Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: مشهد مسرحي


لا تصدّقوا العنوان. قصة تشبه المسرح. يمكن تحويلها إلى مسرحية. قد تكون شبيهة بـ"فاوست". لكن لا. "فاوست" طويلة جداً ومملّة. مسرحيّتي قصيرة جدّاً. فيلم مختصر يستحقّ أن يُعرض في مهرجان "كان". هي قصّة رجلين كانا على عداء مستحكم. أحدهما لا يطيق الآخر. لا يطيق الأرض التي يسير عليها. كان يقول أحدهما: لو أنّ عظامي كانت في النعش مع عظامه لانفصلتْ عنها وخرجتْ من حديد القبر تولول. وكان الثاني يجيب: ما رأيت أبشع ولا أقبح ولا أتفه من نفسيّته الحاقدة المعقّدة.

الحقيقة أن كليهما معقّد، ويتنافسان على كنوز غير موجودة، هي من تراب، لكنّ الحاجة أمّ الاختراع، التراب يصبح ذهَباً في عين صاحبه، والقرد في الغابة يرى نفسه على صفحة الماء أجمل من الغزال.

في ليلة ليلاء اتّصل أحدهما بالآخر، فتفاجأ الثاني وظنّ أن غريمه اللدود اتّصل به ليسمعه كلامًا قاسياً أو ليعنّفه أو ليحقّره. لكنّ المتصل كان رقيقاً، وطلب من غريمه أن يهدأ قليلاً لأنّ هناك مشكلة في المدينة.

-ما المشكلة؟

-اسمع. يجب أن نسامح ونتسامح.

-نُسامح؟ ومن أين تعلمت المسامحة؟

صفَن المتّصل قليلاً، وحكّ رأسه، وبدا أنه يثرثر ببضع كلمات مع شخص كان بجانبه. وقال:

تعلّمت المسامحة من الله. ألا يقول: طوبى لصانعي السلام؟ وأحبّوا بعضكم بعضاً؟

-صحيح قال ذلك، كما جاء في الكتب... ولكن هل كنت تتحدّث إلى أحد؟ لقد سمعت أصواتاً غريبة وأنت تكلمني؟

-لا والله... لا أحد معي. أخاطبك من تلقاء نفسي، فلننسَ الماضي، لأنّ مصلحتنا في خطر. هناك مَن يُعكّر علينا صفو الحياة، وقد كنّا آمنين. حقّاً نحن كنّا عدوَّين... لكنْ يقول المثل... ماذا يقول المثل؟... يا ربّاه لقد نسيت...

صمَت المتّصل مرّة خرى، وسُمع يسأل شخصاً بجانبه بصوت خفيض: ماذا قال المثل؟ ماذا قال المثل؟

ثمّ تابع كلامه قائلاً: نعم... نعم... قال: أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب.

-آه. تقصد أنّني كنت ابن عمّك والآن أصبحت أخاً لك. وقد أصبحتَ تحبّني بعد طول عداء... وأمس ماذا قلتَ عنّي؟ أما قلت عنّي إنّني جاهل ومدّعٍ، والغرور ينخر عظامي؟

-الغرور... الغرور... ليس الغرور من شيمِنا، فنحن نزعم ما ليس لنا، فهل رأيت الكاذب مغروراً ذات يوم؟ الذي يقول الحقيقة عن نفسه هو المغرور. وقد جاء إلينا مَن يقول الحقيقة عن نفسه، ونحن أردنا أن نمنعه عن ذلك، فاتّهمناه بالغرور والتشاوف، لكنّه رفض أن يرضخ لابتزازنا، فكشف أكاذيبنا وجميع ما فعلنا من الإثم في حياتنا. إنه يهدّدنا في عقر دارنا... ويفضحنا بأعماله الجليلة... والناس سيقارنون بيننا وبينه ويكتشفون أنّ ما تبّجحنا به ليس إلاّ عظاماً نخرها السوس... أرجوك يا أخي أن تسمعني... سأدعوك إلى الغداء في بيتي...

-هذه من عاداتك. تدعو الناس إلى الغداء عندما لا تستطيع أن تهدّدهم وترعبهم... أساليبك مخيفة، بيد أنّني أحبّها لأنها تنمّ عن روح شريرة وإن كنت تتظاهر بثياب الحملان... من غير أن تدعوني إلى الغداء، صالحتُك ومحوت كلّ عصور الضغينة بيننا، وسأسير معك ونتعاون من أجل أن ينتصر الكذب والخداع والنميمة والبغضاء... مَن قال إنّ الشمس لا تُغطّى بكومة من الطين؟ في هياكلنا طين كثير، سنحمله على ظهور الجمال ونطيّن الشمس به، حتى نجعل نورها يتحوّل إلى ظلام... وإذا سألَنا أحد كيف أصبحنا حليفين وصديقين رائعين، سنذكر أمامه كلام الله: أحبب عدوّك، وصالح أخاك؟

انتهت المكالمة بين الرجلين في تلك الليلة. وبينما كان المتّصل يقفل الخطّ، وعلى وجهه فرح بما حقّقه، كان الشيطان إلى جانبه يعرُج ويضحك بصوت عال، ويقول: إشرب إشرب. يا لنجاحي في التخفي! لقد جعلتُه يظنّ أنّ الله هو من دعا إلى هذه المصالحة، بينما أنا أدعو إليها من أجل الخراب. البشر لا ينتبهون إلى وجودي بينهم، وينسبون إلى الله كثيراً من الشرور التي أصنعها، ويَعْزون إليه الدمار الذي أسبّبه لأصحاب القيَم والفضائل.

#كتاب