Search
  • Jamil Doaihi

الأديب د. جميل الدويهي: تجربتي في الأدب


(شكراً للصديق الأستاذ خليل جابر الذي زودنا بهذه الصور)

دعا لقاء الأربعاء الأديب المهجري د. جميل ميلاد الدويهي إلى محاضرة في مقر اللقاء، قاعة الدكتور خليل مصطفى - أرنكليف، وكانت المحاضرة بعنوان: تجربتي في الأدب.

قدم الشاعر شوقي مسلماني الدويهي، وبعد دقيقة صمت عن روح الدكتور مصطفى، رحب مسلماني بالضيف، وشكر الحضور على تشريفهم. ثم ألقى الدويهي محاضرته التي أضاء فيها على طفولته، وتعليمه، وأنواع الأدب التي يكتبها، وألقى خلال المحاضرة قصائد من نتاجه باللغتين العامية والفصحى، قوبلت بالتصفيق مراراً.

وفي ما يأتي نص المحاضرة:

أيها السيداتُ والسادة، الأصدقاءُ في لقاء الأربعاء ، تحية لكم من قلب يحبُّكم، ويفتخر بكم. وكلمةُ شكر لا تعبّر عن مدى امتناني لكم لاستضافتي في هذه الجلسة العائليّة التي تُشعرني بدفء الصداقة وسحرٍ عميق. هذا اللقاء أصبح لنا محطّة من محطّات الفكر والثقافة، ونحن جميعاً نتكامل ونتواصل من أجل تحقيق هدفٍ راقٍ هو الأدب المهجري الرفيع والفاعل، وأنتم تعرفون كم أضحّي من أجل هذه الحقيقة، أضحّي معنوياً ومادياً، وهذا لا يخفى على عين بصير. وقد كنتُ في لبنان ودرّست في جامعة سيدة اللويزة لمدة تسع سنوات كأستاذ متفرّغ، وكنت أرى وأسمع مدى التجاهل المتعمَّد لأب المهجر الأسترالي، فكأنّنا نحن هنا أموات، والمقيمون في الوطن، خصوصاً من الطبقة المثقّفة، يُعيبون علينا العودة من الموت، أو أن يُشرقَ لنا نور حتى من وراء القبور.

الأدب مسؤوليتُنا جميعاً، وعندما أطلقتُ مشروع أفكار اغترابية في عام 2015 للأدب المهجري الراقي، كنت أعني ما أقول، بل كنت أشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقي، كأديب وشاعر، وناقد، وأكاديمي، لتوضيح الصورة ونشر أدبنا في العالم، علّ وعسى أن تكون هناك آذان صاغية وأن تتغير الفكرة المتحجرة التي تخمّرت في عقول الكثيرين. ولا أعتقد أنّ واحداً منكم أيّها الأحبّةُ يجهلُ ما حقّقتُه من توصيل الأدب إلى خارج أستراليا، سواء من خلال موقعي على الانترنت "أفكار اغترابية" أو من خلال الفايسبوك. أعرف أن الصراع طويل والعمل صعب، والفعلةُ قليلون، لكن لا مجال للعودة إلى الوراء، وبالأمس القريب مررت بتجربة في لبنان، لا أحب الكشف عن تفاصيلها، أشعرتني بالظلم والإجحاف، وقد يكون من مارسوا الظلم في حقي قد مارسوه وهم يعلمون أنه ظلم. ولكن لا تراجع ولا استسلام، فنحن نحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذرا، كما يقول جدّنا امرؤ القيس.

عصفور بالغصن العَبي

بتْضلّ يا عَصفور بالغُصن العَبي،

ما بتنْزل نْدَرْدِش سَوا عالمصْطَبِه

صِبّيتْ بالفنجان قهوه طيِبِه...

سكّر قليل، بْيشْتهي يْدُوقا نَبي...

معْقول هيك تْضلّ عنّي مخْتبي

لا قْبلت نحْكي، ولا شْربتْ من مَشْربي...

جاوَبْ: ما بَدّي شُوف وجّك يا صَبي

لا تلوم طْير زْغير عالتلّه رِبي

لا ْبمدرسِه مِتْعلّم، ولا بْمَكتَبِه

لكنْ معي شهادات فكر ومَوهبِه...

تحدّيت بالموّال أكبر مُطْرِبِه...

و"موزارت" ما وصّلْ عا ذات المرتبِه...

