Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: وادي السقوط (قصّة قصيرة)


وادي السقوط (من مجموعة "الحافلة والولد ممكن" التي تصدر عام 2017 من ضمن مشروع د. جميل الدويهي "أفكار اغترابية" للأدب المهجري الراقي)

وقفَ السائح طويلاً أمام إشارة زرقاء في أول القرية مكتوب عليها: "وادي السقوط”.

كتب بضع كلمات على دفتر صغير، ثم تنفّس بقوّة، ومسح عرقاً يتصبّب من جبينه. فالصيف قد انتصف، وشمس تمّوز ترسل أشعّتها الحارقة إلى الأرض فتكاد تلتهب.

قليلون هم الناس في القرية، وعند مدخلها دكّان صغيرة فيها رجل عجوز قد يكون وُلد قبل نوح بقليل. كان صاحب الدكّان وحيداً يستلقي على كرسي تحت شجرة أمام دكّانه، وقد غطّ في نوم عميق. لكنّه استفاق على وقع خطوات السائح تقترب منه، فراح يكنّس آثار النعاس عن جفنيه الكثيفين، ويفتح عينين صغيرتين ليتمعّن في السائح، ويكتشف من ثيابه وهيئته وشعره الأشقر أنه غريب.

ولم يكن الزائر غريباً تماماً عن هذه الديار، فوالده من المنطقة ذاتها التي يقع فيها "وادي السقوط"، وقد هاجر الوالد باكراً بسبب الفقر، ثمّ عاد ابنه ليرى وطن آبائه وأجداده. أمّا ملامحه فغربيّة، لكنّه يرطن ببعض اللغة الأمّ.

خاطب صاحب الدكّان قائلاً: مرحباً يا عمّ … أعتذر إذا كنت قد سبّبتُ لك أيّ إزعاج...

قال الرجل العجوز وقد عادت إليه روحه: أهلاً يا بنيّ. لم تزعجني إطلاقاً... لعلّك تزور قريتنا للمرّة الأولى. لقد أصبحتُ كبيراً في السنّ، بيد أنّ ذاكرتي لا تخون.

ضحك الزائر ضحكة خفيفة وقال: صحيح يا عمّ... أنا لست من هذه القرية، لكنّ أبي، حليم الغصين، من هنا، وقد سافر إلى البرازيل قبل 50 سنة.

-والدك حليم الغصين؟! كان من خيرة الناس، وقد عرفته في مطلع شبابه، وأذكر يوم ترك القرية. كان طموحاً إلى حياة أفضل.

-لقد رحل والدي عن هذه الدنيا، وطلب منّي قبل أن يغمض عينيه أن أعود إلى القرية، ولو في زيارة قصيرة، وذكرَ لي اسمها: “جُورة الحور"، غير أنّني فوجئت بأنّ الإشارة الزرقاء التي هناك، عند أوّل القرية قد كتب عليها اسم آخر، فظننت أنّني ضللت السبيل، وراجعت الخارطة التي معي فتأكّدت فعلاً من أنّني في المكان الصحيح، ولم أخطئ... والحقيقة كما يبدو لي هي أنّ الاسم تغيّر...

زفر الشيخ زفرة طويلة، وقال: صدقتَ. الاسم تغيّر... كان أجمل في الماضي، لكنّ المقادير لها شأن في العباد. هل رأيتَ يا بنيّ تلك البيوت الكثيرة عند السفح؟ لقد خلت من سكّانها... ولا يعيش في القرية الآن إلاّ قلّة من الصادقين والأمناء وأصحاب الضمير...

-وماذا حلّ بالآخرين؟ أهاجروا مثل أبي لكي يحقّقوا الثراء؟

-يا ليتهم هاجروا.. لقد سقطوا في الوادي...

-سقطوا في الوادي؟ لم أفهم ما تقصده أيّها الشيخ الجليل.

-لذلك قصّة طويلة...

صمتَ الرجل العجوز فجأة وكأنّه تعب من الكلام، بينما كان الغريب ينظر إليه بأمل وشوق لسماع القصّة. ولمّا تأكّد من أنّ العجوز توقّف عن الكلام المباح، عاجله بالقول: لقد جئتُ يا أبتِ من مكان بعيد، وأحبّ أن أعرف أصول أهلي، فليتَك تروي ما حدث لهم، لأنّ ذلك جزء من تاريخي. وإنني ما جئت إلى هنا إلا لكي أعْلم عن ذلك التاريخ.

-انفرجت أسارير العجوز، وقال بصوت خفيض: كان ذلك منذ ثلاثين سنة عندما ظهر في قريتنا رجل مخادع، لا نعرف أصله وفصله... جاء إلينا من مدينة بعيدة وزعم أنه فيلسوف، وكانت تعاليمه تقدّس البشاعة وتمقت الجمال، وتمجّد الظلام والحقد وتنكر وجود الله. وقد تبعه أناس كثيرون ممّن كان يغريهم بالطعام والشراب والهدايا ويتظاهر أمامهم بالقداسة.

تعجّب السائح من كلام العجوز، وسأله: هل يمكن أن يقتنع أناس بأفكار هذا الدجّال المخادع؟

-لله في خلقه شؤون، فقد خلت من قريتنا، في غفلة من الزمن، كلّ مظاهر الحقيقة، وحلّت محلّها مظاهر الغشّ والتزييف. فهُدمت المعابد، واقتُلعت تماثيل العظماء، وارتفعت أنصابٌ لإله العتمة. وجعلوا المحنّطين ملوكاً للجمال، والوطاويط ملائكة، ومنعوا الغناء الرقيق لكي يرقصوا على نقيق الضفادع وصرير الجنادب... ولم يسلم من تلك الكارثة إلاّ قليلون ممَن رفضوا ما يجري، وقد عذّبوهم واضطهدوهم، وكنت أنا من بين هؤلاء المعذَّبين.

