها المسلمون، ليت شعري، ما التدبير؟ أنا لا أدري مَن أنا، فلا أنا مسيحيٌّ، ولا يهوديٌّ، ولا زرادشتيٌّ، لا مسلم، ولا شرقيٌّ ولا غربيٌّ، ولا أنا جسم ولا روح، فنفسي روح الأرواح." (Rumi, 2008, p. 144)

وكما أنَّ غوته حضَّ على التسامح بين البشر، فإنَّ الريحاني يفعل ذلك في العديد من مقالاته، خصوصاً في الريحانيَّات، وكتاب خالد. فها هو يوجِّه كلامه إلى إنسان القرن العشرين، فيرفع صوته بقسوة على "التعصُّب الخبيث الذميم، التعصُّب الفظيع الأثيم. بل على التعصُّبات كلِّها جمعاء، على التعصُّب الدينيِّ الكافر، والتعصُّب المذهبيِّ الفاجر، والتعصُّب العنصريِّ الخؤون. وإنَّ سيفاً على هذه المآثم كلِّها لهو آية الحقِّ والعدل والإخاء." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 66)

ويعتبر الريحاني أنَّ الخلاص من التعصُّب الأعمى هو في يد الإنسان، "في التساهل الدينيِّ... المجرَّد عن كلِّ صبغة مذهبيَّة أو طائفيَّة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 66).

وفي موضوع التسامح عند أمين الريحاني يقول الباحث فانك Funk: "كان الريحاني رائداً في التسامح، فإنَّه قدَّم لنا من خلال حياته نمطاً من المصالحة بين الثقافات. فإذا اخترنا أن نتبع هذا المثال... فقد نجد أنَّ العديد من مظاهر التعارض التي تقلقنا اليوم، كما بين الإسلام والغرب، أو بين الولايات المتَّحدة الأميركيَّة والعالــــم العربيِّ، ستبدو قابلة للترميم. وقـــد نكتشف وجـــود التكامل فــــي خضمِّ الاختلاف." (Funk, 2011, p. 228)

ومن المهمِّ أن نذكر هنا أيضاً التشابه الكبير بين الريحاني وغوته في موضوع الدين، فكلاهما متحرِّر دينيّاً، أو يفهم الدين على طريقته الخاصَّة، وخارج الأطر والقوانين الموضوعة من قبل السلطات الدينيَّة، سواء في أوروبَّا أو في الشرق. وقد كان غوته يرى أنَّ الأفكار الدينيَّة الشائعة لدى عامَّة الناس لا يمكنها أن تكون هي ذاتها عند الإنسان المثقَّف، على الرغم من أنَّ العواطف الدينيَّة لدى الناس المؤمنين بالله قد تكون متشابهة. وقد بدأ غـوته اختباراته الدينيَّة في مرحلة مبكرة من عمره. وبدأت الشكوك مع بدايـة هـذه الاختبارات . (Lowes, 2003, p. 523)

والحقيقة أنَّ غوته قد آمن بالله، ولكنَّه مارس حقَّه في التحرُّر الجوهريِّ من جميع المعتقدات الـمـوضـوعــة مسبَـقاً، وكذلك احـتـفـظ بحـقِّـه فـي تطوير نـفسه تطـويـراً دينيّاً مستـقلاًّ ( (Lowes, 2003, p. 524.

وكان الريحاني متحرِّراً أيضاً، ومتمرِّداً على الأفكار الموروثة، وعلى المفاهيم التقليديَّة لرجال الدين وللمجتمع، وهذا لا يعني أنَّه كان ملحداً، فها هو يصرِّح بانَّ "الدين لازم للإنسان واجب عليه." (الريحانيَّات، 1982، الجـــزء الـثـانـي، ص 19). كــمــا يقرُّ بـأنَّ "الأديان صقلت أنفس الشعــوب فلطفت، الهمجيَّة منها والخشنة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 248)

غير أنَّ الريحاني يخالف الطقوس الموروثة في الديانات. ففي المحالفة الثلاثيَّة يجاهر برفضه للثالوث الأقدس، وعذريَّة مريم العذراء، وعبادة الصور والتماثيل التي قال عنها: "العبادة مختصَّة بالله فقط، فإذا عبدنا الأوراق والجفصين نحطُّ من مقام الخالق وننتقص من مجده، فضلاً عن أنَّني لا أعرف أحداً صلَّى إلى هذه الأوراق الملوَّنة المصونة بالزجاج وطلب منها شيئاً فناله." (المحالفة الثلاثيَّة، 1972، ص 106). وترى الباحثة أمينة غصن أنَّ الريحاني يشنُّ حرباً على رجال الدين وكتبهم وطوائفهم، لا على جوهر الدين (غصن، 2011، ص 64).

