Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: عطر السنين


قسماتُ طيفِكَ أَستحضرُها من خلفِ نقابِ الأَيَّام ِ أَبي... وأَسجُدُ أَمامَ كأسِ حُبابِ كدِّكَ والتَّعبِ، أُصلِّي!!

أَتمرَّغُ حُبورًا فوقَ بساطِ عينيكَ الزَّرقاوينِ ومِلحُ زَبَدِ دموع ِ غِبطتكَ بحلمِكَ الأَمل- رجُلِ الغدِ- يمنع عن ترعرُعي بينَ يديكَ، فسادًا... أَو أَسفًا!!

كم راودتْ عينيكَ الأَحلامُ بمراقي المجدِ، وأَنتَ تتلمَّسُ الغدَ مُشرِقًا في ترقرقاتِ عَينَيَّ تنضحانِ بماءِ فتوَّةٍ؛ كُنتَ تستعجِلُ فيضَ مواسمِها والجَّنى؟ كأَنِّي بكَ كُنتَ على يقينٍ، أَنَّهُ لن يُمهِلَكَ قَدَرٌ لتُمتِّعَ النَّفسَ بطيبِ قطافِكَ ولذيذِ الثَّمرِ من تعبِ يديكَ وضنى السَّهر!!

يا باني الإِنسانَ فيَّ: لكَ من كفِّي ما حييتُ، غمارَ سلام ٍ وأَطواقًا من صادقِ التَّحيَّة.

يا زارعًا في تربةِ نفسي- زمنَ التَّرهُلِ- حُسنَ الطَّويَّة.

لكَ من شذا فِعالي عهدٌ:أَن أُهـديَ السَّفافةَ والدَّناءةَ في الرِّجالِ نصلاً ولسِيَرِهم إِن انحرَفَتْ بين الورى مَدِيَّـة.

غادرتني باكرًا أَبي، غيرَ أَنَّ ما تركتَ بي من صالح ِ التَّربيةِ قد خمَّرَ عجينَ أَيَّامي بينَ النَّاسِ؛ وقد بات أُولئكَ الَّذينَ يستسقونَ لكَ الرَّحمةَ من لدُنِ الخالقِ كُثُرًا، بعد أَن خرجتُ إِليهم من بين يديكَ وما علقَ بي من محاسنِكَ: إِنسانًا!

علَّقتَ قلببي بوطنِ الأَرزِ وبَثَثتَ روحي عِشقًا لكُلِّ ما ضمَّتْ أَرضُه وما حَوَتْ سماؤه، ولو استطعتَ إِقناعي بأنَّ بحار المعمورة كلَّها مالحةٌ خلا بحرَ بلادي: فكوثرٌ سلسبيلٌ ماؤه... وزَبَدُهُ خُزَعٌ من مغاورِ الجِنِّ ومن دمع ِ قلوبِ القدِّيسين عصيرُ موجِه... لَما توانَيتَ!!

بكيتُكَ يومَ فارقتني قليلاً! وكنتُ يومَها لا أَزالُ طفلاً بعدُ... والأَطفالُ على ما تعرِفُ يا أَبي، لا يُبكيهُم سوى فقدِهم لمتاع ِ الدُّنيا ومباهج ِ الأَلعابِ،لأَنَّهم لا يقدِّرونَ الخسائرَ الفادحةَ ولا يهدُّ أَبراجَ لهوِهم غيابُ الأَحبَّةِ...وهم يحبُّونَ مَن يملأُ أَفواهَهُم بالسُّكَّر وبأُولئكَ الَّذين يدغدغونَ عيونَهم بالأَفراح ِ الزَّائلة ِ يتعلَّقون ويتعمشقون!!

وكانتِ الأَيَّامُ تصهرُني بلا شفقةٍ في آتونِ تجاريبيها والمصاعبَ، أَمامَ كُلِّ مُفترقٍ وعندَ كُلِّ مُنعطفٍ بلا هوادةٍ ...حيثُ استفقتُ من بداهةِ الطفولةِ ورحتُ أَبكيكَ؟ لا، أَبكِي غيابَكَ، أَبكي فقدي لسُلطةٍ رؤوم ٍ تهادي خطوي على دروبِ العمرِ،فتجنبني الزَّللَ وتقيني شرَّ الإِنزلاقِ في مهاوٍ ومتاهاتٍ لا عدَّ لها ولا حصر إِبَّانَ مُجرياتِ الزَّمن الصَّعبِ هذا الَّذي نحيا، منهُ مُمتعضينَ!!

أَشتاقُكَ أَبي رَجُلاً من زمنِ الكبارِ الَّذين يسمو بهم المجتمعُ الإِنساني خُلُقًا ومواقِفًا! يا مَن ربَّيتَني على الرُّجولةِ الحقّة ومحبَّةِ النَّاسِ والوطن، بالرُّغم من ضيقِ مساحة الأَيَّام الَّتي عِشناها معًا، غيرَ أَنَّها كانت كثيفةً بالمثلِ الصَّالح والأَداء المتميِّز خُلقًا والسَّامي عاطفةً، تُجاه عائلةٍأ أَفنيتَ ذؤآباتِ عمرِكَ فوقَ مذبح ِ إِسعادِها قرابينَ، وأَمام أَعتابِها سجداتٍ سجدا من غيرِ عدٍّ، طلبًا لرعايةِ باريها!!

إِنَّ كُلَّ ما ضجَّتْ به ملاعب حياتي وصخُبَتْ يُذكِّرني بكَ، وقد تركتَ في عُنقي من جَهدِكَ والكدِّ سماتِ الشَّرفِ والكرامة ِ علاماتٍ وأَمائرَ حملتُها ولا زِلتُ، من زمن الفراقِ ذخائرَ في الصِّدرِ والقلبِ والوجدانَِ لا ينقطعُ لها نياطٌ،ولا يُمَّحَ لها أَثرٌ، حتَّى مع الأَحفادِ، تخليدًا وصَونًا لذكراكَ!!

وداعًا أَيُّها المقيمُ في حنايا الفؤآد، المستوطنُ شِغافَ القلبِ وثنايا الوجدان، الحاضرُ بي أَبدًا،إِنِّي أستجدي بإِلحاح ٍ رضاكَ؛ أَنتَ العارفُ يقينًا كم كُنتُ بكَ مُتعلِّقًا،غيرَ أَنَّهُ في زمانِكَ لم يكن بعدُ للأَبِ يومٌ نضمُّه فيه لنُعطيه وقد اعتادَ الأَبناءُ ضمَّ آبائهم طلبًا لأَخذٍ ورغبةً في نوال!

إِسمحْ لي أَبي ختامًا،أَن أَحضُنَ بتؤدَّةِ الحريصِ - بينَ يدَيّ - طيبَ ذِكراكَ، بعدَ أَن طالَ بيننا زمنُ الفراقِ... ولَـكَـم أَشتاقُ ضمَّ حضورِكَ الملحِّ- لو أَحظى به- ويا طيُُهُ من عِناق!!

سـليمان يوسف إِبراهيم

عنَّايا- في 11-6-2009

#كتاب

2 views0 comments