حُرّيتي بَيتي، وجَناحي مَرْكبي

وأوسع من قْصور الممالِك مَلعَبي...

لابس عبايِه شغْل الله مْقصّببي

لا مْخزّقه من العاصْفِه، ولا مْقطّبِه...

وأدْيان ما حلّلتْ كيف مركّبي...

وحْروب خَوتا، والنتايج مُرْعبه...

هيدا غَني، وعندو كنوز مْرتّبِه

وسيّارتو "جَكْوَر" طَويله... مْدَهّبي...

وهيدا فقير العاش عيشِه مْعذّبِه

من الجُوع ماشي عا طَريقو دبْدَبي...

وما بين صِيني، وبين هنْدي ويَعْرُبي

وتُركي ومَغولي، وفارسي أو مَغْربي

احترْنا يا قرعَه، وصار عنّا سَرْسَبي

عا قدّ ما شِفْنا البيوت مْخرّبِه...

العصفور ما عندو حَضاره مْعلّبِه

من هيك بدّي قُول يا خَيّي العَزيز:

مَنّي غَبي، ولا بْحبّ يخْدَعْني غَبي.

بدأت تجرِبتي مع الأب في سنّ مبكّرة، وكنت في الثامنة من عمري عندما كنت أتفوّق على أقراني في القراءة والكتابة والإنشاء وقواعد اللغة، وذات مرة طلب مني المعلم في مدسة شكا الرسمية عادل رزق الله (أطال الله في عمره) أن أقرأ نصاً في كتاب الاخلاق، وبينما كنت أقرأ وجدت أن العديد من المعلمين الذين كانوا في غرفة مجاورة يتحلقون على الشبابيك ليستمعوا إلى إلقائي، فخجلتُ... لكنهم كانوا يشجعونني بنظراتهم وابتساماتهم، وألقى الأستاذ عادل كلمة يُشيد فيها بهذا الطفل الذي يقرأ كالكبار ولا يُخطئ في اللغة. وبعد ذلك بدأ الأساتذة يختارونني لإلقاء الخُطب المدرسية في أعياد ومناسبات، وعندي صورة وأنا في التاسعة من عمري ألقي خطاباً في ملعب المدرسة. وكنت من الطلاب القلائل جداً الذين حصلوا على علامة 17 من عشرين في مادة الإنشاء، وكانت النصوص التي أكتبها تُعلّق في خزانة زجاجية ليقرأها الطلاب والزائرون إلى المدرسة.

كنتُ كثير المطالعة والاطلاع، وكنت أستمع إلى الشعراء والقوالين في الأعراس وأصغي إليهم، وعلى شاشة التلفزيون كنت أتابع برامج الزجل وأُعجَب بقدرة هؤلاء الزجالين على التباري فيما بينهم من غير أن يقرأوا من ورقة، وكان ذلك يسمّى بالارتجالي، ثم اكتشفت أن أغلب الارتجالي هو قصائدُ مُعدّة سلفاً، يتّفق عليها الشعراء ويحفظونها عن ظهر قلب ثم يلقونها، فيظُن السامعُ أو المُشاهد أنّها تأتي من بنات الخيال ونتاجِ اللحظة الحاضرة.

ومن خلال تلك الطالعات والمتابعات أحببت الشعر، على أنني كنتُ أميلُ إلى قراءة القصصى كثر في سنواتي الأولى، وكانت تقع في يدي وأنا أبحث في مكتبة المدرسة دواوينُ قديمة وحديثة، وكان يجذِبُني الشعر الحديث أكث من الشعر القديمر، ربّما لأننا في المدرسة اعتدنا على الشعر القديم وأصابتنا تُخمة منه، فكان الشعرُ الحديث والتفعيلة بنوع خاصأكثرَر قبولاً عندي، وأتذكر ن محمود درويش كان من أوائل الذين قرأت لهم والديوان كان اسمُه "آخرُ الليل"، ثم أعجبت بنزار قباني وشعرِه الغزلي، وإيليا أبي ماضي الذي رأيت عنده سهولة ربما لم تكن موجودة عند كثيرين من شعراء عصر النهضة.

بنت الخُضرْجي

بنْت الخضَرْجي القَدّها ممْشُوق

تَركتْ إلي بالرّاس جِنّيّه

سِتّات متْلا ما شفْت بالسوق،

مِشْيو وَراها رْمُوش عِينيّي

ومتل الكأنّي بالسِّحْر معْجوق

بلّشتْ إحْكي من صَفا نيّه...