ولسنا هنا في وارد استحضار جميع ما كتبه الريحاني في موضوع الدين، لكنَّنا نكتفي بذكر قليل من الأمثلة التي نلاحظ أنَّه من خلالها يتبنَّى طريقة خاصَّة في العبادة، وفي ترجمة المفاهيم الدينيَّة الأصيلة: "مَن يضْرع إلى القدِّيسين لينصروه على أعدائه، ويأخذوا بيده، وينقذوه من نار الجحيم، يحتقر النفس، ويكفر بالخالق. الصلاة طريق يعرف بها المخلوق خالقه، وليست نقوداً يرشو بها الإنسان ربَّه." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الأوَّل، ص 102) و"لكنَّ أصحابنا ذوي القلانس والعمائم المتبطِّنة أثوابهم بشيء من أثوابنا، وسواهم من رجال الدين، يؤْثرون تمتمة الصلوات على الصالحات، ويفضِّلون التظاهر بالدين على الصدق والإخلاص، ذلك لأنَّهم اتَّخذوا الدين باباً للارتزاق وسلَّماً للسيادة..." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 15)

هكذا إذن، نجد أنَّ في كتابات الريحاني وغوته كثيراً من نقاط التشابه العامَّة، خصوصاً في محاور وحدة الإنسانيَّة، والتسامح، والنظرة المتحرِّرة إلى الدين. وسنحاول في ما يأتي، إظهار العناصر المشتركة بين مسرحيَّة فاوست لغوته و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني، وفي كلتيهما تركيز على العلاقة بين الإنسان والشيطان، وهي علاقة قديمــــة متجدِّدة، ومـن خلالها تبرز مجموعة مـن القيَم والمفاهيم الإنسانيَّة الشاملة، التي أراد الكاتبان الإضاءة عليها، أو الترويج لها.

لمحة موجزة عن فاوست(*) و"رسالة الشيطان":

قبل أن نبدأ في المقارنة بين "رسالة الشيطان" لأمين الريحاني وفاوست غوته، قد يكون من المفيد أن نعطي لمحة موجزة عن كلٍّ منهما، فمسرحيَّة غوته (كتبت ما بين 1806-1836) تصوِّر في جزئها الأوَّل العلاقة بين الشيطان والإنسان، حيث أنَّ الله يطلب من الشيطان (مفيستوفيلس) أن يغري عبده فاوست، فينحدر الشيطان إلى الأرض ويعرض على فاوست أن يكون خادمه، فيمنحه قوى خارقة، ويمتِّعه بالحياة، بشرط أن تكون روح فاوست في يد الشيطان عند الموت. ويساعد الشيطان فاوست على معاشرة امرأة تدعى مرجريت جرتشن، وعندما يثور شقيقها، فالنتين، يبارزه فاوست فيقتله بمساعدة الشيطان أيضاً. وتتحوَّل حياة مرجريت إلى جحيم لا يطاق، فتحمل سِفَاحاً من فاوست، وتقتل وليدها لكي تطمس الفضيحة، فينتهي أمرها إلى السجن، وهناك تندم أشدَّ الندم وتتوب عن خطيئتها.

أمَّا في الجزء الثاني من المسرحيَّة، فتستمرُّ علاقة فاوست بالشيطان مفيستوفيلس، ويترافقان في رحلة عبر التاريخ إلى عهد الإغريق، حيث يعاصران هيلانة، التي من أجلها نشبت حرب طروادة. وتكثر في هذا الجزء الشخصيَّات الأسطوريَّة، والطقوس السحريَّة، وأجواء الميثولوجيا. ويتحقَّق الكثير من أحلام فاوست وأمجاده، لكنَّ الشيخوخة تداهمه، فيموت وهو يتمنَّى أن تستمرَّ اللحظة (لحظة الحياة والمتعة) فلا تنتهي. ويعتقد الشيطان أنَّ روح فاوست ستكون ملكاً له، غير أنَّ الملائكة تنزل من السماء وتحمل روح الرجل الميت إلى العُلى، حيث يرى القدِّيسة مريم والأرواح الخالدة، ويغفر الله جميع خطاياه.

