Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: يا الله، أنت حبيب عطائي


ليس لي فضل يا ربّ في ما أفعله في حياتي، فأنت أعطيتني منذ صغري، وما أكتبه هو جزء من كتابتك الجميلة في عالم الإبداع.

لم تقل لي مرّة: "أعِد إليّ شيئاً من حصادي أيّها البخيل الجشِع"، وأنتَ لك الحق في أن تأخذ منّي جميع ما لديّ.

أنت يا رب من وهبني العقل لأتحرّر، والفكر لأبدع، والروح لأرقى، والجمال لأعطيه للناس.

لولاك ما زرعت في حقلي سبعة أنواع من الشجر، لكلّ شجرة لون وطعم. وهناك من يتخايلون بشجرة واحدة وأنا لا أتخايل. لولاك ما تكلّمت لغة، ولا حبّرت قصّة، ولا عرفت تاريخاً، ولا نشرت فكراً في أرجاء الأرض.

كنت معي عندما كنت في الثلاثين من عمري أتعلّم لغة لا أعرفها. تحت ضوء شحيح كنت أتعلم. لم أدخل إلى مدرسة إلا مدرستك، ولم يكن لي معلّم سواك. أخطأت فصحّحت لي، ولم تضربني مرة واحدة على يدي.

لولاك ما قرأت في كتاب، ولا كتبت في دفتر، وما دخلت إلى جامعة لأتخرّج منها كما أنا... من غير ادعاء ولا مزاعم.

ما فعلته في حياتي كثير يا الله، لكنه قليل قليل أمام فضلك عليّ، فما تركتُه على أوراقي هو قطرة في الكون، نقطة في المجرّات، قبس في أنوارك الهائلة. فكيف يجرؤ إنسان على التباهي بما ليس من صنع يديه؟ وكيف يستطيع فلاّح أن يّدعي أنه زرع في الأرض وحصد منها غلالاً واغتني، وانت صاحب الكل والأغنى من الغنى، ولا تقول شيئاً عما تعطيه؟

هناك من يتبجّحون كل يوم بما أنتجوه، وهو ضعيف وزهيد، فيا عجبي من جرأة الإنسان على تزييف الحقيقة المطلقة! ولو كان عادلاً لكان تصاغر وتحاقر وتواضع، بل لكان نظر في المرآة ليرى بعينه كم هو أقل من حجمه وأصغر من كبره.

وهناك من يرون الحقيقة قبل أن ينظروا في المرآة، فلا حاجة بهم إلى أن يخدعوا أنفسهم، وهؤلاء هم الذين يعطون بغير حساب، ويقولون عند كل عطاء: "هذا هو عطاء الله وما لي شيء فيه، هذا هو خبزنا فكلوه، وهذا هو حِبرنا فاغتنوا منه”.

وهناك من يرفضون المقارنة بين صوت الطائر الغريد وصوت الغراب، فأولئك ولو نظروا في المرايا فلا يرون إلا ما يعتقدون أنه صحيح، وللناس أعين ترى.

إسمعهم يا رب من سمائك في خيلائهم وكبريائهم، وانظر إلى مسرحياتهم الهزلية والهزيلة، وإلى ألاعيب يتقنونها ويبرعون بها، وما زالوا أمام الشمس وهيبتها وكبرها، يرفعون إليها برجاً من أبراج بابل، لكي يأمروها بأن تشرق من غير مكان.

شكراً لك يا ربّي، لأنّك منحتني من حكمتك لأكتشف ما هو أبعد من الأبعد والأعمق من الأعمق بكثير.

وشكراً لك لأنك جعلتني أقول الحقيقة عن نفسي ولو كنت سأحاكم وأدان، وفي المحكمة نفسها هناك من يكذبون ولا يدانون.

أعطني يا إلهي مزيداً من الإبداع، ومزيداً من الحقيقة، لأنني لا أحتاج إلى شيء سواهما، فلا مال يعنيني، ولا مناصب ولا ألقاب، فالفارغ فقط هو الذي يطير في الهواء ثم يسقط، أما الممتلئ من نعمتك، والراجح بعقلك فهو الذي ينتصر، ولو ظل طول الحياة لا يعلو عن الأرض قيد أنملة.

#كتاب

7 views