قلتلّها: "هَيدا كرَز لَقلوق...

مْحَوّش من الودْيان صبحيّه...

وهيْدا عنَب تحت الشمس مَحْروق

غنّت إلو فيروز غنّيِّه...

واللوز قلبو مْفقّع، ومشقوق

والعصر هُوّي عصر حرّيّه”...

ضحكتْ إلي، وقالت: "ما فيك تْدُوق

وهيدا الحَكي ما بيمْرُق عليّي...

فكّرتْ إنّك عاشق ومَعْشوق،

يا دونجوان، تْصَبّر شْويّي"...

شدّيتها... وبِسْتا ورا الصّندوق

والأرض بَرْمتْ من حَواليّي

وهلّق عا هاك السُّوق لّما بْسوق

بتْقول: حَوّلْ... فاضْيه الدكّان

وآخِد إجازِه من الشِّغل بَيّي.

أما كيف بدأت الكتابة، فقد كنت أجلس منفرداً، وأكتب بضعَ كلمات وأحاول أن أؤكدَ قدرتي على إنشاء نص شعري، فأفشل حيناً، وأفشل حيناً آخر، ولا أحتفظ بأي كلمة كتبتُها في تلك الأنثاء، ولكن أذكر أنني كنت أتبادل النظرات مع فتاة، ولم أتجاوزْ في علاقتي معها الحدّ المسموح به لطفل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره، وكنت أعتبر ذلك نوعاً من الحبّ. وذات يوم رأيتها تُطيل الحيث مع ولد آخر، فغضبت وكتبت لها قصيدة هجاء، لا أذكر منها شيئاً سوى أنها كانت على البحر الكامل، ورويُّها حرفُ الحاء المكسور. وقد يسألُني سائل: لماذا بدأت على البحر الكامل؟ اكتشفت لاحقاً أن الشاعر المبتدئ يختار دائماً البحر الأسهل، والكامل بإجماع الدارسين هو الأسهل على الإطلاق، وقد سُمي بحمار الشعر لانقياده وطواعيته للشعراء المبتدئين.

وكبرت، وانتقلت من المدرسة الابتدائية إلى الثانوية، وكانت سمعتي كخطيبٍ صغير تسِبقني أينما حللت، وقلما كانت تُقام مناسبة في الثانوية إلا وكنت متحدثاً فيها، حتى عام 1975 عندما بدأت الحرب، وانقسم الناس بين طوائف، ووُضعت حدود بين المناطق، فوجدت نفسي من غير إراتي في خندق عميق، وكان عليّ أن أتماشى مع تلك الفترة من خلال كتابات وخُطب، لم أعد أملِك منها شيئاً.

في عام 1979، كنت في التاسعة عشرة من عمري، عندما دخلت إلى الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث في طرابلس، وتابعت دراستي الجامعية للحصول على شهادة الليسانس، ثم الماجستير، وأذكر من تلك الفترة تفوُّقي في اللغة العربية وآدابها، وكنت أساعد طلاباً آخرين أثناء الامتحانات، وأحقق علامات عالية، منها 95 على مئة في مادة النقد الأبي، و95 على مئة في مادة الأدب الحديث... لكنني لم أقترب من الشعر بشكل رسمي في تلك الفترة لسببين: أولاً: انشغالي في الدراسة، وثانياً خوفي من الحُكم على أعمالي بعد أن رأيت أحد الأساتذة يحكم على قصائدَ يقدمها إليه طلاب لينظر فيها، قائلاً: "ما كل واحد بيقول يا جمال البوبَعة شو محمّلين بيكون شاعر”. فأخافني هذا الحكم، وانكفأت إلى داخلي،أ كتب لنفسي ولا أشارك في أي مناسبة شعرية في الجامعة على الإطلاق، على الرغم من معرفة زملائي في الجامعة بأن عندي محاولات شعرية تستحق الاهتمام.

