Search
  • Jamil Doaihi

ابراهيم مشارة: أغار على شمسي أو الحنين في شعر المهجريين (1)


إذا كان لمصر فضل السبق في تجديد أدبنا العربي وبعثه في حلة قشيبة، موفور الصحة، تام العافية، فقد كانت أرض الكنانة منذ عصر الفاطميين قبلة العالم العربي الثقافية والدينية، ففيها وجد أدباء الشام الحرية والمناخ الملائم للإبداع والنشاط الخصب ونذكر على سبيل المثال-لا الحصر- جرجي زيدان ويعقوب صروف ومي زيادة وغيرهم ، ولمطبعة بولاق فضل لا ينكر ومزية لا تجحد في نشر الأدب والثقافة وتعميم نورهما على العالم العربي الخارج لتوه من ظلمات العصور الوسطى، المستفيق من سبات عميق حجب عنه نور العلم وثمرة الفكر وإشعاع الحرية، وكيف يجحد فضل مصر وثلاثة من كبار شعرائها هم الذين أحيوا الشعر العربي؟ ونقصد البارودي وشوقي وحافظ، وثلاثة من كبار كتابها هم الذين بينوا الطريق الصحيح للأدب ووجهوا الناشئة إلى دروب الإبداع حسب المقاييس الفنية؟ ونقصد العقاد وطه حسين وإبراهيم عبد القادر المازني.

على أن مصر لم تكن في المضمار فريدة فالشام رديفها وصنوها في التجديد والإحياء ورسم معالم النهضة الأدبية الحديثة ولعل هذا ماعناه شاعر النيل- حافظ إبرهيم- حين قال:

لمصر أم لربــوع الشام تنتسـب

*

هنا العلا وهناك المجد والحسب

ركنان للشرق لازالت ربوعهما

*

قلب الهلال عليهما خافق يجــب

خدران للضاد لم تهتك ستورهما

*

ولا تحول عن مغناهـــما الأدب

أيرغبان عن الحسنى وبينهــــما

*

في رائعات المعالي ذلك النسب؟

فأدباء الشام- سورية ولبنان- لهم في التجديد اليد الطولى وتحديدا أولئك الذين قست عليهم الحياة في وطنهم وشظف عيشهم بعد أن جف الضرع واستعصت سبل الرزق، وتأسن الوضع السياسي بفعل البطش العثماني، فلم يكن أمامهم من باب يطرقونه غير باب الهجرة، ولا من سبيل يلوذون بها غير سبيل الفراق أملا في عيش رغيد وحرية يتعشقونها ومناخ رياحه لواقح وتربته بليلة تستنبت بذور الفكر والأدب.

وإنها لمنة نحمدها للأقدار ورب ضارة نافعة، فقد كانت تلك الهجرة فأل خير وبشرى بأدب حي وفكر صحيح وضمير صاح، ولسنا في حاجة إلى أن نذكر بقول شاعرنا أبي تمام:

وطول مقام المرء بالحي مخلق

*

لـديباجتيه فـاغتـرب تتجـــــــــدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة

*

إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

فهذان البيتان من محفوظاتنا المدرسية أتينا على ذكرهما لمجرد التذكير – والذكرى تنفع المؤمنين-.

وإذا ذكر أدب المهجر تبادرت إلى الذهن جماعة الرابطة القلمية في المهجر الشمالي- أمريكا-

(1) مجلة المغترب العربي كندا 2007

والعصبة الأندلسية في المهجر الجنوبي- البرازيل والأرجنتين- وأهل الشام أحفاد الفنيقيين معرفون بارتياد البحار واصطياد الشمس والكمون للقمر تجري المغامرة في عروقهم مجرى الدم أو كما قال شاعر النيل عنهم:

بأرض "كولمب" أبطال غطارفـة

*

أسد جياع إذا مـاووثبوا وثبــــوا

رادوا المناهل في الدنيا ولووجدوا

*

إلى المجرة ركبا صاعدا صعدوا

أو قيل في الشمس للراجين منتجع

*

مدوا لها سببا في الجو وانتدبوا

سعوا إلى الكسب محمودا وما فتئت

*

أم اللغات بذاك السعي تـكتســب

ولقد اغتنت أم اللغات بتلك الهجرة الميمونة بالشعر الصافي السلس المنبجس من الوجدان ومن الفكر الحي الصحيح الملقح بالتجارب الغربية حيث الصناعة والعلم والديمقراطية والحرية ودور المرأة الحي الفاعل في المجتمع، وهذا ما نجد صداه في أدب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وآل المعلوف وجورج صيدح وأمين مشرق وميشال مغربي وعبد المسيح حداد وجورج صوايا وغيرهم ممن يضيق هذا المقال عن حصرهم.

