Search
  • Jamil Doaihi

د. جميل الدويهي: أمّة الصدود الفكري


نحن أمّة الصدود الفكري. وكيف تريدوننا أن نرتقي بين الأمم؟

ولماذا تحتفل فرنسا وسويسرا وإنكلترا وأميركا وروسيا بعظمائها، ونحن نطردهم من بيننا لنحلّ محلّهم الجاهلين؟

لماذا يعجّ تاريخنا بصور الشعراء والمفكرين والأحرار وقد عُلقوا لتأكل لحومهم الغربان؟

لماذا يُقتل عنترة والمتنبي والحلاّج والسهروردي، ويتشرّد جبران والريحاني ونزار قباني والسياب والبياتي؟

ولماذا نرفض مبدعينا، ونرفض أن نصدّق أنهم مبدعون؟ ولماذا نحاول دائماً أن نجد أعذاراً شيطانية لنمنع كلمة جميلة أن تصدر من فم؟

ولماذا نجاهد في سبيل أن نساوي بين الفحمة المنطفئة والكواكب المضيئة؟

ولماذا يدأب شويعر على تحقير شاعر كبير، وإمطاره بألفاظ التقبيح والهجاء؟ وما هو المرض النفسي الذي يكمن وراء ذلك؟

ولماذا يتراكض المدّاحون والمطبلون والمزمرون ليشيدوا بإنجازات ليس لها وجود، فقط ليغيظوا من لديهم إنجازات؟

لماذا نعطي جائزة رفيعة لكتَاب بعنوان "الكات والكِيت لتعليم العفاريت"، ونمنعها عن كتُب هي معابد، ومزارات للحرّية والعدالة؟

لماذا نحبّر الصفحات الطويلة لنمدح مَن كتبَ جملة مفيدة، حتى إذا وقفنا أمام الفكر المبدع والخلاق، شحبت وجوهنا، وأصابتنا عدوى الصمت، في نكران خليع للفضل والجميل؟

لماذا يتبارى نقّادنا في الترويج لفنّ هابط، وغناء تافه، وقلم مريض يكيل الشتائم واللعنات على النور، وعندما تضع في أيديهم عملاً راقياً، ينسحبون وكأنهم غير معنيين بشيء اسمه الرقي؟

لماذا نوظف في إذاعاتنا وجامعاتنا أناساً يتصدّون لكل صاحب معرفة، ويأتون بمن لا يجيد القراءة ليقرأ، ومن لا يجيد الكتابة ليكتب، ومن لا يعرف الفتحة من الضمة ليصحّح اللغة، ومن ليست عنده لياقة لكي يجري مقابلات مع الناس... أمّا الذي يعرف فلا مكان له إلا في التشرد والمعاناة؟

هناك أناس يصابون بذبحة قلبية إذا سمعوا قصيدة رقيقة، أو شاهدوا رسماً رائعاً، أو وصلت إلى آذانهم أغنية مبدعة، لأنّ المرض أقرب شيء لهم وهم ينظرون إلى الجمال الذي لا يستطيعونه.

هناك أناس يصمتون كأهل الكهف أمام التفوّق الذي لا يعرفون أسراره.

هناك أناس يكونون في الكنيسة وأنت تقرأ رسائل مار بولس، فينسون الصلاة والعبادة، ليطلبوا من الله أن تُخطئ أنت وتتلعثم في القراءة، أو تسقط عن الدرج.

وهناك أناس أعرفهم، يضعون أيديهم على عيونهم كلّما رأوا زهرة ربيعية، لأن العطر ليس من اختصاصهم... وكلّ ظنهم أن الزهرة لن تدفق عطراً بعد الآن، وقد نسوا أن العطاء ليس خياراً بل هو قدر، أمّا هم فوجودهم وعدم وجودهم سيّان.

وهناك أناس أعرفهم يخافون من المحاسبة والملاحقة والتنكيل وقطع الأرزاق إذا خرجوا عن الخطوط المرسومة لهم، والحياة كرامة.

