Search
  • Jamil Doaihi

مارسيل منصور: أبو حازم يموت... ولا يموت


المستحيل يموت والفلسطيني المناضل لا يموت... كان يعيش قصة حب مع بلاده... كان يعشق أرضه مسقط رأسه... ويتفانى في الدفاع عن قضية وطنه فلسطين في زمن الوجع والألم... كان يحمل الهمّ الفلسطيني في قلبه وعقله وضميره إلى ما لا نهاية ... لأنه كان صاحب رسالة... إنه الفقيد الراحل المناضل خضر سلطان... من جذور غزة ومن أهم أعضاء لجنة الاتحاد العام لعمال فلسطين في سيدني... سيبقى طيفُه بين أبناء الجالية على مدى الأيام والأعوام. لقد كان نبأ وفاة الأخ العزيز خضر سلطان (أبو حازم) مؤلما للغاية، يبعث في النفوس الحزن العميق والأسى، فقد خطفه الموت صباح يوم الجمعة 7 أكتوبر 2016، وهو في أوج عطائه المستمر الذي لا يكلّ ولا يهدأ، والذي لم يوقفه غير الموت حيث وقف له بالمرصاد بعد صراع مع المرض دون أن يرحم. حين تلقيت الخبر غمرني شعور غريب، ورحت أتصفح الماضي، من مكالمات شخصية معه على الهاتف، ومواقف شريفة ومشرفّة له وذكريات، وتبعثرت الكلمات، وقلت في نفسي كيف أقدم العزاء؟ وكيف يكون الرثاء لمثل هذا الإنسان الذي طالما ملأه الإصرار والعمل الجاد والإرهاق المضني من أجل خدمة قضية بلده الأم فلسطين؟ وإذا قمت باستعراض محطات الذكريات لرأيت أنه لا تتسع الصفحات لوصف شخصيته المحبوبة والتي زُرعت في قلوب الكثير من أبناء الجاليات والأصدقاء، كان دائما متأهبا للإنطلاق في العمل الوطني في تحضير كل ما يلزم لإقامة المناسبات الوطنية الأساسية إلى أقصى الحدود... أذكر منها على سبيل المثال مناسبات جمع التبرعات وإرسالها إلى أطفال غزة، ومناسبات إحياء ذكرى النكبة، وحفل تكريم الخريجين الأستراليين الفلسطينيين على مدى الأعوام... هذا إلى جانب إرسال الدعوات بالبريد العادي أو تسليمه باليد ثم الاتصال هاتفيا بالجميع لتأكيد الحضور. فلا أعتقد أن هناك شخصاً فلسطيني الأصل في سيدني إلا وحالفه الحظ في الإستجابة للمكالمات الهاتفية المستمرة التي كان يجريها الفقيد أبو حازم، والاستمتاع بها والإستلهام منها، من حيث الشعور بالوطنية الحقة، وبالإنتماء إلى الأرض الفلسطينية والدفاع عنها. فباتت شخصية أبو حازم وكأنها مرتبطة بالشحض الذي يذكّر الأفراد بقضية وطنهم فلسطين والمسئولية الملقاة على عاتقهم دوما. استعراضا لمحطات الذكريات، تجدني أتذكر أسئلتي له عن بعض التاريخ في شؤون غزة التي تركتها في عمر مبكر، مثل إحياء كرنفال 21 مارس من كل عام في جميع المدارس والجندي المجهول وغيرها، وكان يجيبني بحقائق تاريخية أجهلها. كما وأني أذكر مؤخرا لشخصية العزيز الفقيد خضر سلطان موقفا شهما فيه الكثير من الجانب الشخصي، ففي مكالمة هاتفية حدّثته فيها عن استيائي من بعض الأفراد الذين خذلوني غدرا، أربعين عاما خلال إقامتي في سيدني لم أتعرض لمثل ذلك التصرف البذيء الذي لا يليق بالأصول والأخلاق الكريمة وأسلوب اللياقة. فأجابني بكلمات رزينة فيها من الحكمة والاتزان ما زلت أذكرها وترنّ في مسامعي بنبرات صوته الحازم، حيث قال بالحرف الواحد: "يا أخت مارسيل، أنت إنسانة مناضلة ومفكرة ومبدعة في وقت واحد، أنت هرم من الاهرامات، وكلما ارتفع هرمك أكثر زاد أعداؤك أكثر، وإن هؤلاء الغيورين والحاسدين هم أعداء النجاح، لا يقدرون أن يفعلوا ما تفعلين، فأرجو منك أن لا تهتمي لهم، وإن استمراريتك في العمل المتواصل هي خير انتقام". هكذا هي شخصيه أبو حازم، إنها بمثابة قنديل يشع بنوره على الآخرين، محفّزا على تشجيعهم ومساندتهم في كل الأحوال. وهنا أود أن أقول إن ذلك الشخص العزيز الراحل خضر سلطان كان هو أيضا هرما شامخا ضليعا في التاريخ، غزير العطاء، أعطى الكثير ولم يبخل على وطنه بالعمل الدؤوب والجهد والمثابرة، بل أعطى من الحياة إلى آخر نفس فيها. إن رحيل العزيز خضر سلطان (ابو حازم) لا يشكل فقط خسارة لأفراد أسرته وأصدقائه ومحبيه، ولأعضاء الاتحاد العام لعمال فلسطين، بل لجميع أبناء الجالية الأسترالية الفلسطينية والعربية، وسيبقى المشوار الذي سار عليه الفقيد خلال حياته مشعلا ينير طريق النضال من أجل حرية فلسطين، ممثلا في أنجاله وأحفاده وأسرته. إن الراحل سيبقى في الوجدان والذاكرة، لم يترك وراءه إلا من يتذكره بالخير والمحبة، وذكراه محفورة في كيان الجميع، تجسد صورة الوطن والتشبث في حق العودة إلى فلسطين.

#كتاب

0 views