حبِّي لكِ

نحن ابتدأنا الحبَّ، مــــــا مــــــــــــــــــن قبلنا شعــــــــرٌ يُـــــــــــــقــــــال، ولا ربيعٌ يزهِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُ

وأنا بعينيكِ اكتشفتُ حـــــــــــــــــضـــــــــــــــــارةً، وكواكباً طُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــولَ الزمــــــــــــــــــانِ تنوِّرُ

وسرقتُ من فمكِ الجميلِ قصــــيدةً مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا زلت أكتبُها، ومنها أسكرُ

وقطفتُ مـــــــــــــــــــــــــــــن تفّاحِ صــــدركِ غلَّةً، فأنــــــــــــــــــــا بــــــــــــــمـــــــــا ملكتْ يميني قيْــصـرُ

يــــــــــــــــــــــــــا سرّ إبداعـــــي، وسرّ بدايتي... يــــــــــــــــــــــــــــــــا مَــــــــــــــــــــــــــــــــــن تغيّرُني، ولا تتغيَّرُ

يـــــــــــــــــــــــــــــا فكرتي الأولى التي وُلِدت معي، فأنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا أعيشُ لأجلها، وأفكِّرُ...

متصــــــــــــــــــــــــــــــوِّفٌ حَـــــتّى أذوبَ وأختفـي، متداخلٌ فيكِ، ولا أتـــــــــــــــــحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَّرُ...

تتكسّرُ الأيَّامُ لــــــــــــــــــــــــــولا غبتِ عـــــــــــــنْ عينِي... وقـــــلـــــــــــبـــــــــــــــــــــــي مثلـهـا يتكسّرُ…

نمشي معاً والأرض تعشقُ خطْوَنــــــــــا، ويدِي على الشَّعــــــــــــــــــــــر الجميل تثرثرُ

لولا الهوى مــــــــــــــــــــــا كنتُ أُبصرُ عالمي، فالريح تأخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذُ مركبي، والأبحُــرُ

كنتُ الجمودَ، وأنتِ قـــــــــدْ أحييتِني... كنتُ المعانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاةَ الـــــــــــتــــــــــــي تتكرَّرُ

علّمْتِني أن الحـــــــــــــــــــــيــــــــــــــــــــاة جميلةٌ، فبدأتُ أحــــــــــــــــــــــــــترف الغناءَ، وأشعُــرُ

ورقصتُ مــــــــــن طــــــــــــرَبٍ كطيرٍ عاشقٍ، فــــإذا الفضاءُ يضــــــيقُ فيَّ، ويَصغــــــــــرُ

لولاكِ أنتِ، فــــــمــــــــــــا حـــيـــــــــــــــاتي كـــلُّها؟ مــــــــــــــــــــــــــاذا أنـــــــــــــــــــــــــــــــــــا إلاّ خيالاً يعْـــبرُ؟

كم يَكْذِبُ العشّاقُ في وصْـف الهوى فــــــــجميعُ مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا قالوه ليس يُعبِّرُ

ما البحرُ؟ ما طولُ السماء وعرضها؟ حبّي لكِ مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن كلِّ شيءٍ أكـــــــبَرُ.

تخرجتُ من الجامعة في عام 1983 بشهادة الليسانس، بدأت مهنة التعليم في مدرسة السان تيريز – أميون، وفي معهد الآباء الكبوشيين البترون، وهناك بدأت رحلتي مع الشعر المُعلن، وكنت أكتب فقط الشعر الموزون، وجميع القصائد التي ألقيتها في أمسيات كانت تقيمها المدرستان ورابطة البترون الثقافية التي كنت عضو شرف فيها باعتبار أن هويتي من زغرتا وليبس من البترون... تلك القصائد لا أعرف عنها شيئاً، فقد ذهبت ولم تعد، وفي ظني أنها مسجلة على أشرطة فيديو ومحفوظة في المدرستين، ولا أعتقد أن تلك القصائد كانت ذات مستوى عال، بل كانت قصائد عادية. وكانت لي امسيتان أو ثلاث مع شعراء آخرين في إهدن تضمنت قصائد عادية أيضاً. وانتهت فترة التعليم في لبنان بحصولي على شهادة الماجستير، فبعد يومين فقط من مناقشتي للماجستير طِرت إلى أستراليا البلاد الموعودة. كان ذلك في تشرين الثاني عام 1988. وكان أول ما فكرتُ أن أفعله هو أن أتابع دراستي جامعة سيدني للحصول على شهادة الدكتوراه في الأدب، فأنهيت دراستي عام 1995، وحصلت على الشهادة عام 1998، يعني بين إنهاء الدراسة والحصول على الشهادة ثلاث سنوات، بسبب صعوبات واجهتها الجامعة في تعاطيها مع أحد الأساتذة العرب في اليمن الذي كان يعِد بقراءة الدكتوراه ولا يفي، وبعد انتظار طويل، حسَمت الجامعة أمرها وأرسلت الدكتوراه إلى قارئين في بريطانيا، فتمّت الولادة. ولم أتمكن من التدريس في الجاامعة منذ ذلك التاريخ ولو ساعة واحدة، لظروف خارجة عن إرادتي. غير أنني درّست في معهد مار شربل بين عامي 1999- و2004.

