Search
  • Jamil Doaihi

ليندا اللقيس غصن تكتب عن "تأملات من صفاء الروح" للدويهي


المرأة على الشاطئ

(من كتاب: "تأمّلات من صفاء الروح" للأديب وفيلسوف العصر الدكتور جميل الدويهي).

يخبرنا الكاهن الصالح في "تأملات من صفاء الروح": "بينما كنت في ذات يوم أراقب الطيور البيضاء التي ترفرف على الصخور وتفرش أجنحتها على الأفق الازرق، لمحت امرأة جالسة على رمال الشاطيء، وهي تنظر الى البعيد وتتحدث الى المجهول بصوت مرتفع، ظننت في بادئ الأمر انها تخاطب أحداً، ولكنني لم أر حولها بشراً، فقلت في نفسي: لعلها فقدت احداً في البحر وهي تناجيه، اقتربتُ منها وعندما رأتني صمتت عن الكلام قائلة، هل انت تراقبني ايها الكاهن؟ -"كلا يا ابنتي. لقد كنت ماراً من هنا فرأيتك، لا اقصد ازعاجك". -"انت لا تزعجني ووجودك يؤنسني ويبدّد وحدتي... لقد طال الزمن قبل ان يعودوا، اولئك الذين رحلوا الى هناك، هل تراهم يا أبتِ كم أراهم؟... كل موجة تتكسّر على الشاطئ تحمل اصواتهم وتبوح بما يفكرون به وهم يغامرون الى بلاد لا يمكن لاحد ان يكتشفها إلا الملهمين". هذه حقيقة، ان الذين رحلوا ستبقى اصواتهم تتردد في الفضاء الواسع وستبقى الاماكن تحمل بصماتهم، فالزمن مهما طال لا يستطيع ان يحطم أنوار القناديل المضاءة على القمم، وحقاً ايها الكاهن الصالح "الارواح كلما غابت عن انظارنا رأيناها بيننا تحدثنا" لأن الروح خالدة... والخلود لا تقيّده مسافات وتبقى ارواح الراحلين بالقرب منا تسمعنا ونشعر بها والحجر والشجر تتكلم عن الذين غابوا... والزمن يقف شاهداً لهم لا يموت. ويتابع الكاهن الصالح: وبقيت هذه المرأة تعود الى البحر تنظر الى البعيد علّها تشاهد المركب قادماً يحمل الغائبين، وعندما سألها الكاهن: "هل فقدت احباء لك؟" اجابت: "نعم ولكن البكاء لا يغيّر شيئاً من الحقيقة". أجل، لأن الحياة صراع متواصل مع الجسد والروح، وعندما تتغلب الروح الجبارة على الجسد الضعيف، تعود الروح من حيث أتت في مركب من النور الى الخلود - الوطن الحقيقي - وينتهي العراك مع التراب الفاني...

#كتاب

3 views