Search
  • Jamil Doaihi

سليمان يوسف ابراهيم - عنايا: جبيل


عَفوكِ أُمّ الحضارة: لأَنَّا ما سمعنا أَنينَ التَّاريخ ِ في أَوصالِكِ يُناجينا!! جُبيلُ أَيا جُبيلُ؛ يا مُستودع ِ التَّاريخ ِ وعِرقِه البِكرُ، الَّذي تختلجُ لنبضِه إِنسانيَّةٌ بمُجملِها... فانطواءُ الزَّمن عليكِ، كالخمرةِ لكِ: يزيدُ طلَّتكِ نُضرةً وحضورَكِ أَلَقًا! لتذهبَ مكنوناتُ صدرِكِ بِلُبِّ مُعاصريكِ، خاطفةً إِلى ذلك، أَفئدةَ قاطنيكِ... ومَنْ يتناوبُ مسامعَهم عنكِ خبر! كيفَ لا؟ وأَنت؟ كما المرأَةُ أُولى الأُمَّهاتِ وفريدَتُها! كذا أَنتِ، أُولى أُمَّاتِ المدُنِ المأهولةِ على أَديم ِ الكُرةِ، ولن تتجرَّأَ على مُنازعتِكِ على هذا الشرفِ أَيَّةٌ من بقاع ِ المعمورِ!! أَيَّتُها الأُمُّ الرَّؤومُ الَّتي لا ينضَبُ قلبُها مَعينًا، يضُخُ الإِنسانيَّةَ نَبضَ حنينٍ، يُعيدُ أَهلَها إِلى صدرِها بترفُّقِ ساعدَيها، وهُم في الحالَينِ:أَحياءً وأَمواتًا، على وِفرَةٍ من عِزَّةٍ وكرامةٍ، أَنْ قُيِّضَ لهم بأَن تكوني لهم أُمًّا وهم منكِ أَبناءً مَيامين! أَجملُ ما في وجهِ الأُمّ، أَنَّهُ الوحيدُ الَّذي نُمضي العُمرَ ونحنُ نتكشَّفُ من فوقِ صفحةِ تقاسيمِه في الغالبِ، وجهَ مَنْ سنُحبُّها على العُمرِ! فمثلُها أَنتِ جُبيلُ؛ مهما انطلقَتْ بنا المدنيَّةُ قُدُمًا أَو سَمَتْ بنا صُعُدًا، يبقى لنا في سحيقِ جوفِكِ من الحضارةِ ما يُعيدُنا إِلى الأَصالةِ، وما يعودُ بنا إِلى الدَّهشةِ البِكر! فهل أَنقى لعُيونِنا وأَشدُّ صفاءً لنفوسِنا، من تلمُّسِ نبض الأَمسِ في عروقِ حاضرِنا الَّذي نتوهَّمُ انطواءَهُ بائدًا، لتُدهشَنا إِطلالتُه ناصِعًا وهَّاجًا من خلفِ نِقاب السِّنين الخوالي؟َ! إِنَّ جُبيلَ أُمُّ المدائنِ قاطبةً، تعودُ لتتململَ زهوًا بالعودةِ إِلى الحياةِ مُجدَّدًا، لتبقى سيِّدةَ الحضارة ِالإِنسانيَّةِ بِما تمخَّضَ عنه رحِمُها من عَبَقِ الحضارةِ مؤخَّرًا: فُسَيفُساءً أَعادتْ لمدينةِ الحرفِ أَلقَها، بعدَ أَن كادَ العالم ينسى فضلها عليه في مَحوِ جَهالتِه وفكِّ الطَّلاسمِ أَمامَ بصيرتِه!! عُـذرًا منكِ أُمَّـاه، عُـذرًا منكِ أَيـا جُبيلُ الهاجعةُ على قَلقِ التَّوهُج ِ الطَّالع ِ إِلينا أَلقًا يفرضُ حضورَكِ كما حضورِنا على العالم ِ من