نشرتُ في أستراليا العديد من االدواوين: عودة الطائر الأزرق، تقاسيم شرقية لرقصة الفجر، وجهان لمدينة واحدة، وأصدرت مجموعتين من شعر الغزل على شريطيْ كاسيت (محوتُها فيما بعد)، كما اكتشفتُ أن الكثير من القصائد التي نشرتها في دواويني الثلاثة لم تكن تستحق النشر. حتى جاء عام 2002 عندما نشرتُ مجموعتي "وقلت أحبك" التي اعتبرتها بالنسبة لي تحوُّلاً جديداً، ومحطة مهمة للحصول على هُوية شعرية خاصة. وتضمنَ الديوان قصائد مدوّرة، وكانت تلك المرة الأولى في أستراليا التي يُنشر فيها هذا النوع، وهو شعر موزون يجري على السطر، وأهمية هذا النوع هو انه يشبه النثر في كتابته ويمكن تحميلُه الصور الكثيفة والحدَثَ القَصصي (قصيدة جدي القديم): "لمَّا بكيتُ عليهِ، كان البردُ في شفتيهِ، كان يحبُّ أن يُلقى عليه الثلجُ، مثل حمامة بيضاءَ. كانت حولَهُ امرأةٌ تحرِّضه ليخرجَ من فضيحةِ موته. ركضتْ إليهِ من المدينةِ، شعْرُها نهرٌ طويلٌ، ثغرُها كرزٌ، وفوق ثيابِها عِقدٌ من الأمطارِ. لم ينظر إليها... كان مهجوراً، ومحتاجاً إلى كأسٍ من العرقِ المثلّثِ، كي يُشاغبَ في الصباحِ، ويشتهي امرأةً، يقبِّلَها، يغازلَها، ويسخرَ من حقيقتِه... ويضحكَ مثل طفلٍ، وهو يغرق في جنون غنائه:

"حاجِه سعاد تقول: قَصْـــــدي جـاهِله مــــا في مصاري بجيبتـي، وْلا جـــاهِ لي

وتا يعيِّروني الناس: نـَـــــــوْري، جاهِلي خَزْقِتْ قميص النَّــــوم، تـَهْمِتْنـي أنا. "

وفي الديوان نفسِه، كنت أول شاعر يكتب قصيدة مستوحاة من الهجوم الإرهابي على مركز التجارة الدولي في نيويورك "قصيدة ما حملتُ مِظلّتي" وهي قصيدة أدعو فيها إلى السلام ونبذ العنف واحترام الحضارات.

بعد هذا الديوان كتبت في سيدني مجموعتين قصصيتين هما "أهل الظلام" و"من أجل الوردة" وقد نشرتْ الطبعة الثانية منمها دار أبعاد – بيروت، ونفدت الطبعة الثانية.

وبين الشعر والقصة، كنت أقدم حفلات وأكتب عن القرى، والمناطق، والعريس والعروس، والطفل المولود، والميت وغير الميت... وعلى رغم أن تلك القصائد لا أنشرها ولا أحتفظ بها، لكنها ساهمت في تجرِبتي الشعرية مساهمة لا أستطيع إنكارَها، وأوجدت لي قاعدة شعبية عريضة في الجالية، امتدت إلى ملبورن وأدلايد حيث دُعيت عدة مرات لإلقاء قصائد وتقديم مناسبات.

وكانت أعمالي الشرية والقصصية تنشر في الصحف والمجلات وعبر الإذاعات، وكُتب عني الكثير وكتبتُ عن الكثير، قبل أتركّ ساحةَ النقد في أستراليا لنقاد آخرين أكثر معرفةً واختصاصاً .