______________________________________________________________________

(*) اعتمدنا على الترجمة العربيَّة لمسرحيَّة "فاوست" الصادرة عن المجلس الوطنيِّ للثقافة والفنون والآداب في الكويت- طبعة ثانية - 2008. وقد وضِعت هذه الترجمة في ثلاثة أجزاء: الجزء الأوَّل كناية عن تعريف بالمسرحيَّة وجذورها التاريخيَّة، والجزء الثاني يوازي الجزء الأوَّل في المسرحيَّة الأصليَّة، أمَّا الجزء الثالث فيتوازى مع الجزء الثاني.

وقد استوحى غوتـه موضوع التلاقي بين الشيطان والإنسان مــن الأسطورة الألمانيَّة عــن رجل كان يُدعــى فاوست، باع نفسه للشيطان مقابل الحصول على السعادة. وأصبحت هذه الأسطورة موضوعاً لكتب كثيرة صدرت في أوروبَّا قبل غوته بزمن طويل: "هناك كتب عديدة تؤكِّد أنَّ رجلاً اسمه جورج فاوست قد عاش فعلاً من عام 1480 إلى عام 1540 أو 1541 في جنوب ألمانيا. ويقال إنَّ فاوست هذا كان قد وعد الشيطان بروحه مقابل منحه قدرات خارقة... أسرار أسطوريَّة جاءت في أوَّل كتاب حول سيرة حياته، كان قد نُشر عام 1587." (شامي وغوتشان، 2005، ص 118)

أمَّا "رسالة الشيطان" لأمين الريحاني (كتبت عام 1935)، فهي قصَّة غير مكتملة، وموجزها أنَّ الشيطان يظهر على الريحاني نفسه في مدينة لندن، ويعرض عليه أن يكون خادمه. ثمَّ يترافق الاثنان ويتبادلان الأحاديث في مواضيع سياسيَّة واجتماعيَّة ودينيَّة، ويأخذ الشيطان الريحاني في رحلة إلى عالم الأرواح، حيث يشاهدان مجموعات مختلفة من الأرواح السعيدة أو الحزينة. وفي نهاية القصَّة ينادي الله الشيطان لكي يصعد إليه، فيكلِّفه بمهمَّة أخرى.

وخلال هذه الرحلة يتحدَّث الشيطان كثيراً عن نفسه، وعن وظيفته، وطبيعته، وعلاقته بالله والإنسان، ويتبيَّن لنا من خلال الحديث نفسه أنَّه كائن صالح لا يسعى إلى الشرِّ كما يفهمه الناس، بل إنَّه يعمل لمصلحة الإنسان، وإحلال السلام في العالم.

ولا يمكن المقارنة في الحجم، ومجموعة القيَم المختلفة، والحوادث الدراميَّة المتتالية بين مسرحيَّة فاوست و"رسالة الشيطان"، فالأولى عمل مسرحيٌّ ضخم، والثانية قليل من صفحات لم تكتمل. ويبدو أنَّ الريحاني كان يريد أن يجعل من هـذه "الرسالة" محوراً لكتاب مستقلٍّ، فلم يتمكَّن من إنجازه. (ينظر : الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، حاشية ص 145)

المقارنة بين فاوست و"رسالة الشيطان":

تتماثل فاوست غوته و"رسالة الشيطان" لأمين الريحاني في مجموعة من العناصر، سواء من حيث رؤية الإنسان لدور الشيطان في حياته، أم من حيث الحوادث المتتالية التي تجري في العملين الأدبيَّين. وأهمُّ هذه العناصر:

أ- ظهور الشيطان:

يبدو ظهور الشيطان في كلٍّ مـن فاوست و"رسالة الشيطان" متشابهاً إلى حدٍّ كبير، فغوته يجعل الشيطان (مفيستوفيلس) يظهر على فاوست في هيئة كلب أوَّلاً، بينما يكون فاوست مع مرافق له خارج بوَّابة المدينة. ثمَّ يظهر الشيطان مرَّة أخرى في هيئة إنسان يرتدي ثياباً أنيقة:

"فمن أجل طرد الهموم عنك، جئت إليك كرجل نبيل، متدثِّراً بثوب أحمر مطرَّز بالذهب، وعليَّ عباءة من الحرير المشدود، وعلى رأسي قلنسوة مزوَّدة بريش الديكة، ومعي خنجر طويل مدبَّب." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 44)

وبعد أن يطمئنَّ فاوست إلى الشيطان، يعرض عليه هذا الأخير أن يكون خادماً مطيعاً له:

"مفيستوفيلس: أريد أن أرتبط بخدمتك ها هنا، وبإشارة منك لن أهدأ ولن أستريح." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 46).

وفي مكان آخر يقول مفيستوفيلس لفاوست:

"أكون في خدمتك على الفور. أنا رفيقك وسأحسن الصحبة. أنا خادمك. أنا عبدك." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 46)

ومثلما يظهر الشيطان على فاوست متخفِّياً في ثياب أنيقة، هكذا يظهر الشيطان على أمين الريحاني:

"رأيت أمامي رجلاً في ثوب لندنيٍّ أنيق، يجلس في ذلك الكرسيِّ جلسة الكريم الزائر." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146)

وعلى الرغم من اختلاف نمطَي اللباس بين زمنين مختلفين، زمن غوته وزمن الريحاني، فإنَّ الشيطان في كلِّ مرَّة ظهر في ثياب أنيقة، لكي يخفي بشاعته عن أعين الناس. وترتبط صفة "التلبُّس" أو "الالتباس" بشخصيَّة الشيطان الذي يحاول دائماً أن يُخفي شخصيَّته الحقيقيَّة، لكي يستطيع إيهام الناس وخداعهم.

وعند الريحاني، يعرض الشيطان أيضاً أن يكون خادماً لمحدِّثه:

"أنا الشيطان خادمك المطيع المخلِص... سمعتُك تناديني وتدعوني إليك." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146)

إنَّ تركيز الكاتبين على خدمة الشيطان للإنسان يؤشِّر على العلاقة الدائمة بين البشريَّة المادِّيَّة المنغمسة في الخطأ، والتي تجد في الشرور انتصاراً لها، وبين الشيطان المستعدِّ في كلِّ مكان وزمان، لتوفير الأدوات اللازمة لهذا الإنسان الضعيف أمام الطبيعة والكون، لكي يغرِق روحه وجسده في مزيد من المآسي. فالإنسان هنا هو السيِّد الذي يطلب، والشيطان هو الخادم الأمين الذي يقدِّم له ما يريد.

ومثلما كان الشيطان رفيقاً لغوته، ويعكس بعض أفكاره، كذلك كان الشيطان عند الريحاني. وكما دعا الشيطان فاوست إلى الوثوق به، والسير على خطاه، يدعو شيطان الريحاني الناس إلى اتِّباعه، لكي يحصلوا على النجاح، ولكي يحلَّ السلم والعدل على العالم (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 154). لكنَّ الاختلاف صارخ هنا بين الأديبين، فشيطان غوته شرِّير حقّاً، كما هو معروف لدى جميع الناس، إذ يقود البطل إلى المهالك والآثام، بينما شيطان الريحاني له وجه خيِّر، غير أنَّ الناس فهموه بصورة خاطئة، ولو أنَّهم فهموه كما يجب، لكانوا استفادوا من قدرته على عمل الخير، (بحسب الريحاني). وكأنِّي بفيلسوف الفريكة يوظِّف طبيعة الشيطان بطريقة أعمق من طريقة غوته التقليديَّة، فالريحانيُّ يريد أن يُظهر أنَّ شيطانه هو أفضل وأكثر جنوحاً إلى الخير من شياطين كثيرين في مجتمعاتنا المعاصرة، يتخفَّون عن الناس في وجوه غير وجوههم، ويعيثون فساداً وقبحاً وحروباً، وانحطاطاً أخلاقيّاً.

