Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: أعطوني النهر كلّه


ختمتُ كتابي "حاولت أن أتبع النهر... النهر لا يذهب إلى مكان" بجملة هي، على بساطتها، من أكثر ما كتبت تعبيراً عن الخسارة والإحباط: "رجاء هاتوا علبة كبريت، لأنتهي من كتابي". هذه الجملة بالذات صورة عن الألم الذي يعتصرني كلّما كتبتُ كلمة.

أقف أمام المرآة، فأجدني بريئاً ليس في قبضتي سكّين، ولا ارتكبت جريمة.

الجريمة - كما جاء في مرافعة الادعاء العام - انّني أكتب كثيراً ولا أتراجع.

ما ذنب النهر إذا كان الله قد أعطاه ماء وفيراً وأعطى الساقية ماء أقلّ؟

وما خطيئة الجبل إذا كانت التلّة تريده أن يكون أصغر منها، وهو ما ادّعى يوماً أنّه كبير، والله خلقهما معاً كما شاء، وليس من مشيئة أقوى منه؟

هناك تناقض في الأفكار بيني وبين كثير من الناس، فعندما أكتب لا أدّعي التفوق، ولا أسعى إليه، بل أبالغ في التظاهر بأنّني فشلت في صعود القمّة. لكنّ هؤلاء الكثيرين يظنون عكس ذلك، ويحاسبون على ما يفكّرون به، وليس ما أفكّر به.

كم هو عذاب لي، أن أطبع مئات الكتب، وأدعو الناس إلى حفل لأوزّعها مجانًا، وعندما أعود إلى منزلي أجد في صناديقي كتباً كثيرة... وكم كنت أحبّ لو استطعت أن أبيع جميع كتبي مجاناً، ولا أعيد كتاباً واحداً إلى بيتي.

وكم يغيظني أن ألتقي بأحدهم في الشارع، فيطلب منّي كتاباً، فأعطيه، ثمّ يطلب كُتباً لأخيه، وابن عمّه، وجيرانه، فأعطيه، وعندما أدعوه إلى حفل، يرفض الحضور، فألجأ إلى فكري الذي اعتاد على ردّ الجميل لأسأله: كيف حدث ذلك؟ فلا يستطيع أن يجد تفسراً مقنعاً.

كم يحزنني أن أعيش في وطن، ينظر فيه بعض العابرين إلى أعمالي وكأنّهم ينظرون إلى قطعة حطب مرمية في غابة، بينما يستميتون في مديح لا مبرّر له، في أمكنة أخرى، وأزمنة لا تشبه زماني.

وكم يؤلمني أنّ كثيراً من الأصدقاء الذين فتحتُ لهم أبواب مدينتي، وسلّمتهم مفاتيح قلبي، يدوسون على سطوري ويرفضون أن يقولوا: عافاك الله، كما يقال لأيّ فلاح في الحقل ولو كان جالساً تحت شجرة ولا يفعل شيئاً.

وكم يقضّ مضجعي أنّ الفارس الحقيقي يُتّهم بالادعاء، ومَن لا يرفع سيفاً، ولا يملك فروسيّة ولا بطولة هو البطل المقدام الذي لا يُشبهه أحد.

وكم يزعجني أن يصبح العطاء ميداناً لنسج الرويات الخيالية، والأساطير، والعنتريات، والمستمعون يصدّقون ويطربون كأنّهم في جلسة الحكواتي المبدع في التلفيق، في إخراج حذق ومتقن لا يكتشف أحد خفاياه.

وكم يعذّّبني أن أقرأ كلّ يوم، في هذه الجريدة، وتلك المجلّة، وذلك الكتاب صفة "الكبير" تُطلق على أناس وتُحجب عن أناس آخرين أكثر إشراقاً وتألّقاً، وكأنّ الحقيقة المطلقة هي في أيدي بعض البشر، يقولون للشيء: كن فيكون، ويصنعون رجالاً من هيئة الطين.

ولستُ أدري ما هي الخسارة التي يشعر بها امرؤ إذا قال لمَن يتعب، ويضحّي، ويجاهد، ويقدّم من عرقه وماله... كلمة جميلة، أو عبارة شُكر وتقدير، لينفض عنه غبار التعب!

بلى، أنا أدري... لأنّ المساواة التي يُراد بها باطل هي أصل البلاء، فالذي يضيء في العتمة يجب أن يتساوى مع العتمة، وتحت تهديد السلاح... والمساواة عندما تُستخدم لترفيع الفاشل وتحقير الناجح هي أشدّ أنواع المساواة فتكاً، بل هي سبيل إلى الدمار.

إذن. لا تعطوني علبة كبريت لأنتهي من كتابي، ومن عذابي. أعطوني النهر كله، النهر الذي حاولت أن أتبعه... لألقي فيه بجميع ما كتبتُ، وبجميع أيامي التي صرفتها... وكانت حبراً على ورق.

#كتاب