إنما الذي يعنينا في هذا المقال كيف كان الحنين إلى الوطن وإلى الأم وإلى الحبيبة وإلى الشلة وإلى ذكريات العيد، ومرابع زحلة وشواهق صنين ونواعير حماة وخرير بردى سببا في هذا الإبداع الخالد المستل من الوجدان، المكتوب بدم الفؤاد، الممهور بشهقة الروح الفاعلة الخلاقة؟

إن الإنسان حين يهاجر يصاب بالفصام كل حسب استعداداته النفسية وطاقاته الروحية فقد تكونت شخصية المهاجر في وطنه، وتلونت روحه بأطياف الوطن من دين ولغة وعادات وطرائق معيشة بل ومناخ وتضاريس، فجاء فكره انعكاسا لمحيطه، ثم ترك وطنه للأسباب التي ذكرناها آنفا فإذا به فسيلة أو شجرة تزرع في تربة غير تربتها الأولى، إنها عادات جديدة وطرائق حياة مستحدثة وفلسفة في الحياة غير الأولى، والمهاجر مجبر على هضم هذا الموضوع وتقبله لينجح في حياته-المادية على الأقل- ولكنه في الواقع وفي غياهب اللاوعي تكمن عادات ولغة وأسلوب معيشته الأول في الوطن الأم ، هنا تتجلى المعاناة وتتضخم المأساة، وتتشظى الروح فنجد أشلاءها فيما أنتجه أولئك المهاجرون من شعر ونثر هو الدم والدمع بالنسبة لأصحابه وإكسير البهاء والنقاء لأدبنا الذي غفا في كهف السجع والتورية وشعر المناسبات،وأدب الرسائل الإخوانية المتسمة بالرياء المتسربل بالوقار والكذب المتشح بوشاح الوفاء بالعهد . إنها معاناة روحية وجودية وضعت صاحبها بين مطرقة الضرورة وسندان الحبيب الأول(الوطن). على حد قول شاعرنا:

كم من منزل في الأرض يألفه الفتى

*

وحنينـه أبدا لأول مـنزل

ونحن في هذا المقال راصدون أشتاتا من تلك المعاناة المتجلية في الحنين إلى مرابع الصبا وحضن الأم وسماء الوطن فيما أنتجه أدباء المهجرين- الشمالي والجنوبي- لنرى كيف كان التجديد في الشكل حين ذابت الأصباغ وتلاشت المساحيق وفي المضمون حين قبر الرياء الماكر والتقليد الأعجم، والانصراف عن الحياة وهموم الناس، وتطليق المسؤولية الأخلاقية للأديب في مغالبة الفساد ومصارعة الاستبداد وقهر الرجعية وقهر نزعة الردة إلى عصر المغارة.

إن حب الوطن والحنين إليه والوفاء له هو المطهر من الإثم الذي يشعر به الأديب إن أصاب حظا من النجاح المادي والمكانة المرموقة في مجتمعه الجديد، إنه اللاوعي يتخلص من عقدة الذنب التي تسللت إلى نفس الأديب لرهافة حسه ونبل ضميره وصفاء فكره.

وهاهو زكي قنصل الأديب السوري الذي ولد بيبرود عام 1917م وهاجر إلى الأرجنتين، فهو من جماعة العصبة الأندلسية يحن إلى مرابع الصبا وأماكن اللهو في نضارة الطفولة اقرأ هذا المقطع وتذوق جماله الفني واستشعر شيئا من الأسى وقدر هذا الحنين من الشاعر إلى وطنه:

أيها الـعائدون للشام هلا

*

نفحة من شمـيم أرض النبوه

علم الله كم صـبونا إليها

*

واشتهينا تحت الـعريشة غفوه

وتحسس ألم الضلوع، وانظر عبرة الشوق تتحدر من المآقي، وقدر ما في هذا القلب من شوق ومن حنين:

يـاعائدين إلـى الـربوع

*

قـلبي تحـرق للـرجوع

نهنهتـه فـازداد تـحنانا

*

وعـربـد في الضـلــوع

يـاعائدين إلـى الـحمى

*

قلـبي به عـطش وجوع

بـالله هـل في الـمركب

*

متسـع لملـهوف ولـــوع ؟

وحـزمت أمـتعتي فـيا

*

قلب ارتقب يوم الرجـوع!

