Search
  • Jamil Doaihi

دانا بدر بطارسة: قضيّة من قضايا العصر


إن ما يشهده العالم اليوم من تشوه للمعيار الاخلاقي وازدواجيته ليس بجديد، فمنذ قديم الزمان تألق وحوش القتل من مختلف الانظمة السياسية والخلفيات الاجتماعية والاديان ببلورة المعايير الاخلاقية المناسِبة لأيدولوجياتهم وأجنداتهم ومن ثم القيام بصنع وجه آخر لهذه المعايير يؤلم ويقتل ويذبح ويسرق كل من يختلف معهم بوجهات نظرهم ومعاييرهم الاخلاقية، متخلين عن الدستور الالهي الموضوع في ضمير الانسانية جمعاء. أضع على رأس القائمة بعض ساسة البلدان ورجال الدين والجماعات والافراد من عامة الشعب، ناهيك عن بعض وسائل الاعلام التي تعتبر منبرا لإنطلاق هذه المعايير المشوهة. فالانسان المعاصر يعيش بين مطرقة الاخلاق وسندان القوانين الدينية، وبين حانا ومانا ضاعت لحانا، وأصبح اكثر ما يميزه هو الضياع واللامبالاة وانتقاص قيمة اخيه الانسان. تمتد جذور هذه المأساة الانسانية الى عمق التاريخ الذي هيأ المناخ المناسب لإيناعها واستمراريتها، حيث احتضن التاريخ شخصيات الملحمة وكررها على مر العصور ولن تتوقف عن الظهور ما لم يقم أبطال هذه الملحمة المتنورين بإيقاف المأساة وإقامة العدل الالهي والانساني. إن أخطار هذا التشوه تتعدى الفكر المسطح والمبسط والعميق وتتخطى الخيال، إذ قد وصلت الى المدارس والمؤسسات حيث تعمل على تركيز المعايير المشوهة في باطن أذهان الاطفال وتربي بداخلهم تقبلها وتبنيها وعيشها على المدى البعيد. إنه لمن المهم جدا بالنسبة لهم إعداد جيل يقبل الشذوذ والتبعية وبيع وشراء العلم والضمائر، جيل يتلقى الاوامر وينفذها بدون تفكير، جيل همه الوحيد لقمة العيش والركض وراء رغيف الخبز المتدحرج. في هذا الزمان اصبحت ولادة المثقفين والمتنورين ولادة عسيرة جداتموت الام فيها، في هذا الزمان انتحرت الاخلاق والمعاييرالجميلة ولم يعد لنا سوى شموع مضيئة صغيرة متناثرة هنا وهناك في أصقاع الارض. من منهم يا ترى يتحلى بالشجاعة لخوض المعركة؟ ومن منهم يستطيع ان يجيب عن السؤال الاخلاقي بوجهة نظر واحدة عامة وبدون ازدواجية؟ نريد أخلاقا ومعاييرَ تخدم البشرية جمعاء وليس مجموعة ما او دين ما، نريدها صافية ونزيهة وليس وسيلة لتحقيق مآرب أخرى، نريدها ان تأتي بقوالب تناسب الجميع بمختلف مقاساتهم وخلفياتهم. نريدها إنسانية بحتة مجردة. لا نريد ان نتعايش مع الفشل والتشوه وغياب الضمير، إذ انه إذا غاب القانون من جهة يكون الضمير هو الحكم البديل من الجهة الاخرى، فماذا لو غابا معاً؟ انها النهاية لا محالة.

#كتاب

181 views