Search
  • Jamil Doaihi

مقدمة د. جميل الدويهي لباكورة الأدبية الإعلامية كلود ناصيف حرب


كلود ناصيف حرب: الحبّ قنديل الحياة (بقلم د. جميل الدويهي)

بكلمات قليلة، تخترق كلود ناصيف حرب جدار الزمن البارد، لتحطّ كيمامة على ربيع أخضر. والهديل الرقيق يكسر جدار الغربة، ويقضي على الغرابة في عتمتها المخيفة.

القصيدة لا ينبغي أن تكون كثيرة الكلام، فقد يَسكر الفكر وهو يلحق بقليل من الأحرف، إذا كانت مشعّة، وعالية فوق سنوات ضوئيّة. كلمات من النور، ومن قلب يحبّ حتّى الثمالة، هي أبيات من الشعر والشعور، تدْفق وتبدع وتتألّق.

وكم تخيّلت أنّ الأبيات هي واحة من السحر والظلال، يفيء إليها الحبيب المتعب من رحيل وزمان!

و كما أنّ كلود تطرح أسئلة كثيرة ولا تدري، فنحن جميعاً لا ندري، وهذه اللاأدريّة بسيطة، لا توغل في الفلسفة، ولا هي انعكاس للشكّ، فكلود مؤمنة بالله والإنسانيّة، وأسئلتها لا تتجاوز الخيال الشعري والخاطرة التي قد لا تخطر في بال الكثيرين، فتختصّ بها وحدها وتجعلها فكرة أساسيّة في كتاباتها، وهي تعبّر عن فرح وشغف بالحياة والسعادة... وربّما أيضاً الخيبة، فالحبُّ ليس دائماً غبطة، بل هو في وجهه الآخر معاناة، وكم رأينا أطفالاً يبكون ويضحكون في وقت واحد.

السفر هو الابتعاد في جسد الزمان والمكان، وفي ضوء الحكاية. لا يعرف الإنسان إلى أين هو ذاهب، فالمحيط واسع، والسفينة موغلة في الخضمّ وتغالب العاصفة. إنّ العرج أنفسهم لا يسيرون إلى الوراء، كما يقول جبران خليل جبران في "النبيّ"، وكما في كتابي "في معبد الروح": "لا تنظروا إلى الوراء لأنّكم تسيرون إلى الوراء منذ ولادتكم وأنتم لا تعرفون". ومن هذا الإيمان بأنّ العجلة تسير بنا إلى ما هو أفضل وأكثر تأثيراً، أشعر بالسرور لأنّ كلود شقّت طريقها، ولا رجعة إلى الوراء.

هذه هي الحقيقة، أو بعض الحقيقة المطلقة التي تواكبها كلود في خط بيانيّ رؤويّ، لكنّه حالم وهادئ، ولا حاجة بنا إلى كثير من التفكير لاكتشاف أبعاده.

والسؤال: لماذا الحبّ؟ لأنّه قنديل الحياة، وأنوار القلب. الحبّ هو كل الأبعاد والماوراء، حيث يكون وجه الحبيب هو القمر والنجوم، في سهر الحبيبة الطويل. الحبّ هو البحر ونحن المراكب.

وفي شغف الطفولة البريئة، تمتدّ يد كلود إلى القمر لترمي به في الغياهب، فما أنت أيها الضوء الهزيل، يا مرآة الشمس، يا ظلاماً في الأصل يستجدي الضوء من كواكب أخرى؟... ما أنت لتحلّ مكان الحبيب الذي هو الجمال والضوء الأصيل في معبد الجمال؟

وتنتهي كلود أحياناً إلى بعض السأم من الحياة والناس، فالحياة هي انتقام من الخيبة نفسها، ويظهر لدى صاحبة الكتاب أنّ الحبَّ هو حلم لا يتحقّق، هو طموح إلى اللقاء، واللقاء لا يكون: "إلى متى أنتظر أن تسقط على صدري، ولا تسقط، بل تسقط حبّات المطر؟"... غريب أنّ الحبّ، على جماله، ورقّته، وعمله في الروح، لا يتمّ، ولا يكون كما تشتهي سفينة الأحلام، بل يتساقط المطر دموعاً، هي مطر العيون، في أوقات الحزن والتمنّي والسهر على نافذة الأشواق.

رحلة قصيرة تأخذنا بها كلود على صهوة الكلمة، ولست أعرف إذا كانت القصيدة قصيدة، أم هي نثر شعريّ، أم هي نثر وكفى، لكنّني رأيت فيها أعماقاً أعمق من الشعر، وعلى بساطتها ورقّة حديثها، أعلن أن كلود ناصيف حرب هي صوت صارخ في ضمير الإبداع، ولو أنّها تصرف وقتاً على الكلمة، وأرادت أن تكون كاهنة في هيكلها المقدّس، لأشرقت من داخلها، وصدحت بأصوات ملائكية أنّ البدع هنا، ولا حاجة بنا أن نذهب إليه في أسواق البضاعة الباهتة التي لا صوت لها ولا صدى.

وكم يغبطني أنّ كلود انطلقت في رحلتها الأدبيّة، بشكل رسميّ، من مشروعي "أفكار اغترابيّة"، فمحاولاتها الأولى لم أعرف عنها شيئاً إلاّ من خلال الموقع، والكثيرون من الذين أعرفهم يقولون ذلك، كما أفتخر بأنّ "أفكار اغترابيّة"قد فتح الطريق لها ولعدّة أقلام جديدة لتفصح عن الجمال الذي نرفض أن يوضع تحت مكيال، وهدفنا أدب مهجريّ راق في أستراليا، وكلود هي خير من يمثّله.

#كتاب

15 views