وهو يحسن وصف أوجاع الغربة وألم البعاد ومكابدة السهاد واسمعه يقول:

ويح الغريب على الأشواك مضجعه

*

وخبزه من عجين الهم والتعـــب

يعيش عن ربعه بالجسم مغتربـــــــا

*

وقلبه وهواه غيـــــــر مغترب

يستقبل الليل لا تغفو هواجســـــــــه

*

ويوقظ الفجر في ليل من الكرب

يعلل النفس بالرجعى ويخدعهـــــــا

*

فهل تحقق بالرجعى أمــــــــانيه؟

أما نعمة قازان المولود في لبنان عام 1908م والذي استقر في البرازيل وكان من جماعة

العصبة الأندلسية فهو كصاحبه يذكر التحنان ويقاسي وجع الغربة ويتعشق عهد الطفولة ويتمنى لو تطأ قدمه أرض وطنه لبنان:

بـلادي أأستـطيـع نـكراهـــــــــا

*

إذن فاقلعوا الحب من بزرتي ؟

ولـبـنان أمـي بـه حفنـــــــــــــة

*

سقـتك السـموات يــــــا حفنتي

وأهلـي ومـا أقـول بـــــــــأهلي

*

ومــــــــــاذا أقـول بمـحبوبـتي؟

أقـول بـقاع الـدنيا حـــــــــــلوة

*

وأحـلى بـقاع الـــــــدنيا بقعتي

وكـنت مـع الله فـي قـــــــريتي

*

فصـرت بـــــلا الله في غربتي

وكـنت غـنيـــــــــــا مـع الـقـلة

*

فصرت فقيـــــــرا مـع الكـثرة

ولولا الحبيب وعودي الرطيب

*

رماني اللهيب إلـى الشـــــهوة

ولـولا الـرجاء بعـود الرجـــــا

*

قـذفت بنفسي إلـى الـــــــــهوة

وفي شعر هذا الشاعر بعض الركاكة اللغوية والفقر الفني كقوله: وماذا أقول بأهلي، وماذا أقول بمحبوبتي؟.

وفي شعر المهجريين وأدبهم بعض الإسفاف والكثير من ركاكة التعبير والخروج على قواعد اللغة - عن غير علم وبصيرة - وهو ما أخذه عميد الأدب العربي الدكتور -طه حسين- على كبيرهم الذي علمهم السحر إيليا أبي ماضي، ولكن يشفع لهم أنهم لم يتخرجوا من جامعة ولا ترددوا على حلقات اللغة والأدب، وزد على ذلك حياتهم خارج أوطانهم يتكلمون بغير لغتهم وحسب المرء أن ينتج شيئا من هذا الشعر السلس الراقي ولسانه تعود على الكلام بغير لغته الشعرية.

إنما هي الموهبة والسليقة والكد الشخصي والعصامية والتعلق باللغة العربية والقدرة على قرض الشعر والاسترسال في النثر كانت العوامل الداخلية ، زد عليها هم الغربة ونكدها وحال الشرق وسباته هي التي حدت بهؤلاء إلى البروز في فن القول شعرا ونثرا.

وهاهو الشاعر حسني غراب الحمصي المولود عام 1899م يتحدث عن وطنه أجمل حديث كأنه كلام منتزع من سويداء القلب ومن بؤبؤ العين:

أبعد حمص لنا دمع يراق على

*

منازل أم بنا من حادثات هلع؟

دار نـحن إليـها كلـــــما ذكرت

*

كـأنما هـي من أكبادنا قطـــع

وملـعب للصبا نـأسى لــــفرقته

*

كـــأنه من سواد العين منتزع

وهذا شاعر آخر من فتوح كسروان اللبنانية شكر الله الجر والمقيم بالبرازيل والعضو في العصبة الأندلسية لا يخفي تحنانه ولله ما أحلى ذكره لكلمتي الشيح والعرار وهما موحيتان بخصائص الريف الشامي وبلاد العرب عامة ، اقرأ معي قوله:

ذكــــــر الأرز بعـد شط مزاره

*

أي جـرح يسيل من تذكاره ؟

ليس أشهى علـى القلوب وأندى

*

مـن شذا شيحه ونفح عراره

واقرأ معي هذا البيت الذي يذيب القلب ويقطع الكبد تحسرا فلئن يئس الشاعر من الأوبة إلى بلده فرجاؤه الوحيد أن يدفن في أرضه:

إن حـرمنا من نعمة العيش فيه

*

ما حرمنا من مرقد في جواره

أما قصة هجرته وما لاقى في سبيلها من لجاج النفس وشك الضمير وتردد العقل فقد وصفها أبدع وصف نكتفي منها بهذا المقطع:

ركـبنا من اليم طودا يقل الــــــ

*

عـباد فـكل إلـى رغبـتــــه

فـيا له مـن مشـهد للــــــــــوداع

*

يـذيب الـحديد على قسوته

فـأم تـضم إلـى قـلـبـهــــــــــــــا

*

وحـيدا يـسير لأمـنيتــــــــــه

وأخ يكـفكف دمـع أخـتـــــــــــه

*

وزوج يـرفه عن زوجتـــــه

فيا ليت شعري أيحظى المهاجر

*

فيما يـرجيه مـن هـجرتـــــه

ويا ليت شـعري أيلقى المسافــر

*

يـوما سبيـلا إلـى أوبتــــــه؟

أم أن اللـيالـي تـزري بـــــــــــه

*

فتذرو الفتى الحر في تربته؟

فـلا أم تبـكي علـى قـبـــــــــــره

*

ولا أخت تسقي ثرى حفرته؟

وأما نعمة الحاج من غرزوز بلبنان والمقيم بالولايات المتحدة فيزيد على أصحابه السابقين في ذكر الحنين والوفاء للأهل والوطن هم الصحوة والبعث والتجديد في الحياة العربية أدبا وفكرا وأسلوب معاش:

مـــــــا نـسـينا ويشـهد الله أنـا

*

نـحن بـالروح حيث كـنــــــا

إن بـعدنـا وإن قـربنا فلبنــــــا

*

ن سنــــــــاه يشع فينـا ومـنا

نـحن في الأرض أنجم ونسور

*

حلت الـعاليات برجا ووكنــا

هــــــذه الـنهضة الـحديثة منكم

*

قربت منذ نحن بالأمس بنـا

قـد نـفحنا ببوقـها وأثـرنــــــــا

*

نارها والعيون إذ ذاك وسنى

أيـقظتكم مـن الـــــــكرى فهبتم

*

وأجـــدتم تجديدها فهي أسنى

وازدهـى العمران والعلم والفن

*

تـراه الـعيون أكمل حســـــنا

أما شفيق المعلوف شقيق فوزي المعلوف الزحلاوي والمولود عام 1905م والمستقر في البرازيل ففي قصيدته "بين شاطئين" استهلال لموضوع الحنين بالحديث عن الوداع والعبرات وخفق الفؤاد:

ذراع مـلاق إثر كـف مـــــودع

*

تلوحان لي كلتاهما خلف مدمعي

مناديل من ودعت يخفقن فوقهم

*

فــــــلا ترهقيهم يـا سفين واقلـعي

بـعدن فـغشــــــاهن مـعي كأنني

*

أراهن من خلف الزجاج المصدع

ويزيد في هذه القصيدة وصفه لانبهاره بالعمران في أمريكا وبحضارتها:

خـليلي بدت جبــارة المدن تزدهي

*

بأعظم ما ازدانت به الأرض فاخشع

أدارت علـى الآفاق مشعل عزهــا

*

ومدت إلـى الشمس كـف يـــــــوشع

وأعلت بروجا في الغمام رؤوسها

*

فما تظفر الحدثــــــان منـها بـمطمع

مـدينة جن جـود الإنـس نحتهـــــا

*

بأزميل جـبــــــــــار وحكـمة مـبدع

ثم اسمعه يقول صادقا عن التحنان والوفاء:

أطـل عليكم والمنى تزحم المنى

*

بصدري وأنتم ملء قلبي ومسمعـي

لـئن تسألوا ما في الجنوب فإنني

*

حـملت إلـيكم قـلبه خافقـــــــا مـعي

ويختم ذلك كله بالمهمة الموكلة إلى أصحابه في بعث الأدب العربي وإحياء لغته:

وإن لـواء نـحن قـمـنا نـهزه

*

خـفوقا على حصن البيان الممنع

لـواء ظـفرتم أنـتم بـاكتسابه

*

ونـحن ركزنـاه بــــأرفع موضع

ولا شك أنه يعني بقوله "ظفرتم أنتم" أدباء مصر وهو ما أشرنا إليه في بداية المقال.