وتبلغ الصداقة بين الشيطان وكلٍّ من فاوست والريحاني حدّاً بعيداً، فيتبادل الإنسان مع الشيطان الأسرار، ويتعامل معه كصديق ورفيق، ويشرب معه الخمر دليلاً على المودَّة الفائقة، فها هو فاوست يتوجَّه مع مفيستوفيلس إلى الحانات مراراً وتكراراً، حيث يتبادلان الكؤوس في جوٍّ من الصفاء:

"مفيستوفيلس: كان بودِّي أن أشرب كأساً على شرف الحرِّيَّة، لو كانت خموركم أحسن قليلاً." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 63)

وعند الريحاني أيضاً، يشرب الشيطان الويسكي:

"قلت: هل لك قبل أن نخرج من البيت بكأس من الويسكي؟ فقال: لا بأس." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 153)

وفي مكان آخر يقول الشيطان للريحاني:

"أقول لك، وأنا أشرب هذه الكأس على صحَّتك أن تذكر كلامي." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 154)

ب- الشيطان جزء من الإرادة الإلهيَّة:

أظهر غوته في بداية مسرحيَّته أنَّ الله قلق بشأن الإنسان، ولذلك يتعاون مع الشيطان لتغيير حياة فاوست، فالشيطان هنا جزء من الإرادة الإلهيَّة، وهو ينتمي إلى عالم الخير، بدليل وجوده في الجنَّة مع الله. وقد طلب الله نفسه من مفيستوفيلس أن يذهب إلى الأرض لكي يجرَّ روح الإنسان من ينبوعها الأصيل وينحدر بها في طريقه. فالله والشيطان يتعاونان، ويتحاوران، ويضعان الخطط المتكاملة. بل إنَّ الله يفوِّض إلى الشيطان أمر تنفيذ ما تقتضيه الإرادة الألهيَّة في الإنسان:

"الربُّ: حسناً، ليكن ما تريد جرَّ هذه الروح من ينبوعها الأصيل واقتدها، وفي وسعك أن تمسك بتلابيبها، وأن تنحدر بها في طريقك...

مفيستوفيلس: ...إذا بلغت غرضي، فاأْذنْ لي بأن أملأ صدري بنشوة النصر. لا بدَّ أن أطعمه التراب وبشهيَّة، مثل عمَّتي: الحيَّة المشهورة.

الربُّ: لك الحرِّيَّة في هذا أيضاً. وأنا لم أبغض أبداً مَن هو على شاكلتِك." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 9)

يبدو من الحديث بين الإله والشيطان أنَّهما منسجمان في الرأي، وكذلك في الهدف، وهو الأخذ بالإنسان إلى أقداره المحتومة التي لا يستطيع التخلُّص منها. ولعلَّ في هذا الانسجام تعبيراً عن وحدة الوجود، ووحدة الخير والشرِّ، التي سيكمِّلها الإنسان فيما بعد، عندما يلتقيه الشيطان، ويرافقه، ويهيِّئ له سبل الخطيئة.

إنَّ في التحالف بين الله والشيطان ما يدلُّ على ثنائيَّة متكاملة، يعتبرها غوته من مصدر واحد. وفي ذلك يقول مفيستوفيلس:

"أنا جزء من تلك القوَّة التي تريد الشرَّ دائماً، وتفعل الخير دائماً." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 38). ويقول أيضاً: " أنا جزء من الظلام الذي أعطى الولادة للنور." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 38)

نستنتج ممَّا سبق أنَّ الله والشيطان، في نظر غوته، يتَّفقان على تسيير حياة الإنسان، ويشكِّلان معه وحدة عضويَّة لا تنفصم إلاَّ شكليّاً فقط، فالله والشيطان هما الإرادة العليا التي تتحكَّم بالمرء، وعلى هذا الأخير أن يخضع لتلك الإرادة التي لا مفرَّ له منها.

وفي "رسالة الشيطان"، يُظـَهـَِّر أمين الريحاني الانسجام بين الله والشيطان بطريقة مشابهة، إذ أنَّ العلاقة بينهما محكومة بمشاعر الودِّ والصداقة والتعاون. يقول الشيطان للريحاني:

"قديماً كان الله يستشيرني قبل أن يقدِم على عمل خطير، فكنَّا نتعاون على البرِّوالتقوى. كنَّا الزميلين الجليلين، بل الأخوين الصفيَّين (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 162).