على صعيد الرواية، كتب اثنتين: "الذئب والبحيرة"، و"طائر الهامة"، ولم تنشر الأولى على نطاق واسع، لكن الثانية التي أصدرتها دار أبعاد الجديد-بيروت كانت خطوة مهمة في حياتي الأدبية وقيل فيها الكثير، وقد صدر كتاب في عام 2015 بعنوان كتبوا في طائر الهامة. ثم كانت عودتي إلى لبنان عام 2004، فاشتغلت مدرّساً في معهد الليسه عمشيت، وكانت لي فيه إطلالات شعرية، استمرت حتى بعد تركي المعهد وتفرغي في جامعة سيّدة اللويزة. في الجامعة نشرت كتابين كاديميين يدرّسان حتى الآن في الصفوف الجامعية، وكتبتُ مقالات أكاديمية شاركت في مؤتمرات ومناقشات علمية، وأول كتاب أنجزته في الجامعة هو حياة البطريرك اسطفان الدويهي بالانكليزية الذي نُشر في أستراليا، ثم طُلب مني أن أُمسرح قصيدتي "وقلت أحبك" من ديوان و"قلت أحبك" لتمثَّل في عيد تأسيس الجامعة، وحصل الطلاب الممثّلون على جائزة سعيد عقل، ويومَ جاء العملاق سعيد عقل إلى الجامعة ولقائي به من أجمل أيام حياتي . وكانت لي أمسيات كثيرة في الجامعة شهدت حضوراً واسعاً كأمسياتي في سيدني، لكنّ حدثين آخرين مهمّين يجب أن أتوقّفَ عندهما: قصيدتي في مئوية سعيد عقل التي يقول مطلُها: سعيدُ مهلاً إلى أين السير بنا وأنت بعد فتيٌّ مثلما الزهَرُ؟ وقد اعتُبرت من أهم القصائد التي قيلت عن سعيد عقل، ووصفها شاعر لبناني كبير بأنها قصيدة النور. ولك أكتف بتلك القصيدة المؤلفة من 74 بيتاً بل أردفتها بقصيدة أخرى يوم وفاة سعيد عقل، واختيرت من أدب المهاجر لتُنشَر في كتاب أجراس الرحيل

واليا سمين في بيروت. وللتوضيح فقط سأنشر تعليقين لأستاذين كبيرين في بيروت على القصيدتين عن سعيد عقل، هما الدكتور يوسف عاد والدكتور عصام الحوراني. يقول الدكتور يوسف عادفي جريدة الأنوار- الثلاثاء 20 تشرين الثاني 2012 عن قصيدتي في مئوية سعيد عقل: "إنّه الإبداع والابتداع في عالم الشعر، بعد أن نفذ الشعر من مستشعريه... جميل الدويهي وسعيد عقل توأم القصيدة العربيّة".

ويقول د. عصام الحوراني عن قصيدتي يوم وفاة سعيد عقل: "رائعة جدًّا، فلأنتَ خليفةُ الشّاعر الرّاحِل بامتياز، وكم يطيب لسعيد عقل سماعُ قصيدتك في عليائه! أدام الله قلمك سيّالاً ومحلِّقًا أبدًا في آفاقٍ نورانيّة أخّاذة مشعشعة... هذا قليل من كثير المديح الذي يقال لي كل يوم، من سيّد الكلام، إلى أمير الشعراء، إلى شاعر المهجر الأول، إلى جبران الجديد، وكل هذا الكلام موجود على صفحتي على الفايسبوك في تعليقات على قصائدي وأعمالي النثريّة. وأنا أحترم أصحابه، وأعرف أنّ ما يقولونه نابعٌ من محبتهم وتقديرهم لأعمالي وتعبي في سبيل الفكر والثقافة، لكنني لست ممن يحمّلون الكلمة والألقاب أكثر مما تحتمل، الأهم عندي أن أعمالي هي التي تكرّمني، وإذا كانت أعمالي لا تكرمني فلا أستحقّ أي تكريم. لكنني صادق وأمين في رسالتي، لا أدّعي شيئاً ليس لي، ويؤسفني أن أرى أناساً يقولون لك إنهم لا يعرفون اللغة العربية، وفي اليوم التالي تقرأ لهم مقالة تظن أن الجاحظ كتبها، أنا أقول: أعرف عندما أعرف وأقول لا أعرف عندما لا أعرف، وهذا جزء مهم من شخصيّتي، شهادتي صحيحة، كتبي صحيحة، ألقابي صحيحة، وما هو غير صحيح لا أريده ولا ألتفت إليه. وأسأل نفسي: أيُّهما أهمّ : ثيابي البراقة التي أرتديها أم في معبد الروح؟ لقد ماات جبارن والريحاني وميخائيل نعيمة وقلّما ذُكر عنهم أنّهم تكرّموا في غير أدبهم... سأعطيكم مثلاً بسيطاً: أنا قلما أسمّى بالإعلامي مع أن الكثيرين يحملون هذه الصفة، وقد عملت في إذاعات وتلفزيون وصحف معروفة، وأنا مدير تحرير لجريدة المستقبل الغراء وعملت محرراً في جريدة الديار اللبنانية لفترة، وكتبت تسعين حلقة تمثيلية إذعية لإذاعة قطر أخرجها الأستاذ توفيق نمور وعُرضت جميعها لثلاث سنوات متتالية في شهر رمضان المبارك... هذا كلّه لا يعنيني كثيراً إلا من حيث التأريخ. ولا يغيظني أن غيري إعلامي، ولو رأيت غيري يُعطى عرشًا وتاجاً وصولجاناً ، لمضيت في طريقي لأكتبَ كتاباً آخر هو عندي صلاةٌ عبادة وعِشقٌ لا ينتهي.

