Search
  • Jamil Doaihi

ألبير وهبه يكتب عن "في معبد الروح" للأديب د. جميل الدويهي


مداخلة في كتاب "في معبد الروح"

للدكتور الأديب جميل الدويهي

(ألقيت في جلسة حوارية عن "تأملات" الدويهي في 27 آذار 2017)

دخلت "في معبد الروح" مرّتين:

المرّةُ الأولى - العام الماضي - يومَ أهداني الدكتور جميل الدويهي مجموعته. والمرّةُ الثانية، يومَ سألني أن أقوم بمداخلة حول هذا الذخر الثمين.

***

في المرّةِ الأولى دَخَلْتُه متفكّهاً، أصطادُ منه رشاقَةَ الكَلِمَةِ الدوَيهيّةِ السلسةِ، وحبكَةَ الحواراتِ الشّيّقَةِ والأسلوبَ الرّاقي الذي يتَماوجُ بين الأنماط الإيعازية والبرهانيةِ والسردّيّة.

هذا الأسلوب لا يختلِفُ مُطلَقاً عنه في النتاجات الفكرية للدكتور الدويهي – الشعريةُ منها في بابيـها الفصيح والعامي والروائية الأدبية.

وفي المرّةِ الثانية، دَخَلْتُ "معبدَ الروح" بصفاءِ المؤمِنِ، وخُبْرةِ المربّي لأضيءَ على منافذِ النّورِ الفلسفيِّ الّذي تشُعُّ بِهِ محطاتُهُ السَّبْعُ والثَّلاثون.

***

وأوجزت مُداخِلتي في عنوانينَ سِتّة وخاتمة:

1 . لماذا في "معبد الروح" ؟

2 . ماذا في داخل "معبد الروح" ؟

3 . محطاتٌ في "معبد الروح".

4 . "في معبد الروح" وفلاسفة العصر الحديث.

5 . منائرُ تُضيءُ على الحياة.

6 . "في معبد الروح" والإنسان الجديد.

1 . لماذا في "معبد الروح" ؟

في معبد الروح صورةٌ لمجتمعٍ فاضلٍ تسلّط الضوءَ على القيمِ الإنسانيةِ داخلَ الإنسان. ونزعةٌ فلسفية جديدة لخلق جيلٍ إنسانيٍّ واعٍ لما أعطاه الله من كنوزٍ سامية.

لكلِّ عصرٍ فلاسفتُهُ ومعلموه وقادةٌ فكرية تنير ظلماتِ الحياة. فإذا كان أفلاطون في العصرِ الروماني قد وضع أسُسَ جمهوريته الفاضلة حيث يجد المواطن والزائرُ أرقى الخدمات باسلوبٍ حضاريٍّ، واستكملَهُ أبو نصر الفارابي بآراء حول المدينة الفاضلة فيأتي الدويهي الجميل، مع مطلع الألفيةِ الثالثة ليضع أسساً فلسفية جديدة لمجتمعٍ فاضلٍ، مجتمعٍ ترتكز دعائمُه الفلسفيّةُ على الإنسان، داعياً إِياهُ للتخلي عن ترابيةِ الجسدِ والتعلّقِ بنورانيّةِ الرّوح؛ ويكون بذلك قد سكب في كأسِ الحياة رحيقاً سامياً يرفعُ الإنسانَ إلى أرقى درجات الإنسانية التي ارتضاها له مبدعُ هذا الكونِ الرّحيب.

***

2 . ماذا في داخل "معبد الروح" ؟

دخلتُ المعبدَ فانفتحتْ أمامي حديقةٌ شاسعةٌ، تهيمُ في أَرجائِها صورةُ الله البهيّةُ، ويتأفعنُ ، على امتدادِ مساحتها، نهرُ الحياة.

على إحدى ضفَّتَيْهِ يقفُ الفلاحون، والحطّابون والمكارون والعاملاتُ بأحمالهم المثقلةِ بالهُمومِ والتعبِ والخوف والتَّرَدُّدِ والشّك. يغوصون في أعماقه ليخرجوا على ضفَّتِهِ الأخرى وقد اتشحوا بالسّلام والطمأنينة والحبِّ والرّجاءِ والحرّية.