ويعلن الشيطان صراحة في نصِّ الريحاني أنَّ الله والشيطان والإنسان شركاء:

"إنَّنا شركاء في العمل نحن الثلاثة: الله والإنسان والشيطان... نحن أركان الحياة والكائنات منذ البدء وإلى الأبد. إنَّنا شركاء في العمل وفي المُثل العليا." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 174)

وكما رأينا أنَّ الله عند غوته كان شديد القلق بشأن عبده فاوست، وأرسل الشيطان لكي يتحكَّم بمصيره، فإنَّ الله عند الريحاني قلق

أيضاً بشأن مصير الإنسان وهمومه، لذلك يرسل الشيطان إليه: "إنَّ الله نفسه مضطرب البال من أجل الإنسان." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 147).

ويبلغ التكامل بين الله والشيطان في نصِّ الريحاني مبلغاً متقدِّماً، حيث يدعو الله الشيطان في النهاية النصِّ لكي يذهب إليه، قائلاً:

"إنِّي مسرور أيُّها الشيطان بمشاهدتك... يا أيُّها الشيطان، سنعمل منذ اليوم متعاونين أنا وإيَّاك والإنسان على تجديد شباب العالم." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 178)

من الواضح أنَّ الريحاني يشبه غوته في رؤيته لوظيفة الشيطان، خصوصاً من حيث علاقته مع كلٍّ من الله والإنسان، بحيث يشكِّل الثلاثة معاً وحدة الوجود.

وفي رأينا أنَّ الوحدة بين الله والإنسان والشيطان هي دليل على اعتقاد كلٍّ من الكاتبين بالحلوليَّة (Pantheism) . وقد دعا سترونغ غوته بأنَّه شاعر الحلوليَّة: "اقترح أن أتحدَّث عنه باعتباره شاعر الحلوليَّة." ((Strong, 1897, p. 282

أمَّـا الريحاني فيقول في كتاب خالد (وخالد هو الريحاني نفسه): الإنسان هو الأسمى، فقط متى كان الأسَّ الصحيح للطبيعة والروح والله: تلك الينابيع الإلهيَّة الثلاثة التي يصدر عنها (كتاب خالد، 2011، ص 251).

وفي قصيدة غير منشورة باللغة الإنكليزيَّة عنوانها: "الهديَّة السامية" "The Gift Supreme"، يقول الريحاني:

"أهمُّ من الظلمات والنجوم(...)

أهمُّ من القمر وخمر بابل والفردوس(...)

أن نتَّحد بك جميعاً اتِّحاداً إلهيّاً" (عن الريحاني، أمين ألبرت، 1987، ص 219)

ولعلَّ كلاًّ من الريحاني وغوته تتبَّعا أثر الصوفيَّة الشرقيَّة في اعتقاد الحلوليَّة ووحدة الخالق والمخلوق. فمن المعروف أنَّ غوته تأثَّر كثيراً بحافظ الشيرازيِّ وجلال الدين الرومي، فقد وضع في الديوان الشرقيِّ للشاعـر الغربيِّ كتاباً خاصّاً بحافظ. كما كتب قصيدة بعنوان: "جلال الدين الرومي يقول"(Goethe, 1914, p. 61) .

ويَعتبر الباحث جبر أنَّ الريحاني أيضاً كانت له نظرة مؤيِّدة للحلوليَّة، تأثَّرت إلى حدٍّ كبير بالصوفيَّة الشرقيَّة (جبر، 1988، ص 218).

ونحن نعتقد أنَّ الريحاني كان على معرفة بنهج المتصوِّف الكبير جلال الدين الروميِّ، وقد تكرَّرت لفظة "درويش" أو "دراويش" ستَّ عشرة مرَّة في كتاب خالد. والدرويش في الغالب هو جلال الدين الروميُّ أو أحد أتباعه (**). كما أنَّ بطل الريحاني خالد، عندما توجَّه إلى الفلسفة والروحانيَّة، أعلن نفسه واحداً من الدراويش.(Schumann, 2011, p. 295) ولأمين الريحاني العديد من القصائد ذات المنحى الصوفيِّ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قـصـيـدة بعنوان: أغنية صوفـيَّة (A Sufi Song)

(Rihani, 1970, p. 80).