الحدث الثاني في جامعة سيدة اللويزة الذي تعنيني الإشارة إليه، هو التـاسيس لكتابي الفكري "في معبد الروح" الذي حملتُه معي إلى سيدني عام 2013، وكان من أهمّ الكتب التي كتبتها في حياتي، بل أعتبره قمة أعمالي على الإطلاق، وقد انتقلت به من الأدب إلى الفكر، وترجمته إلى الانكليزية، ثم كتبت بعدَه تأملات من صفاء الروح وهو كتاب يُكمل الكتاب الأول، ومن ضمن مشروعي "أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي”. هذا المشروع تمخض في عاميْي 2015 2916 عن ثمانية كتب هي: لا تفكري صار الهوى ذكرى، طائر الهامة الذي قلت إنني طبعتُه في بيروت وشحنتُه مع أغراضي إلى سيدني، أشهر المعارك الإهدنية في التاريخ باللغة الإنكليزية، في معبد الروح، تاملات من صفاء الروح، أعمدة الشعر السبعة، حاولتُ أن أتبع النهر، النهر لا يذهب إلى مكان، وفي معبد الروح بالانكليزية، إضافة إلى كتابين هما كتبوا في طائر الهامة، وكتبوا في معبد الروح. جميع هذه الكتب توزّع مجاناً في أمسياتي الحاشدة، تأكيداً على اهتمامي بنشر الأدب الرفيع، وتأكيداً أيضاً على ما أسمّيه الكرَم الدويهي، تحبّباً لا افتخاراً . وهذا العام سيصدر في 30 آذار ديوان باللغة العامية يحمل عنوان "مِن قلب جرجي بقول حبّيتك"، وثلاثة كتب أخرى سيُعلن عنها في حينها من بينها تأملات من صفاء الروح باللغة الإنكليزية، ليكون عدد كتبي باللغة الإنكليزية حتى الآن أربعة، مع أنني تعلمت الانكليزية على يدي، ولم أدخل إلى مدرسة سوى لفترة بسيطة لا تتعدى أسبوعين.

الأسامي

سْألنا الأسامي: مِـــين نحْــنا؟ كَذّبو

ومن كتْر مــا عِدْنا السؤال تْهرّبو...

قلنا: اتْركونا... واسْعَه كْتير الطريق

ويمكن حَــدا من غير عَيلِه تِقْرِبو...

معقول إنتو بتِشْبَهونا عن حقيق؟

معقول نحنا منتْعب، وما بتتْعبو؟ا...

كلما عْشيقه تْروح تا تْلاقي عشيق

بتْراقْبُو اللي صَـــــــار، وبتتْعَجّبو...

وبتْرافْقو البحّار بالبحْـــــــر الغَميق

وما بتفْزعو لا يْضِيع هُوّي، ومَرْكبَو؟

شِفْنا أسامي عْتاق بالسُّوق العَتيق

عا دَين خِيّاطين عـَـــــــم يِتْقطّبو...

في ناس حَبّو ياخدو الإسم الرَّقيق

وفي ناس تا يْلاقو أسامي، تْعذّبو

وهَودي الطيور الفَوق بالجَوّ الطليق

مـــــــا في لهُن أسْماء، وتْذاكر سَفَر

مـــــن هَيك بيغَنّو شِعْر، وبْيلْعَبو.