جديدٍ!! لأَنَّ المساسَ بمستودع ِ تاريخِكِ وعرقِكِ النَّابضِ عُنوةً، دونَهُ محاذيرُ!! عُـذرًا منكِ سيِّدةُ الحضارةِ المدنيَّة، لأَنَّ الأَقداسَ لا تُمسُّ بأَمرٍ من إِدارةِ الشُّعوبِ، مَنعًا للمَساسِ بمصالح ِ العِبادِ وصوالِح ِ البلادِ؛ زمن قُزِّمَ فيه فِكرُ الإِنسانِ بمعدَةٍ أَغلبُ ما تكون خاوية، وضُيِّقَ على عِزَّتِه بحلقٍ أَكثرُ ما يكونُ ملعبًا للرِّيح!! إِنَّي أَقدِرُ جهودَ ومساعي السُّلطةِ المحلِّية والوزارة المختصَّة لِما أَبديتاه من اهتمام ٍ بالقضيَّةِ تنويرًا لأَهلِ المنطقة وإِضاءةً على المسألة عالميًّا، عملاً وقولاً، وإِن انتهتِ المساعي والمؤتمراتِ إِلى إِعلانِ العجز عن مُتابعةِ المشوارِ، كونهُ على ما جاء في مثلنا الشَّعبي: "العينُ بَصيرةٌ واليدُ قصيرَةٌ". فإِن لم نلقَ – نحنُ المواطنينَ- لتوفيرِ الأَموالِ اللاَّزمة لجلوِ بهائكِ سبيلاً، فليستصرخَ ماضيكِ البهي حاضرَكِ المذري بلومٍ قاسٍ فعلَّ مَن يستحي ِمِن جبروت التَّاريخ ِ الرَّابضِ في جوفِكِ فيرعوِ مُعيدًا إِليه حقَّه في الحياةِ، ما دامتِ العائداتُ ستضخُّ الوِفرَ الكثيرِ في خزينةِ الوطن وجيوبِ المواطنين! وما دُمنا في وطنٍ تُسخَّرُ الأَموالُ فيه لـمُريديها متى شاؤوا، فلماذا يضمحلُّ نبتُها ويتراجعُ استنباتُها ويغورُ مَعينُها، متى يكونُ فيها للوطنِ وأَهلِه صالحٌ أَو فائدةٌ؟!! فما دامتِ الحالُ على ما هي عليه من عجزٍ وقُصورٍ عن تلبيةِ نداءِ المدينةِ، مَستصرِخةً أَهلَها والعالم بما أَنضجَتْ تُربتُها من خميرٍ، وما تعرَّقت عنهُ خوابيها من خمرةٍ تنضحُ سُلافًا من أَقبيةِ السِّنين، دونَ أَن يَنتشيَ آدميٌ من عَبَقِها أَم يُبدي حِراكًا... لم يعُد أَمامَ المعنيينَ والـمُناصرين إِلاَّ أَن تتمخَّضَ اجتماعاتُهم ومؤتمراتُهم عن توصيةٍ يتيمةٍ توصي الجُبيليينَ بخاصَّةٍ كما المواطنين بعامَّةٍ، من جيلِ اليوم، أَن ينقلوا الوصيَّةَ للقادمِ من أَجيالِ بني جلدَتِهم- ما دام الماضي الحيُّ متدثَّرًا تُربةَ الأَجدادِ هاجِعًا فيها- فيُحَتَّمُ عليهم: أَن يخفِّفوا الوطأَ عن أَرضِ جبيلَ، وليخنِقوا الضَّوضاءَ من فوقِ أَديمِها، خُشوعًا ووقارًا لعظَمَةِ الزَّمان الَّذي لا زالَ يهجعُ تحتَ أَقدام ِ موتى، وهو حيٌّ أَبدًا!!

#كتاب

0 views