3 . محطاتٌ في "معبد الروح".

عَلى ضَفَتي هذا النهرِ ترتفعُ المنائرُ السبْعُ والثلاثون. ومن كل منارةٍ تشُعُ حكمةٌ ، يتلوها كاهنُ المعبدِ بوقار المتصوف. هذه الحكمُ ترتقي بالإنسان من معبد الجسد إلى الروحانية الصافية وتدعوه إلى التجرّدِ والانتقالِ:

من الحالة الترابية إلى الروحانية السامية،

من الوهمِ إلى الحقيقة،

من الشر إلى الخير،

من الحرب إلى السلام،

من البغض إلى الغفران والتسامح،

من الضوضاء إلى التأمل،

من ضجيج الحياة إلى الصمت والتنصت إلى الصوت الداخلي النابع من ذات الإنسان، وهو صوتُ الله المحب للخيرِ والسلام.

4 . "في معبد الروح" وفلاسفة العصر الحديث.

"في معبد الروح" يخالف:

  • نيتشه في نظرية "ألوهة الإنسان". فالدكتور دويهي يرى" أن الإنسانَ ليس إلهاً، بل فيه قطرة من عبير الإله".

  • وغوته وجبران في نظرية الخير والشر. فيرى الكاتب أن "الشرَّ نقيضُ الخير، والشّريرُ يجب أن يُحاسبَ لأنه جعل الشرَّ ينتصرُ على الخير".

  • وروسو في دفاعه عن ثقافة الغابة. فالدويهي يرى أن الغابةَ هي مكانٌ للشّر" في ذلك يقول: " ... فالشرّ ليس مرتبطاً بالمكان، بل هو مرتبط بطبيعة الإنسان".

5 . منائرُ تُضيءُ على الحياة.

ومن المنائر السبعِ والثلاثين تتوزّع مفاهيمُ جديدةٌ لحياة فاضلة. من هذه المنائرُ ما توزّع الحبَّ. يجيب كاهن الروح سائلَه عن مفهوم الحبّ قائلاً:" أجمل أنواع الحب هو الذي يعطي ولا يأخذ".

ومنها ما يدعو إلى قبول الآخر واحترامِ مقدساته. ويجيب الكاهن قائلاً: " لا تسألوا أحدكم من أين أنت؟ من هما أبواك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه. فالأصلُ واحدٌ والدينُ واحِدٌ كما أن الله واحدٌ في كل الأمكنة".

ومنها ما تدعو إلى مفهوم جديد للحرية والمساواة والخير والتطبع والمسامحة.

وتنتهي هذه المنائرُ بدعوة إلى السلام فيقول: "وصيتي لكم أن تَدَعوا السلام يعيش ويكبرُ في بيوتكم وشوارعكم".

6 . في "معبد الروح" والإنسان الجديد.

" في معبد الروح" كتاب يصلح عن جدارة أن يكون مادة دسمة تدرّس في المعاهد والجامعات، لأننا بحاجة ماسة، في هذه الأيام التي تتآكلها الحروب والأصوليات بكل أنواعها، إلى تنشئة جيل جديد على هذه القيم الفكرية التي يذخر بها هذا الكتاب؛ علّنا بذلك نصل إلى خلق إنسانٍ جديدٍ مؤمنٍ بالمحبة والانفتاح وقبول والآخر، فنصل إلى مجتمعٍ فاضلٍ مبنيٍّ على السلام الحقيقي.

***

خاتمة

وليس بغريب على الدكتور الشاعر والأديب جميل الدويهي هذا النتاج الفلسفيُّ الجديد. فهو الذي تنشّق أريج الحرية من العرين الأهدني وداعبته أمواجُ الأبيضِ المتوسط أن يأتيَ أدبُهُ كقمم جبل المكمل ناصعَ النقاء، وكالبحار عمقاً واتساعاً.

وإذا كان القرن الماضي أعطى الإنسانيةَ صوفية النعيمي في " اليوم الأخير" وجبران في نبي أورفليس، فإن الألفية الثالثة افتتحها الدويهيُّ بدعوة إلى مجتمع فاضل حدوده الإنسان في كتابه "في معبد الروح".

#كتاب

5 views