المهمُّ في أدبي هو التنوّع الفريد، ففي ديواني "أعمدة الشعر السبعة" نشرت سبعة أنواع شعر هي: العمودي، التفعيلة، المدوّر، والنثري، والزجل، والتفعيلة العامية والمدور العامي، وهذه المرة الأولى في التاريخ العربي على الإطلاق التي يَنشر فيها شاعر واحد في مجموعة واحدة هذه الأنواع السبعة. كما أنني لا أحصُر نفسي في الشعر، بل أكتب القصة، والفكر، والتاريخ، والمقالة الأكاديمية، وباللغتين العربية والانكليزية، وبالأمس نُشرتْ لي مقالة عن فكرة الشيطان عند غوته الألماني وأمين الريحاني من 3حوالي 47 صفحة من القطع الكبير، في كتاب "منارات ثقافية" الصادر في طرابلس لبنان. ولم يتحدث أحد قبلي عن هذا الموضوع إطلاقاً بشهادة أسرة الريحاني... وهذا شرف لي يضاهي أكبر الأوسمة وأعلاها شأناً. كما أكتب الافتتاحية السياسية، وقد كتبتُ حتى الآن أكثر من 600 افتتاحية من بينها حوالي 300 افتتاحية في جريدة المستقبل وحدها.

وما أعتز به في أعمالي هو أنها على رغم كثافتِها، متنوّعة ونوعيّة، وليست للتجارة ولا للإهمال، وسأتابع مشروعي أفكار اغترابية رغم جميع العوائق والصعوبات، وأنا أعرف أن الإبحار ما دونَه خطورةُ الغرَق، وأعرف أنّ في الحياة مَن لا يرويدنك أن تعمل، وإذا أشرقتَ كما تُشرق الشمس، نذروا نفسهم لكي يجعلوا الظلامَ في كفّة مساوية للضياء... والله هواالموفّق دائماً، ومَن كان الله معه فمَن عليه.

كبريت

كان يجب أن أنتهي من كتابي منذ زمن. فقد ضجرتُ من الكتابة. الركض على السطور مرهق. الحبر مبيد للحشرات. الكلمات مفخَّخة.

أنتم لا تعرفون عنِّي شيئاً. ليست لديّ نظَّارتان مستديرتان، وشعري لا يلامس الغابة... لا أتبع الخطوط، والقرى المسكونة بالأشباح تضجرني. الفلاَّحون متَّهمون بقتل سقراط. رفعوا تمثالاً لشاعر البيدر. حنَّطوه لكي يكون أقوى من غدر الزمان... أعطوني شيئاً لأنتهي من عذابي. لأرتاح من فداحة المشهد. مَن منكم إذا طلب أخوه سمكة أعطاه حجراً؟ مَن منكم أسأله عن نار فيعطيني رماداً؟ يبدو أنَّكم لم تقرأوا الأسرار. لم تسمعوا بمعجزة. الحقيقة أنَّني تعبت. أريد أن أنتهي من كتابي قبل أن يغضب منِّي جميع القدِّيسين والأنبياء. فرجاء هاتوا علبة كبريت لأنتهي من كتابي.

_______

وأثناء المحاضرة تطرق الدويهي أيضاً إلى موضوع مهم وهو أن أحداً لم يترجم له حتى الآن على الرغم من تنوع أعماله، وربما هذا يعود إلى نقص منه، أو ربما هناك شيء غير مفهوم - حسب تعبيره، كما تطرق إلى مسألة النقد معتبراً أنه ناقد متخصص وأعماله النقدية تناولت جبران والريحاني وسعيد عقل وفؤاد سليمان وغوته، وهي منشورة في كبريات الكتب والمجلات، معلناً أنه اعتزل النقد في أستراليا لأسباب لا تخفى على أحد. وألقيت أسئلة ومداخلات أغنت الجلسة التي خرج منه الجميع متأثرين بما سمعوا، وتمنى العديد من الحاضرين على الدويهي أن يقدم لهم محاضرة أخرى في موضوع آخر.

هذا وقد وزع الدويهي نسخاً مجانية من ديوانيه: "أعمدة الشعر السبعة"، و"حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان" على الحاضرين.

#كتاب

11 views