______________________________________

(**) يشتهر أتباع جلال الدين الرومي برقصة دائريَّة تسمَّى : الدراويش الدائريُّون. Whirling Dervishes

ج- الطبيعة القبيحة للشيطان:

ظهرت صورة الشيطان القبيحة في مسرحيَّة فاوست، فهو "الشرِّير الذي يتبدَّى في شكل المحسن، كأنَّه الذئب الكاسر في فروة شاة (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 120). وتجلَّى الشيطان فـي فاوست أوَّل الأمر على صورة كلب لعين، ينتفخ بشعره المشعث (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 37). وعندما حوَّل الشيطان نفسه من كلب إلى هيئة إنسان، كان يعرج برجـْل واحدة (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 61).

وهذا الوصف للشيطان - أي ظهوره مصاباً بعاهة العرج - يعود إلى اعتقاد شعبيٍّ بأنَّ الشيطان أصبح يعرج برجله اليسرى لأنَّها رِجـْل فـرس(***)، بعد أن غضب منه الله وألقى به إلى خـارج الفردوس (Becker, 2000, p. 127)، فالشيطان يُصوَّر على نطاق واسع بأنَّه يعرج، وبأنَّ إحدى قدميه ملتوية (Rudwin, 1970, p. 93)، وقـد دأب الفنَّانون على تـصـويـر الشيطـان باللـون الأسود وبأبشع صــورة ممكنـة (Defoe, 1728, p. 128).

وبسبب هذه المبالغة الخياليَّة في تصوير الشيطان، يسجِّل غوته اعتراض مفيستوفيلس على عدم فهم الناس له: "لم تؤثِّر فيكم كلماتي. وأنا أدعكم وشأنكم أيُّها الأولاد الطيِّبون. لكن تذكَّروا أنَّ الشيطان عجوز، فصيروا عجائز كيما تفهموه." (غوته، 2008، الجزء الثالث، ص 64)

والشيطان نفسه يقرُّ عند الريحاني بأنَّ الناس لا يفهمونه على حقيقته، ولا يعرفون عنه إلاَّ ما شاع في الكتب، وما هو متوارث خلال

__________________________________________________________________

(***) ارتبطت صفة العرَج عند الشيطان بقصَّته مع القدِّيس دانستان(Dunstan (909-988، فقد استطاع هذا القدِّيس تركيب نضوة حصان في قدم الشيطان من غير علم هذا الأخير بذلك .(Flight, 1871, pp. 34-35)

العصور. فالشيطان ممتعض من أنَّ البشر يجهلون طبيعته، بل ينظرون إليهنظرة ازدراء واحتقار: "يقولون فيَّ كلَّ قول قبيح ويسمُّونني بالأسماء المنكرة... الشيطان الرجيم! الخنَّاس، الذي يوسوس في صدور الناس." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص161)

واللافت في "رسالة الشيطان" للريحاني أنَّ الشيطان يتمتَّع بشخصيَّة جاذبة، عالِمة، تجيد النقاش، وذات طبائع إيجابيَّة، على عكس ما صوَّره غوته في فاوست، فغوته ينطلق من رؤية دينيَّة تظهِّر الشيطان ببشاعة وخبث، بينما الريحاني لا ينطلق من رؤيته الرفضيَّة الخاصَّة. بل لعلَّه يعتمد على المنطق الذي يقول إنَّ الشيطان ذو طبيعة قريبة من الناس. فهو لا يمكنه إغواؤهم وجعلهم يسيرون في السبل الملتوية إن لم يظهر عليهم بمظهر فاتن. وقد سبق ميلتون الريحاني في تصوير الشيطان على أنَّه ذو طبيعة راقية، وذلك في القسمين الأوَّل والثاني من الفردوس المفقود، فقد كان شيطان ميلتون في البداية ملاكاً من الشاروبيم، ثمَّ انحدر بعد ذلك في صفاته ليصير حيواناً ذا جناحين. وعندما نصل إلى الجزء الخامس من الفردوس المفقود، نجد أنَّ الشيطان تحوَّل بشكل كامل إلى حيوانيَّة بشعة. وقد يكون الريحاني نظر إلى الشيطان في طبيعته الأصليَّة (ملاك)، ولم يقتنع بأنَّ التحوُّل إلى البشاعة قد حدث فعلاً. ولهذا نرى الشيطان يشكو ويتبرَّم من غلاظة الناس الذين يرون فيه القبح والشرور الفظيعة.