وأما مسعود سماحة المولود في لبنان عام 1882م والمستقر في أمريكا فإن حنينه لوطنه ووفاءه له أنطقه بهذين البيتين وهما دعوة إلى الثورة ومقاومة الاستبداد، اسمعه يخاطب أهل لبنان:

مشت القرون وكل شعب قد مشى

*

مـعها وقومك واقفون ونـوم

لـم تـرتفع كف لـصفعة غاشــــــم

*

فـيهم ولـم يـنطق بتهديد فــم

وأما رشيد أيوب المعروف بالدرويش والمولود في نفس قرية ميخائيل نعيمة "بسكنتا" بلبنان عام 1872م والذي استقر في الولايات المتحدة ففي قصيدته المسافر يذكر المخاطرة والهجرة والآمال:

دعتـه الأمـاني فخلى الربــــوع

*

وصار وفـي الـنفس شيء كثيـر

وفي الصدر بين حنايا الضلوع

*

لـنيـل الأمــــــــانـي فـؤاد كـبيـر

فـحث المطايا وخاض البحــــار

*

ومـرت لـيـــــال وكـرت سـنون

ولم يرجع

ويعد الشاعر القروي رشيد سليم الخوري المولود ببربارة بلبنان عام 1887م والذي عاش في البرازيل أمتن شعراء الجنوب لغة وأقدرهم على التصرف في القريض وأجودهم في تخير اللفظ الموحي بمرارة الغربة ووحشة الأمل وأمل العودة واقرأ معي هذا المقطع من قصيدة عند الرحيل لترى ذلك حقا:

نـصحتك يــــــا نفس لا تـطمعي

*

وقلت حــذار فلـم تسمعـي

فـإن كـنت تستسهلين الــــــوداع

*

كمــــــا تدعين إذا ودعـي!

خـرجت أجرك جــــــر الكسيـح

*

تئنين في صدري المـوجع

ولـما غدونـــــــا بنصف الطريق

*

رجعت وليتك لــم ترجـعي

كفاك اضـطرابا كصدر المحيط

*

قفي حيث أنت ولا تجزعي

سأقضي بنفسي حقـــــوق العـلى

*

وأرجع فانتظري مــرجعي

وما أجمله من إيحاء حين يذكر تركه لروحه في وطنه الأم وحمل جثته إلى المهجر!

ويأتي بعد القروي في متانة اللغة وجودة السبك والتصرف في القول إلياس فرحات من كفرشيما في لبنان والمولود عام 1893م والذي أقام في البرازيل ولعل هذا المقطع هو من أشهر أشعاره تغنى بها المشرق والمغرب عن وحدة العرب:

إنـا وإن تـكن الشآم ديــــــــارنا

*

فقـلوبـنا للـعرب بـالإجمـــــــــال

نهوى العراق ورافديه وما على

*

أرض الجزيرة من حصا ورمال

وإذا ذكرت لنا الكـنانة خلتنـــــا

*

نـروى بسـائغ نيلـها السلســــــال

بـنا ومـازلنا نشاطر أهـلهـــــــا

*

مـر الأسـى وحـلاوة الآمــــــال

أما جورج صيدح الدمشقي والذي أقام في الأرجنتين فلله ما أحلى حديثه عن حنينه إلى دمشق ووفائه لها وألم البعاد عنها !:

أنـا وليدك يـا أمــــــــاه كـم مـلكت

*

ذكراك نفسي وكم ناجاك وجدان!

منذ افترقنا نعيم الـعيش فـــــارقني

*

والـهم والـغم أشكـال وألـــــــوان

عهد الشباب وعهد الشام إن مضيا

*

فكل ما أعطت الأيـام حرمــــــان

وفي قصيدته "المهاجر" وصف للمعاناة النفسية وتباريح الجوى:

كـيف يرتـاح وتذكار الحمى

*

كـلما أقعده الـجهد أقامــــــــه؟

بـرجه الـعاجي مـن يقطنه

*

إنـه يقطن بالروح خيامـــــــه

ويبـعث الـمال سلاما للحمى

*

فالحمى بلا مال يأبى السلامه

قـل لـمن يحميه فـي غربته

*

إن مـن أعدائه اللد غـرامــــه

أما ما يلاقيه الفذ من ازدراء في وطنه وتقدير في غيره فقد عبر عنه أجمل تعبير:

رب أحجار بهــــــا الشرق ازدرى

*

أصبحت في حائط الغرب دعامه

أما الشاعر المصري الكبير أحمد زكي أبو شادي (1892-1955م) والذي استقر في أمريكا وكان من مؤسسي جماعة أبولو التي جددت في الأدب خاصة الشعر منه وعرفت هذه المدرسة برومنطيقيتها فقد خاطب أمريكا – وطن الحرية- قائلا:

لـجأت إلـيك يـا وطنا تغنى

*

بـه الأحـرار واعتز الـنشيد

فـإنك منبري الحـر المرجى

*

وبدء نهاري بل عـمر جـديد

وقد كان نزوح أحمد زكي أبي شادي إلى أمريكا هروبا من استشراء الفساد وتعفن الوضع السياسي وانعدام الحرية ولكنه في غربته في العالم الجديد يحن إلى وطنه فاسمعه يقول:

بكى الربيع طروب في مباهجــــه

*

وقد بكيت أنا حبـي وأوطـــــــــانـي

أنا الغريب وروحي شاركت بدني

*

هذا العذاب بأشواقي وأحـــــــزانـي

لي في ثرى مصر دمع نائــح ودم

*

أذيب من مهجتي اللهفى ونـــــيراني

تركته مثل غرس الحب مـــا ذبلت

*

أزهاره أو أغـاثت روح لهفـــــــــان

أشمهــــا في اغترابي حين تلذعني

*

ذكرى الشباب وذكرى عمري الفاني

واسمع معي ميشال مغربي المغترب في ساو باولو يتأسف على عمره الضائع هدرا في بلاد الغربة وينصح شباب العرب بالبقاء في أوطانهم:

وأنا الذي باع الشبيبـــة خاسرا

*

بجلاده وجهــــــاده المتوالـي

أثر النضال على الجبين ترونه

*

ما الاغتراب سوى حياة نضال

شطر المهاجر لا تولوا أوجهـا

*

كالخاسرين ربوعهم أمثـــــالـي

أوطـــــانكم أولى بكم وبسعيكم

*

وبما ملكتم من كريم خصــــال

ولأنتمو أولى بطيب هوائهــــا

*

وجمالها المزري بكل جمــــال

ويأتي إيليا أبو ماضي المولود بقرية "المحيدثة" بلبنان عام 1889م والذي استقر بأمريكا وكان من الأعضاء المؤسسين للرابطة القلمية في طليعة الشعراء الذين تغنوا بالأوطان ووصفوا الحنين إليها ولوعة البعد عن الخلان، واستذكروا عهد الصبا واقرأ معي هذا المقطع يخاطب لبنان ويناجيه لتقدر ألم الغربة:

وطـن النجوم أنا هنـــــا

*

حـدق أتذكر من أنـــا ؟

أنـا ذلك الـــــــولد الـذي

*

دنيـاه كـانت هــــــاهنا

أنــــا مـن مـياهك قطرة

*

فاضت جداول من سنا

كم عانقت روحي رباك

*

وصفقت في الــمنحنى

وما أجمل قوله لوطنه لبنان يعتذر له فيه عن البعد عنه ويتعلل لذلك بركوب الأخطار والطموح إلى المعالي والنزوع إلى الأمجاد:

لبنــان لا تعدل بنيك إذا هم

*

ركبوا إلى العلياء كل سفين

لم يهجروك ملالـــــة لكنهم

*

خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون

لمــــــا ولدتهم نسورا حلقوا

*

لا يقنعون من العلا بالدون

إذا فقد كانت الغربة وتباريحها مهمازا للقريحة وجناحا للتحليق في سماء الخلق الفني وقد استفاد أدبنا العربي من هذه الغربة فتجدد وجهه وازدان بهاء ورونقا، وأصبح الشعر على يد هذا اللفيف من الشعراء تعبيرا عن الوجدان، ووصفا لخلجات النفس وخفقات الفؤاد، بلغة صافية رقراقة متخلصة من أصباغ التكلف وطلاء التصنع، متعالية على الحذلقة البيانية والبهلوانية الإنشائية، وفي هذا الأدب كثير من السقطات وسفاسف القول ولكنها لا تلغي أهمية هذا الأدب بل تجعل أدباءه في الطليعة، مع أدباء المشرق الذين تعاونوا يدا بيد ويراعا بيراع وتزاوجت خفقات قلب بقلب، وخلجات نفس بنفس، وطموح روح بروح على إخراج أدبنا من سبات الكهوف ونفض غبار القرون الوسطى عن حروفه حتى يصير كآداب الدنيا، أدب الحياة بما فيها من صخب ونشاط وهم وترح وفرح وما شئت من أطياف الحياة.

#كتاب

8 views