-يكفيك فخراً أنّك وقفتَ إلى جانب الصواب.

-نعم. أفتخر بذلك يا ولدي، والذين يجاهرون بالحقيقة هم الذين خلت نفوسهم من الخوف، وكبرت أرواحهم لتعانق الفضيلة. أمّا الكاذيون فعلى أشكالهم يقعون، وما أبشع أولئك الذين يقتلون العدالة في معبدها، ويتظاهرون بالبكاء عليها.

-من العيب أن يكون هناك في زمن، أو في مجتمع ما، أناس يجتمعون على التمجيد لقيَم خاطئة. فهؤلاء سيكونون لعنة في فم الزمان، وستذكرهم الكتب على صفحاتها السوداء... إنّهم المبدِعون في الإثم.

- أحسنت قولاً. المبدعون في الإثم. تلك هي صفتهم. ولو لم يكونوا مبدعين في الإثم، لما انقلب الإثم عليهم وجرّعهم من كؤوسه مُرّاً، فمَن فقد الشجاعة فقد كل شيء، ولم يبق منه إلا صورة اللحم والدم... الرجل الرجل هو الذي يقتلع العاصفة من مكانها لكي يزرع وروداً على أنقاضها. وقد يزرع المرء وردة بالمحبّة، وقد يقطع الوردة بسيفه، فأيّهما أفضل... الولادة أم الموت؟ صدقاً أقول لك إنّ مَن لا يولد من المحبّة لا يمكن أن يولد من أيّ شيء آخر... وها أنذا أمامك، وقد بلغت من العمر عتيّاً، ولكنّني أفتخر بأنّني وقفت مارداً من أجل أن تبقى الشمس في سمائها، وما دفعته من ثمن لا يهمُّني، فالحقّ عندي أغلى من الحياة. ولو لم يكن الحقّ في هذه المنزلة لما أهرق الأنبياء والأبطال أرواحهم ثمناً لانتصاره.

توقّف العجوز عن الكلام، وقد طفرت دمعة من عينيه، بينما كان الرجل الآخر ينظر إليه نظرة عميقة، ويهزّ برأسه معْجباً ومزهوّاً. ثمّ قال:

إنّني أرى منازل كثيرة في هذه القرية ولا أرى أيّ حركة، فهل الناس نيام؟

-كما قلت لك يا بنيّ، لقد نجا قليلون من "وادي السقوط"، وما تلك المنازل سوى أطلال باقية من أعمار الطغاة.

-لم أفهم كلامك. فهلاّ أوضحت لي أكثر؟

تنفّس الرجل صاحب الدكّان مرّة أخرى بعمق، وأردف: نحن أبناء البشر إن لم نكن جديرين بتلك الإنسانية التي لا تقتصر على الطعام والشراب والغنى، بل تكون في قيَم عميقة عمق البحار، فلا حاجة بنا إلى العيش. إن المقابر لأشرف من الحياة عندما يكون المرء ذليلاً وأعمى تقوده الخطيئةُ ولا يقودها. لقد كان في وسط هذه القرية، هناك عند الساحة العامة، صخرة جامدة أطلقوا عليها اسماً معيباً هو "ربّة الخلق"، وكانوا يعبدونها ويحيطونها بكلّ مظاهر الإجلال والتقدير، ويقدّمون لها النذور، ويركعون لها... ويصلّون...

-أإلى هذا الدرك من الانحطاط، يمكن أن يصل بعض البشر؟

-أخبرك بما حدث فعلاً قبل أن تتحوّل "جورة الحور" إلى قرية أخرى لا علاقة لها بالإله الواحد خالق السماء والأرض، فغضبتْ السماء، وغارت الينابيع ويبست أشجار الحور، ولم يبق من "جورة الحور" إلاّ تلك الشجرة التي كانت أمام بيتي، ولست أعرف لماذا لم تيبس... ووصل خبر القرية وما يجري فيها إلى الحاكم في المدينة فأرسل عيونه وأتباعه ليتحقّقوا وينقلوا إليه الخبر اليقين. وعندما تأكّد من أنّ ما سمعه ليس إلاّ الحقيقة، جاء بنفسه مع ثلّة من جنوده، وأمر باعتقال الرجل الكافر وجميع أتباعه، وأنزلوهم إلى الوادي، وتركوهم هناك حتّى ماتوا جوعاً وعطشاً. ومنذ تلك الساعة أمر الحاكم بأن يكون اسم القرية "وادي السقوط"، لتكون عبرة لمن اعتبر.

كان الغريب يستمع إلى القصّة وكأنّه ذاهل عن نفسه، ولعلّه لم يصدّق حرفاً منها لولا رصانة محدّثه والشواهد الكثيرة التي ذكرَها أمامه، وليست من الكذب في شيء. وبينما كان الرجل الشابّ يكتب كلمات قليلة في دفتره، وصلت إلى المكان امرأة جميلة، لكنّها تخْفي وراء نظراتها كثيراً من المكْر والخداع . وبعد أن ألقت السلام، قالت للرجلين: لقد جئتُ إلى هذه القرية مبشِّرة ونذيرة، ومعي كتاب عنوانه، "سِفْر الظلام الأبديّ"، ويسعدني أن تكونا أوّل مَن ألتقي به لألقي عليه موعظة عن عظمة الليل واحتقار النهار.

#كتاب

15 views