ويتَّضح في "رسالة" الريحاني أنَّ طبيعة الشيطان عصيَّة ومبهمة بالنسبة لطالب المعرفـة (الريحاني نفسه)، ولذلك يطالبه الشيطان بأن ينظر إليه نظرة عميقة متفهِّمة: "فقد حان للناس، وخصوصاً منهم المفكِّرين، أن ينظروا إليَّ وإلى أعماقي نظرة عقليَّة صادقة حرَّة." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 146). ويتَّضح من هذا الكلام أنَّ الشيطان ذو شخصيَّة عميقة تحتاج إلى مزيد من التحليل والدراسة. وقد جعل الريحاني الشيطان على كثير من العلم والدراية، ومتحدِّثاً من الطراز الرفيع، وهذا لا يخالف بعض المعتقدات السائدة، فالشيطان عالِم، وقابل لتعزيز معلوماته، وهو قادر على الإغراء والإقناع بطريقة مدهشة (Gilpin, 1867, pp.21-26).

د- الشيطان يحفِّز الإنسان إلى الأعلى:

في مسرحيَّة فاوست يعمل الشيطان على تحفيز البطل للسير في اتِّجاه معيَّن، أي نحو الطموح الذي تحدُّ منه التقاليد والقيَم السائدة. فإنَّ دور مفيستوفيلس هو أن يبقي الإنسان متحفِِّزاً للطموح (Michell, 1808, p.1).

والتوجُّه إلى الأعلى هو الهدف الذي يسعى فاوست للحصول عليه، فإنَّ فيه روحين متلازمتين: "إحداهما تتشبَّث - في شهوة قويَّة - بالعالم بواسطة أعضاء متماسكة، والأخرى تسمو على التراب بقوَّة صاعدة إلى ساحات الأجداد السامين." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 32).

إنَّ القلق الذي يمزِّق روح فاوست، والذي نتج عن عدم قدرته على اللحاق بما هو فوق معرفة البشر، قد دفع به ذات مرَّة إلى محاولة الانتحار، ولكنَّه عدل عن ذلك واقتنع بالحياة. فاسمعه يقول: "أريد بكلِّ روحي أن أبلغ الأعلى والأعمق... وهكذا تتوسَّع ذاتي إلى ذات الإنسانيَّة." (غوته، 2008، الجزء الثاني، ص 49). وعندما يتحالف فاوست مع الشيطان، يضع في حسابه أنَّ مفيستوفيلس إنَّما سيوصله إلى عوالم خفيَّة لم يتمكَّن وحده من الوصول إليها.

وفي "رسالة الشيطان" يقوم الشيطان بدور مشابه، فيقود الإنسان إلى الطموح، بل إلى السبيل الأعلى:

"عليَّ أن أشعل في صدر الإنسان نور الطموح كلَّما انطفأ ذلك النور... عليَّ أن أنبِّهه، وأستفزَّه، وأحرِّضه، وأستغويه... يجب عليَّ

أن أساعده ليفهم ذلك، وأن أستحثَّه على العمل على التصعيد في السبيل الأعلى." (الريحانيَّات، 1982، الجزء الثاني، ص 147)

ولا بدَّ لنا هنا من الوقوف عند لفظة "استغويه"، وهي لفظة تؤشِّر على التوازي العميق بين الريحاني وغوته. أفلم يقم مفيستوفلس برحلة طويلة بين الفردوس والأرض من أجل إغواء فاوست؟ أوليس هو مَن أستغواه من أجل أن يُغرم بمرجريت جرتشن ويعتدي عليها جنسيّاً؟ أليس هو مَن جعل من حياة فاوست نزهة في أرجاء اللذَّة والخطيئة؟

ولكنَّ الاستغواء عند الريحاني لا ينطوي على ملذَّات جسديَّة، بل هو طاقة ملتهبة تنتج عنها المعرفة العقليَّة. فالتوجُّه نحو الأعلى عند غوته هو توجُّه جسديٌّ شهوانيٌّ من جهة، وتوجُّه إلى الذات العليا من جهة ثانية، أمَّا الريحاني فإنَّ إغواء الشيطان للإنسان عنده يهدف إلى إغنائه بالمعرفة المطلقة أي معرفة الحقيقة الكاملة، معرفة الله.