وكيف تريدوننا أن نصمت على مذبحة؟ على أكذوبة كبيرة؟ على تزوير في وضح النهار؟

كيف تريدوننا أن نصدّق أن إنساناً يؤخذ بالسخافة إلى درجة السكر هو إنسان سويّ؟

كيف تريدوننا أن نصدّق أن نبعاً رقراقاً هو أقل قيمة من النبع الجاف، وأنّ الكرم الذي يفيض خيراً وغلالاً هو أحقر من الكرم اليابس الذي لا يعطي؟

كيف تريدوننا أن نبصم على حقيقة أن "بُوس الواوا" أجمل من "أنت عمري"، وأن سلّومة الأقرع أكثر ابداعاً من امرئ القيس؟ وأن "ركّبني المرجيحة" تستحق التكريم أكثر من "رسالة من تحت الماء"؟

لقد انطبلت آذاننا بأدب الشتائم، وأدب العامة، وأدب النفخ، وأدب التراب، وأدب سقط المتاع، وأدب الرذيلة، وأدب النهود والأفخاذ، وأدب الجنس... وطارت عقولنا من كثرة المصفّقين للا شيء، إلا لأن هذا صديق، وهذا من عائلة نحبها، وذاك من ضيعة نكرهها... وذلك مبدع حقيقي لا نريده أن يبدع.

قارئ الجريدة في بلادنا متّهم بالهوس، والمتعلم متّهم بالجنون، والأكاديمي متّهم بأنه غير مثقف، أما غير الأكاديمي فله الحقّ وحده في أن يكون مثقفاً، وكأن العلم والثقافة لبن وسمك لا يجتمعان.

الذي يحمل دكتوراه في بلادنا مغرور جداً، والذي ينتحل صفة بروفسور وهو معلم ابتدائي، ومَن يشتري دكتوراه بـ 500 دولار من مؤسسة وهمية هما المتواضعان مثل يسوع الناصري.

الذي يصْدق في بلادنا ويقول الحقيقة عن نفسه يكون خاطئاً ويستحق الرجم كمريم المجدلية، أما الكاذب والمزوّر، والنمّام، والواشي، والمتآمر، والحسود والحقود... فهم رسل الحقّ والمبشّرون بالخير والفضيلة، ولهم تنحني الرؤوس، وإليهم تزحف القبائل.

والذي تكون الكلمة الرديئة والبذيئة على لسانه هو القدّيس الذي يشع منه النور وترشح ثيابه زيتاً، أما النقيّ، المهذّب، والراقي فهو المجرم الذي يجب أن يقطع لسانه...

الصدود الفكري آفة. وباء. أقبح من مرض الأيدز، وهو غير موجود في الغرب، لأنهم يعترفون بالحقيقة، ونحن أبعد الناس عن الحقيقة، إلا قلة تؤمن بالله، وبالضمير وبالأخلاق.

رفعوا تماثيل للعظماء في بلاد الناس، وتماثيل عظمائنا مرابط خيول، وقاذورات.

مجدوا شكسبير وقالوا إنه عبقري، وإذا قيل عن واحد منّا إنه عبقري، اشتغلت الهواتف للمنع والرفض والاستنكار، وأرسلوا زبانيتهم إلى الإذاعات، وحرّضوا الجمعيات والمؤسسات، وأقاموا الدنيا وأقعدوها، فقط من أجل أن يمحوا كلمة حقّ من ضمائر الناس.

في بلاد العالم يرفعون تماثيل لعظماء غيّروا العصور، وأقاموا الثورات، ونوّروا العقول، وفي بلادنا تماثيل وتكريمات بالأطنان لأناس نجحوا فقط في تغيير ملابسهم الداخليّة، وفي الانتقال من شتيمة إلى شتيمة أكثر قبحاً من الأولى.

البريء في بلادنا مدان، ورئيس العصابة الذي تحفل مجالسه بالجواسيس والمريدين والعملاء هو النقيّ الطاهر الورع.

أقفلوا علينا باب التفكير، وطلبوا من مخبريهم أن يحرمونا من الصفات التي نحن نرفعها ولا نرتفع بها، لأنّهم رأوا أن لا مجال لهم للتحليق مع النسور.

نحن شعب لا يقارن الشيء بالشيء، ولا يعترف بالعلم والقياس، بل بالقبيلة والعائلة والضيعة والزعامة، فمتى كان الحزبي هو العالم، ومتى كان ضيّق الفكر هو الحكَم الصحيح الذي لا يُشكُّ في حكمه؟

لن نقول: يا أمّة ضحكت من جهلها الأمم، لأنّ في هذه الأمة أناساً متنورين، وعليهم نعقد العزم في معركة الحقيقة، ومهما حدث، فلن نضع شمعة مضيئة تحت مكيال.

#كتاب